نناقش معًا أحبائي في هذا المقال موضوع جد خطير، وهو الحديث عن الله سواء بالطريقة الإيجابية أو الطريقة السلبية. وأود التوضيح في البداية الفرق بين اللاهوت السلبي أو لاهوت النفي واللاهوت الإيجابي. اللاهوت السلبي أو النفي أو التنزيهي هو عبارة عن الحديث عن الله بنفي أو سلب أو تجريد صفات النقص والتغيير والأهواء عنه وصفات …

نناقش معًا أحبائي في هذا المقال موضوع جد خطير، وهو الحديث عن الله سواء بالطريقة الإيجابية أو الطريقة السلبية.

وأود التوضيح في البداية الفرق بين اللاهوت السلبي أو لاهوت النفي واللاهوت الإيجابي.

اللاهوت السلبي أو النفي أو التنزيهي هو عبارة عن الحديث عن الله بنفي أو سلب أو تجريد صفات النقص والتغيير والأهواء عنه وصفات المادة أيضًا، ولقد أتفق آباء ومعلمو الكنيسة الجامعة اللاهوتيون كما سنرى، على أنه أفضل وسيلة للتعبير عن الله في ذاته وجوهره وماهيته الإلهية (الثيؤلوجيا)، وخير مثال على ذلك ما نقوله من ألقاب وصفات عن الله في القداس الغريغوري، حيث نقول عن الله التالي:

”الذي لا يُنطق به، غير المرئي، غير المحوي، غير المبتدي، غير الزمني، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل“. [1]

أما عن اللاهوت الإيجابي فهو عبارة عن الحديث عن الله في علاقته مع الخليقة وتدبيره وعنايته بها، وننسب إليه صفات المحبة والعدل والرحمة والغفران والصلاح والشفقة وغيرها من الصفات، التي تصف الله في علاقته وتدبيره بالخليقة (الإيكونوميا) كما أستقر على ذلك معظم الآباء في الكنيسة.

الكتاب المقدس

كما نجد اللاهوت السلبي بوضوح في الكتاب المقدس في مقاطع كثيرة، عندما يصف الكتاب المقدس الله في جوهره وذاته كالتالي:

1- يقول معلمنا يوحنا الرسول عن أن طبيعة الله غير منظورة عن طريق لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ“. (إنجيل يوحنا18:1)

2- يؤكد ق. بولس على أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت النفي أو السلب كالتالي:

”لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ“. (الرسالة إلى رومية20:1)

ويكرر نفس الفكرة أن طبيعة الله غير منظورة مستخدمًا لاهوت التنزيه والتجريد في موضع آخر قائلاً:

”الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ“. (الرسالة إلى كولوسى15:1).

ويتحدث عن طبيعة الله بلغة النفي أو السلب أو التنزيه بأنه عديم الموت وغير المقترَب منه وغير المرئي قائلاً:

”الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ“. (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس16:6)

بينما عندما يتحدث الكتاب المقدس عن علاقة الله بخليقته وتدبيره لها، يستخدم لاهوت الإيجاب والتأكيد كالتالي:

”وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ“. (سفر الخروج7-6:34)

”لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ“. (سفر المزامير5:86)

ولكننا سنركز على اللاهوت السلبي، لنتتبع جذوره من الفلسفة اليونانية حتى عصر آباء الكنيسة لنستوضح: هل اللاهوت السلبي يعتبر أفضل وآمن تعبير عن الله في ذاته وجوهره أم لا؟

وينبغي التنبيه أحبائي أن اللاهوت السلبي يختلف تمامًا عن اللا أدرية والإلحاد الأكثر ابتذالاً، اللذين يفترضان بشكل متعجرف إنكارهم ونفيهم لوجود الله، كما لو كان لا يوجد بالمثل بشكل إيجابي في إيجابيته المستيكية (السرية)، لأن اللاهوت السلبي له أهمية دياليكتية (جدالية) في الفلسفة الدينية عند الكثير من المفكرين التأمليين.

أفلاطون

نبدأ من عند اللاهوت السلبي عند أفلاطون، حيث يرى أفلاطون أننا لا بد أن نتذكر أن اللغة مخصصة أساسًا لكي تشير إلى موضوعات تجربتنا الحسية، وكثيرًا ما تكون قاصرة عن تأدية التعبير الدقيق عن الحقائق الميتافزيقية (أي الأمور ما فوق الطبيعة أو الإلهية)، وهكذا ترانا نتحدث، ولا يمكن أن يكون حديثنا معبرًا عن أن الله يتوقع كذا، وهي عبارة قد تعني أن الله موجود في الزمان، في حين أننا نعرف أن الله غير زمني، لأنه أزلي، بالرغم من أننا لا نستطيع أن نتحدث عن أزلية الله بشكلٍ كافٍ، ما دمنا نحن أنفسنا ليست لنا تجربة بالأزلية. [2]

كما يتحدث أفلاطون عن اللاهوت السلبي أو الطريق السلبي في الحديث عن الله، حيث يرى أن الواحد (الله) هو المبدأ النهائي ومصدر عالم المثل، كما يعلو الواحد عن المحمولات البشرية ويجاوزها (اللغة الإيجابية)، وهذا يعني أن الطريق السالب هو منظور مشروع للواحد (الله). [3]

أرسطو

يتجلى بأوضح صورة اللاهوت السلبي عند أرسطو الذي أهتم بتوصيف الألوهية المطلقة عن أفلاطون، حيث يرى أن المحرك الأول غير مادي، فلا يمكن أن يقوم بأي فعل مادي، بل نشاطه روحي خالص وعقلي أيضًا، فنشاط الله نشاط الفكر. كما يتحدث أرسطو عن أن الله المحرك الأول الذي لا يتحرك وهو عقل محض، ولم يتحدث أرسطو عن المحرك الأول على أنه وجود شخصي، وبالتالي لم تكن لدى أرسطو نظرية عن الخلق الإلهي أو العناية الإلهية، فالله عنده قائم بذاته، ويفكر في نفسه على نحو أزلي، ولا يعلم الله سوى ذاته، ولا يمكن أن يكون موضوع لفكرة خارج ذاته. [4]

فيلو السكندري

ننتقل إلى فيلو السكندري، حيث يوحد في تعليمه اللاهوتي بين نزعات وحدة الوجود (خلط الله بالطبيعة) والوجودية المنطقية الفلسفية الهلنستية وبين الفهم اليهودي الرابيني للألوهية المفارقة أو المجاوزة للعالم، وبفضل النزعة الأخيرة، يمكن إثبات أن فيلو هو ممثل اللاهوت السلبي بشكل حاسم إلى حد ما. يدعو فيلو إلى عدم إدراك وعدم تسمية الألوهية بشكل كامل، لأنها غير قابلة للإدراك، ولا يمكن تصورها، وغير قابلة للتعريف والتحديد، وغير قابلة للتسمية.

لذا يتحدث الأب فريدريك كوبلستون عن تأثير فيلو في الفكر المسيحي المبكر، ويقول إنه قد بولغ فيه بدون شك، ولكن يقول إننا يجب أن نعترف أن الفيلونية قد ساعدت على تمهيد الطريق أمام الأفلاطونية المحدثة بتمسكها بالتعالي الكامل لله، ووجود موجودات متوسطة، وصعود النفس بالحالة السلبية للجذب لأعلى مرحلة حتى تصل إلى الذروة في الجذب أو الدهش المستيكي. [5]

العلامة كليمندس السكندري

تبنى كليمندس السكندري اللاهوت السلبي للحديث عن الله في ذاته، حيث أعتنق بشكل كامل التعليم عن عدم إدراك الألوهية بالعقل مكرسًا من أجل تطوير هذه الفكرة، حيث ابتدأ بكلام أفلاطون قائلاً:

”الله لا يمكن إدراكه بالعقل، والفكرة عنه لا يمكن التعبير عنها بكلام“. [6]

ويستشهد بقول يوحنا الرسول مستخدمًا لاهوت السلب أو النفي كالتالي:

”ويقول يوحنا الرسول: الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر (يو١: ١٨)، داعيًا الذي لا يُرى، والذي لا يُدنى منه بحضن الله. ومن ثم دعاه البعض العمق، لكونه يحتوي ويحتضن كل شيء، ولا يمكن الوصول إليه، وبلا حدود له“. [7]

ويستطرد في نفس السياق مستخدمًا أسلوب النفي أو السلب عن جوهر وذات الله كالتالي:

”ولذلك هو بلا شكل ولا اسم“. [8]

ويؤكد في موضع آخر أن اللاهوت السلبي أفضل من اللاهوت الإيجابي للتعبير عن الله في جوهره وذاته كالتالي:

”وإذا اسميناه، فإننا لا نفعل ذلك بشكل صحيح واصفين إياه بالواحد، أو الصالح، أو العقل، أو الكائن المطلق، أو الأب، أو الله، أو الخالق، أو الرب. فنحن لا نهبه اسمًا، ولكن عند الضرورة، نستخدم أسماءً جيدةً من أجل دعم العقل بهذه النقاط، حتى لا يخطئ في نواح أخرى. لأن كل اسم في حد ذاته لا يعبر عن الله. ولكن كلها معًا تدل على سلطة كلي القدرة، لأن الاسم يُستمد إما مما يخص الأشياء نفسها، وإما من علاقاتها المتبادلة، ولكن أيًا من هذه ليست مقبولة في الإشارة إلى الله. ولا يمكن إدراكه بأي شيء من علم البيان. لأنه يعتمد على المبادئ الأولية والمعروفة، ولكن ليس هناك شيء سابق لغير المولود“. [9]

ولكن يقود الاعتراف بعدم إدراك الألوهة كليمندس السكندري إلى التأكيد على أن الإعلان الإلهي هو المصدر الوحيد للمعرفة الإيجابية عن الألوهة، وهذا الإعلان هو بالنعمة الإلهية من خلال الكلمة (اللوغوس) الصادر من الله، حيث يقول:

”ويبقى إذًا أن نفهم المجهول بواسطة النعمة الإلهية، وبواسطة الكلمة وحده الصادر منه، طبقًا لما يرويه لوقا في (سفر) أعمال الرسول عن أن بولس قال: أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ (أع17: 22-23)“ [10]

ومن هنا نستنتج أحبائي أنه أفضل طريقة للحديث عن الله كما هو في ذاته وجوهره بحسب الكتاب المقدس والتقليد والفلسفة هي طريقة لاهوت السلب أو النفي أو التنزيه، ولكن ننال المعرفة الإلهية من خلال الكلمة المتجسد الإعلان الكامل والحقيقي عن الله غير المنظور، لأنه بهاء مجده ورسم أقنومه وصورته. وبالتالي صدقت المقولة الشهيرة: أن ما لا تراه في المسيح الكلمة المتجسد لا تصدقه عن الله.

أفلوطين

يدافع أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة عن الحديث عن الله بطريقة اللاهوت السلبي، حيث أن الحديث عن الواحد بطريقة السلب لا يعني أن الواحد عدمًا أو لا وجود، بل يعني بالأحرى أن الواحد يتعالى على أي وجود نصادفه في خبرتنا. بما أن الوجود مستمد من موضوعات التجربة، أما الواحد فهو يعلو على جميع هذه الموضوعات، وبالتالي يعلو أيضًا على التصور الذي يقوم على هذه الموضوعات.

لذا نرى أن الفكرة الفيلونية المنتشرة على نطاق واسع في اللاهوت المسيحي لهي بمعنى أوضح سوء فهم بأنه: إن كان اللاهوت السلبي لا يستطيع تأكيد أي شيء عن الله، فمن ثم من الواضح أنه لا يستطيع التأكيد على كينونته بالمثل أيضًا.

العلامة أوريجينوس

ننتقل إلى العلامة أوريجينوس الذي أكد على عدم القدرة على إدراك جوهر الله، واستخدم اللاهوت السلبي للحديث عن الله في جوهره وذاته على نطاق واسع، حيث يقول التالي:

”نقول قولاً صريحًا أن الله لا يمكن إدراكه، بل يمتنع عن الكُنه. وإن أمكننا التفكير فيما يتعلق بالله أو فهمه، فيجب الاعتقاد بأنه يتخطى كثيرًا ما نحسبه فيه“. [11]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أننا نعاين الله في الابن المتجسد، حيث يخاطب الله قائلاً:

”بنورك سنعاين النور، ألا أننا سنعاينك أنت الآب في كلمتك أو حكمتك أي في ابنك“.[12]

[1] القداس الغريغوري، صلاة محبة الله الآب.

[2] فريدريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة مج١، اليونان وروما، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ص٢٤٢.

[3] المرجع السابق، ص٢٥٦.

[4] المرجع السابق، ص٤٢٦.

[5] المرجع السابق، ص ٦١٥.

[6] المتفرقات ٥: ١٢: ٨.

[7] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩.

[8] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١٠.

[9] المرجع السابق، ٥: ١٢: ٩، ١٠.

[10] المرجع السابق، ٥: ١٢: ١١.

[11] المبادئ ١: ١: ٥.

[12] المرجع السابق، ١: ١: ١.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *