في عام 2025، تحتفل الكنيسة الجامعة بمرور سبعة عشر قرنًا على انعقاد مجمع نيقية الأول سنة 325م، المجمع الذي رسم ملامح العقيدة الأرثوذكسية الجامعة، حين اجتمع الآباء من مشارق الأرض ومغاربها ليعلنوا بالإجماع أن يسوع المسيح هو "الابن الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق". لم يكن …

في عام 2025، تحتفل الكنيسة الجامعة بمرور سبعة عشر قرنًا على انعقاد مجمع نيقية الأول سنة 325م، المجمع الذي رسم ملامح العقيدة الأرثوذكسية الجامعة، حين اجتمع الآباء من مشارق الأرض ومغاربها ليعلنوا بالإجماع أن يسوع المسيح هو “الابن الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق”. لم يكن هذا الإعلان مجرّد بيان عقائدي، بل تأسيسًا لهوية إيمانية، وسلوك كنسي، و”روح المجمع” التي لا تزال تنبض في أوصال الكنيسة حتى يومنا هذا.

غير أن ما يميّز هذا الاحتفال اليوم، في مطلع الألفية الثالثة، ليس فقط طابعه التذكاري أو اللاهوتي، بل بروز صوت أرثوذكسي إفريقي فريد، يحمل في نبرته نَفَس المجامع، ويعيد إلى المشهد الكنسي بُعدًا طال نسيانه: أن إفريقيا لم تكن يومًا على هامش تاريخ الخلاص، بل كانت إحدى حاضناته الأولى، وها هي اليوم تعود لا كضيفة على مائدة الإيمان النيقاوي، بل كإحدى بناته الشرعيات، التي وجدت مجددًا جذورها في الشركة الكنسية الرسولية.

اللاهوت الإفريقي الأرثوذكسي: نهضة من الجذور

نشأ اللاهوت الإفريقي الأرثوذكسي المعاصر كردّ وجودي وروحي وثقافي على اختزال إفريقيا إلى موضوع للتبشير أو ساحة للصراع المذهبي، كما كان الحال خلال فترات الاستعمار وما تلاه من موجات التبشير الغربي التي غالبًا ما حملت معها قراءة ثقافية متعالية للمسيحية، مستأصلة إياها من سياقها التجسدي. لكن الكنائس الإفريقية، وخصوصًا في شرق القارة، بدأت تستعيد زمام المبادرة، فظهرت حركات لاهوتية تعيد قراءة الإنجيل من قلب المعاناة، وتدمج بين التقليد الأرثوذكسي والوجدان الإفريقي، بما فيه من غنى طقسي ورمزي وشَرِكَوي.

هذا اللاهوت لا ينطلق من فرض نماذج مستوردة، ولا يقف عند حدود التنظير الأكاديمي المعزول، بل هو لاهوت “متجسد” بالمعنى الكريستولوجي، إذ يحمل في طياته الإدراك العميق بأن المسيح لم يتجسد في زمنٍ ما فحسب، بل لا يزال يتجسد في كل ثقافة تحتضن سرّه وتعلن قيامته.

نيقية في الوعي الإفريقي: المجمع كخبرة كنسية حيّة

لقد أعادت المجامع المسكونية الأولى، وعلى رأسها مجمع نيقية، رسم حدود الإيمان وفق قانون الشَرِكَة، لا الانفراد، ووفق منطق “السينودوس” أي المسيرة المشتركة. وهذا ما يلتقطه اللاهوت الإفريقي الأرثوذكسي بحدس روحي عميق. فالوعي الإفريقي، بطبيعته المجتمعية، يُدرك أن الإيمان لا يُعاش إلا في الجماعة، وأن العقيدة لا تُفهم إلا في إطار الكنيسة، جسد المسيح السرّي. لذلك فإن قراءة نيقية من قلب إفريقيا ليست قراءة تاريخية فقط، بل “استعادة إيمانية” لروح المجمع: لقاء الكنيسة الجامعة لتعلن ما آمنت به دومًا وفي كل مكان ومن الجميع

المدارس اللاهوتية الإفريقية: من أثناسيوس إلى كيهالي

حين نتحدث عن اللاهوت الإفريقي، فإننا لا ننطلق من فراغ، بل من تقليد عريق يمتد من مدرسة الإسكندرية التي أنجبت القديس أثناسيوس، المدافع الأول عن العقيدة النيقاوية، ومرورًا بالقديس كيرلس عمود الدين، وانتهاءً اليوم بلاهوتيين أفارقة يستعيدون هذا المجد اللاهوتي بلغة ثقافية وروحية متجددة.

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بصفتها وريثة هذا التقليد، كانت ولا تزال شاهدة للنيقاوية في قلب القارة، لا كأثرٍ ماضٍ، بل كحياة حاضرة. كما ساهمت بطريركية الروم الأرثوذكس في الإسكندرية في ترسيخ البعد الليتورجي والنسكي للإيمان الأرثوذكسي في القارة، من خلال تأسيس جماعات محلية منذ أوائل القرن العشرين.

الليتورجيا كمجال للتجسد: حيث يلتقي الطقس بالروح

تُشكّل الليتورجيا قلب اللاهوت الإفريقي الأرثوذكسي. فالطقس ليس عنصرًا ثانويًا، بل لغة سريّة تعبّر عن العلاقة بين الله وشعبه. ويُدرك الإفريقي، بفطرته الروحية، أن العبادة ليست تذكّرًا ذهنيًا لله، بل دخولٌ فعلي في “الكرونوس” الذي صار “كايروس”، أي في الزمان الذي صار أبدية. لذلك يرى في الإفخارستيا ليس مجرد طقس رمزي، بل لقاءً وجوديًا مع المسيح الحي، القائم، الحاضر بالجسد والدم.

وهنا تظهر عظمة الليتورجيا الأرثوذكسية، إذ تخاطب الحواس والعقل والوجدان، وتقدّم الإيمان النيقاوي لا كمجموعة مبادئ عقلية، بل كسرّ يُعاش، وكشركة تنبض بالحياة. فالمذبح، في الوعي الإفريقي، ليس مكانًا جامدًا، بل نقطة التقاء بين السماء والأرض، بين الأسلاف والأبناء، بين الماضي والمستقبل.

اللاهوت المجتمعي: الكهنوت كجسر بين الجماعة والإله

في الثقافة الإفريقية، يُنظر إلى الكاهن لا كموظف طقسي، بل كوسيط مقدّس، حامل للذاكرة الجمعية، وضامن للسلام الداخلي للجماعة. وهذه الصورة تجد امتدادها الطبيعي في الكهنوت الأرثوذكسي، حيث يُمثّل الكاهن المسيح، رئيس الكهنة الأعظم، لا بسلطان شخصي، بل بقوة الإفخارستيا، وبالشركة في جسد الكنيسة.

ومن هنا، يعيد اللاهوت الإفريقي صياغة مفهوم الكهنوت في ضوء الثقافة، دون أن يُخضعه لها، بل يُجذّره فيها. فالكاهن في الكنيسة الإفريقية المعاصرة يقف في قلب الجماعة، ويقودها نحو الشَرِكَة، ويشهد باسمها أمام الله، ويستدعي السماء إلى الأرض في كل قدّاس.

لاهوت التجسد في سياق إفريقي: كلمة صار لحمًا وسكن فينا

ما يميّز اللاهوت الأرثوذكسي الإفريقي هو وعيه العميق بسرّ التجسد. فالله لا يأتي إلى الإنسان من الخارج، بل يدخل تاريخه، يسكن أرضه، ويتكلّم لغته، ويتقدّس في طقوسه. لذلك فإن المسيحية لا تُبشّر في إفريقيا كدينٍ وافد، بل كاكتمال لما كان ينتظره الإنسان الإفريقي بفطرته: إلهٌ قريب، يتجلّى في الجسد، ويُقدَّم في الجماعة، ويُحتفل به في الزمن.

أمام تحديات الحاضر: نيقية كمعيار للحقيقة

لا يغفل اللاهوت الإفريقي الأرثوذكسي التحديات الراهنة: صعود لاهوتيات فردانية وشعبوية، تغريب الليتورجيا، بروز جماعات تدّعي الكرازة وتروّج لهرطقات لاهوتية، تبتعد عن روح المجمع والشَرِكَة. لكن اللاهوت الإفريقي يردّ على هذه التحديات لا بالعنف العقلي، بل بالعودة إلى “إيمان الآباء”، إلى قانون الإيمان النيقاوي، إلى الكنيسة كجماعة تؤمن وتصلّي وتعيش.

إن نيقية، كما يفهمها الإفريقي الأرثوذكسي، ليست لحظة ماضوية، بل مرجعية دائمة، لأنها تُظهر أن الإيمان لا يُبتدع، بل يُسلَّم، وأن العقيدة لا تُفرَض، بل تُحتَفَل بها.

الكنيسة في إفريقيا: جسد حيّ، لا مؤسسة مستوردة

في نهاية المطاف، فإن الكنيسة الأرثوذكسية في إفريقيا، كما تتجلى من خلال هذا اللاهوت، ليست مؤسسة مفروضة من الخارج، بل جسد حيّ ينبض في قلب الثقافة. هي كنيسة تُكرّم الأسلاف، وتحتفل بالحاضر، وتنتظر مجيء المسيح في المجد، وهي، في كل هذا، شاهدة على أن الإيمان النيقاوي لا يزال حيًا، متجسدًا، مصلّيًا، ومنفتحًا على كل شعوب الأرض.

إنه لاهوت التجسد… يعود من جديد إلى إفريقيا، لا ليُنشئ كنيسة، بل ليُعيد كشف ملامحها الأصلية. ففي الليتورجيا، وفي الجماعة، وفي الجسد والرمز والطقس، يلتقي الإفريقي بالمسيح، ويُدرك أن نيقية لم تكن بداية طريق، بل علامة على الطريق الذي سلكه الآباء، ويسلكه الأبناء حتى يكتمل الجسد، ويُعلن المجمع الأخير، حيث نرى الرب وجهًا لوجه.

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *