(ترجمة مقاطع من الفصل الأول و الثانى من كتاب " تاريخ مختصر للأخلاقيات الطبية" لدكتور البرت جونسون) ... ... فى مبادئ الأخلاق الطبية عند الاغريق القدماء يتعلق بما يسمى الفيلانثروبيا (محبة الانسان) وهو مصطلح الفلسفة الرواقية فى الاساس. يعتبر ابقراط و قسمه المشهور هو اول من وصف اخلاقيات الطب كفن و حرفة سامية تتضمن احترام …

(ترجمة مقاطع من الفصل الأول و الثانى من كتاب ” تاريخ مختصر للأخلاقيات الطبية” لدكتور البرت جونسون)
فى مبادئ الأخلاق الطبية عند الاغريق القدماء يتعلق بما يسمى الفيلانثروبيا (محبة الانسان) وهو مصطلح الفلسفة الرواقية فى الاساس.
يعتبر ابقراط و قسمه المشهور هو اول من وصف اخلاقيات الطب كفن و حرفة سامية تتضمن احترام حقوق المرضى و من بعده جالينوس حيث راجع و جمع طب ابقراط
وبنهاية القرن الرابع الميلادى تأسست اول مستشفى مسيحية فى قيصرية كبادوكية…وقتها.. ازدهرت العلوم الطبية فى الاسكندرية و القسطنطينية
وفى بدايات العصور الوسطى كان من يمارس الطب هم الكهنة و الرهبان فى اوروبا حيث احتفظوا بعلوم الطب داخل مكتبات الاديرة
اثرت المبادىء المسيحية- فى الغرب كما نشرتها كنيسة روما هناك- على الطب …حيث اثرت الكنيسة لاهوتيا و اكليزيولوجيا على ممارسة الطب…حيث كان عليهم مواجهة الجهل و الشعوذة …فقدمت المسيحية الطب العقلانى مع الصلوات فى مواجهة السحر و الشعوذة
تبنت الكنيسة فكرة الشفاء لأن المسيح هو الشافى و حسب وصيته لتلاميذه بافتقاد المرضى حيث وضع نفسه مع المرضى فى كفة واحدة “تعالوا الي يا مباركى أبى….كنت مريضا فزرتمونى” (مت 25:36)
كما أن المسيح شبه نفسه بالطبيب حين صرح قائلا ” لايحتاج الأصحاء الى طبيب بل المرضى” (مت 9:12)
ورغم أن الشفاء على يد المسيح معجزي و له مدلول روحى لكنه كان نافعا أن الطب البشري استفاد من تلك التشبيهات التى سردها الرب يسوع المسيح
تبنى المسيحيون الأوائل وجهة النظرفى قدرة الله التى تسمح بالمرض لكن الله يتممم الشفاء باحسانه و هذا لا يعنى التنصل من الشفاء الممنوح على يد البشر (أى الاطباء).
رغم أن هناك كتابات متفرقة لأوريجانوس ينتقد فيها الطب لصالح الشفاء الالهى المباشر لكن جوهر الايمان المسيحى هو ان مهارة الاطباء و حكمتهم و علاجاتهم هى ايضا من القدرة الالهية
فها هى كلمات القديس باسيليوس الكبادوكى ” لا بد أن نعطى اهتماما عظيما للجوء لمهارات الطب عند الضرورة لا ان نعطيها كل المسؤلية عن صحتنا او مرضنا بل ننسب كل المجد لله…لا يجب ان نتنصل او نستعفى من الطب و لا نودع كل ثقتنا فيه….فكما يوجهنا التعقل نستدعى الطبيب ولكن لا نفقد ابدا الرجاء فى الله”
فالكنيسة قديما لم تتبنى الطب فقط بل اوصت بالاهتمام بالمرضى كعمل احسان و رحمة
فبداية القرن الثانى كان التشبيه بين المسيح الشافى وعمل الأطباء فى الشفاء شعارا مسيحيا وكان مصطلح Christus Medicus المسيح الطبيب متداولا …واستشهد معلمو الكنيسة بمثل السامري الصالح فى لوقا 10…فكتب القديس يوحنا ذهبى الفم
فى القرن الرابع يقول ” لا يهم ان كان المرض مسيحيا او يهوديا او أمميا…غنيا أو فقيرا …عبدا أو حرا مادام يحتاج اليك”
وفى القرن الثالث الميلادى عندما اجتاح الطاعون ايطاليا و شمال افريقيا ….اشتهر المسيحيون بتفانيهم فى خدمة المصابين و اطلق عليهم لقب (البارابالانى) اى المتهورون المغامرون بأنفسهم.
ففى عام 251 م كتب كبريانوس اسقف قرطاجنة ” ان الطاعون يبحث عن بر كل أحد و صلاح كل أحد…اما بالعناية بالمرضى أو عندما يقوم الاقارب بواجباتهم نحو ذويهم أو يظهر السادة عطفا علي عبيدهم السقماء أو لا يهمل الاطباء مرضاهم المتضررين” و حث شهد ديونيسيوس اسقف الاسكندرية للمسيحيين انهم ” اظهروا حبا و اخلاصا بلا قيود …لم يضنوا بأنفسهم بل كان الاخرون فى فكرهم …اهتموا بالمرضى دون اعتبار للمخاطر …حيث خدموهم فى المسيح …و العديد منهم اذ كانوا يعتنون بهم ويعالجونهم انتقل الموت لهم وماتوا هم ايضا…اما الوثنيون….فى اول بادرة للمرض دفعوا المصابين بعيدا عنهم و هربوا حتى من اعزائهم”, و يقول كبريانوس فى موضع اخر ان واجب المسيحيين الا يهتموا فقط بذويهم بل يظهروا عطفا ورحمة حتى للغرباء و حتى للأعداء.
بل ان حتى الامبراطور يوليانوس الملقب بالجاحد ورغم ازدرائه بالمسيحية الا انه شهد بخدمة المسيحيين فى الاوبئة اذ قال ” اولئك الجليليون عديمو التقوى لم يساندوا مساكينهم فقط بل مساكيننا ايضا”.
حتى ان احد الاكاديميين يفترض ان تفانى الكنيسة فى خدمتها للمرضى فى ذلك الوقت العصيب اذ انه بابسط اساليب العناية و التمريض ادت لنجاة بعض الضحايا اكثر من اهمالهم ليموتوا …فأعطى الايمان المسيحى الاساس المنطقى للألم و لعمل الرحمة اكثر من الثقافات الوثنية السائدة حتى ان الكثير من الوثنيين تأثروا بذلك عندما راؤا عمل الخير و الرحمة من المسيحيين فتحولوا هم ايضا للمسيحية.
وفى عام 372م …قرر القديس باسيليوس تنفيذ كلماته عن الاستفادة من الطب عمليا ….وحيث انه كان اسقف قيصرية كبادوكية …افتتح مستشفى لمرضى البرص حيث يخدمونهم الممرضون و الاطباء الملاحظون وكتب صديقه القديس غريغوريوس النزينزي يصف ذلك ال(زينودوكيون) أى بيت الغرباء ويقول ” هذه مدينة جديدة حيث ينظر للمرض فى نور الديانة و يوضع التعاطف تحت الاختبار …بيت هو مخزن للتقوى …لم نعد نرى المنظر المريع للمرضى و هم مطروحون كالجثث البالية على مشارف الموت ويطردون من المدن و مجارى المياه …انه باسيليوس الذى اخذ زمام المبادرة فى اقناع كل رجل الا يزدرى باخيه والايجلبوا العار للمسيح بعدم انسانيتهم تجاه كل انسان” واصبحت تلك المستشفى مثلا يحتذى به فى العديد من المؤسسات المشابهة فى كل العالم المسيحى حيث تم تعريف العناية بالمرضى بانها رحمة مسيحية و خدمة لله.
ومن القرن السادس فصاعدا كان هناك دور للرهبان المتفرغين لخدمة المرضى سواء كانوا من الرهبان او من العلمانيين وكانت هناك اماكن للراحة و العناية داخل المجتمعات الرهبانية فى كل مكان
و فى الغرب كان مؤسس رهبنة الغرب كاسيودوروس يعطى تعليمات و ارشادات للعناية بالمرضى وكانت تتضمن قائمة بكتب الطب الكلاسيكية التى كان ينبغى ان يدرسها الرهبان الاطباء و القائمون على خدمة المرضى (مايوازى الممرضين حاليا)
وهذا العمل التقوى للتمريض استدعى بعض المهارات الطبية المحدودة للعلاج و اصبح الممرضون الرهبان حتى و ان لم يتعلموا الطب من الكتب ولكنهم استخدموا الاعشاب بمهارة و طبقت كتب الفارماكوبيا اى قائمة العقاقير و الادوية و من اشعر تلك الكتب ما كتبته هيلدجارد رئيسة دير بينجن (1098-1179) ويدعى كتاب الطب المبسط و كان يحوي تعليمات عن العناية الطبية بالمرضى بالاضافة للصلوات و الطقوس اللازمة لتوجيه الكهنة فى الايبارشية.
وفى القرن الحادى عشر تغلغل الطب بشكل اكاديمى فى كاتدرائيات الكاثوليك فكان الاسقف فولبرت مؤسس مدرسة شارتر طبيبا و عالما مقتدرا يستخدم طب وحكمة ابقراط او يتكل على رحمة الرب فكتب ” ان الأطباء الأرضيون يتعلمون بالخبرة الطويلة قوة الاعشاب فى تغيير الحالة الصحية للجسم البشرى…ولكن لا يوجد طبيب له خبرة فى النجاة من الامراض المستعصية .كما شهد ابقراط…المسيح مؤسس الطب السماوى هو وحده من يشفى بأمر منه”
فى اواخر القرن ال11 كان هناك مجموعة من التجار الايطاليين الاتقياء تبرعوا بصدقات لدعم مستشفى فى اورشليم القدس للعناية بالحجاج المرضى هناك , و العديد منهم اطلقوا على انفسهم الاخوة المساكين لمستشفى القديس يوحنا الاورشليمي واعتنوا بالمرضى فى مستشفاهم ونذروا انفسهم لخدمة المرضى و منها تأسست مستشفيات للعناية بالمرضى فى طريق الحج من اوروبا لاورشليم و اعترف بهم البابا باسكال الثانى كترتيب ديني وكانوا يطبقون الطب الهليني بتعاليم مسيحية و كانت خدمتهم تشبه المستفيات الحالية الى حد كبير حيث كانوا يزورون المرضى مرتين يوميا و يكتبوا تقاريرهم عن حالة المرضى و العلاج و تعلق خلف سرير المريض و تأسست الصيدليات بالاضافة لتعليمات بالنظافة و الغذاء و قبل كل شيء العناية الروحية و كانت العناية تمنح للكل سواء صديق او عدو.
ولاحقا, تطور هذا العمل الخيري من رتبة دينية الى رتبة عسكرية و اطلق عليهم (الفرسان الهوسبيتاليين) وكانوا يساندون اخوتهم المحاربين فى الحروب ضد العرب, حتى ان أحد مديرى تلك المستشفيات الميدانية فى عام 1296 اعترض قائلا أن تلك الاسلحة و الحروب كان يجب أن تنفق بالأحرى لخدمة الرب فى العناية بالفقراء و المرضى.
ان انصهار الطب و الايمان المسيحى ضخ احساسا بالواجب نحو المرضى, مباركة الرب للطب البشرى ومثال يسوع المسيح الشافى و مساواته لنفسه مع المرضى حين مدح من زار المريض كأنه زاره شخصيا و ربط الخلاص بعمل الرحمة للمحتاجين و ترجمة تلك التعاليم فى الكتاب المقدس عمليا الى التزام بعمل الشفاء و اعتباره أمر الهى بالاضافة الى نذر الرهبان والعلمانيين لخدمة المرضى واخلاقيات قسم ابقراط كل هذا اضفى شعورا بالواجب و الالتزام فى عمل الطب.
اشار القديس غريغوريوس النزينزى لفضائل اخيه الطبيب و كان يدعى قيصريوس انه كان محبوبا من مرضاه حتى أنه لم يحتج الى قسم ابقراط و القديس جيروم اوصى قسا صغير السن بحفظ طهارة لسانه و عينيه حين يزور مريضا و لا سيما النساء من المرضى مستشهدا بقسم ابقراط اذ يقول ” فكم بالأحرى نحن المسؤولون عن مداواة النفوس ان نحب كل المسيحيين كما نحب جيراننا و اقرباءنا”.
ومع مرور الزمن كانت الكنيسة فى الغرب تسمح للاكليروس بممارسة الطب بشكل محدود حتى انتهت بمنعهم منه ترك تلك المهنة للعلمانيين
المرجع الرئيسي:
Bibliography
Jonsen, A. (2000). A Short History of Medical Ethics. New York: Oxford University Press.
الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *