ما هي الهرطقة في جوهرها ؟ هي تشويه للحقيقة ، وبالتالي تشويه للإيمان و للحياة اللي بتنمو في حضن الحقيقة دي هي اختزال للحقيقة في فكرة ، اختيار جزء او جانب واحد من الحقيقة الكاثوليكية (الجامعة) وتضخيمه .. واعتبار باقي الاجزاء نسبية او غير مهمة . بالتالي تحويل الايمان من كونه رؤية كونية متكاملة نسعي …
ما هي الهرطقة في جوهرها ؟ هي تشويه للحقيقة ، وبالتالي تشويه للإيمان و للحياة اللي بتنمو في حضن الحقيقة دي
هي اختزال للحقيقة في فكرة ، اختيار جزء او جانب واحد من الحقيقة الكاثوليكية (الجامعة) وتضخيمه .. واعتبار باقي الاجزاء نسبية او غير مهمة .
بالتالي تحويل الايمان من كونه رؤية كونية متكاملة نسعي لها ونكتشفها ، رؤية لله والانسان والكون في سياق خلاصي متكامل ، إيمان متجسد في جميع جوانب الوجود ، يتحول الي رؤية مشوهة ، هشة ، و ناقصة عن سؤال احنا مين وايه علاقتنا بالله وبالعالم ؟ .
مجد الله هو حياة الإنسان ، وحياة الإنسان هي في رؤية الله ”
ق إيرينيئوس اسقف ليون (١)
الصراعات علي مدار تاريخ الكنيسة مكانتش مجرد آراء بيختلفوا عليها الاباء وبيتجادلوا في حالة من الزهو الفكري او الترف العقلي .. مش صراعات بيخوضوها من اجل إعلاء ذواتهم وإنتصارهم الفكري والفلسفي علي اصحاب الفكر المغاير .. ولا يجب اننا نخوض الصراعات دي بنفس الطريقة اذا كنا امناء لنفس للحقيقة ..
سر المسيح وخلاص الإنسان فيه ، جسداً وروحاً .. هو المُحرك اللي دفع اباء الكنيسة للمخاطرة لصياغة ايمانها وحقيقتها وخبرتها في لغة ، في تحديد عقيدي بلغة مقبولة وبدون اختزال للحقيقة .. وهي مخاطرة دعت لإستخدام اللغة السلبية apophatism عن الله ، وهتكون الطريقة اللي بتعبر بيها الكنيسة في ليتورجيتها وكتابات الآباء عن حقيقتها بلغة التنزيه او لغة الرمز اكتر من اللغة التأكيدية او الحرفية .
لذلك تحديد العقيدة الصحيحة مش رأي لاهوتي ، ومش مسألة كلامية او لفظية و مش وجهة نظر ، لكنها تحديد للحقيقة وللإيمان المبني عليها ، وضمان لعدم اختزالها وتزييفها اللي مش بس تم في زمن ظهور الهرطقة ، لكن كمان بيتم في العصر الحالي بصور اخري ليها نفس النتايج علي حياة الإنسان .
البعض لا يبالي باهمية التمييز بين العقيدة والهرطقة ، وده ف الاغلب يرجع لنفس السبب اللي ذكرناه ، إن الايمان هنا ” مش علي مستوي الحياة ” ، لكن علي مستوي الفكر فقط.
في الايمان المسيحي لا ” قطيعة ” ما بين العقيدة والحياة ” ما نؤمن به نصلي به ونحيا به ” ما نؤمن بيه يؤثر في حياتنا بشكل اساسي ، لذلك ق. انطونيوس شدد في تعاليمه علي الإفراز والتمييز بكونهم اهم مبادئ الحياة الروحية ، لذلك بنسعي لمعرفة اساسيات الإيمان ونميزها ، ونتعمق حسب قدرتنا وانفتاحنا علي الحقيقة ، في قدر من المعرفة اساسي لا غني عنه ..
اذا لم تبالي بعقيدة التجسد ، لا معني لصلاتك ولا صيامك ، ولا الوصايا ولا حياة الفضيلة ولا الاخلاق كلها “(٢) ليه ؟ لان لو لم يتجسد الله ، يبقي لم يتحد بينا ، مآخدش إنسانيتنا ، يبقي احنا منقدرش نتحد بيه في المعمودية ، ولا هتكون صلاتنا شركة في صلاته من اجلنا للآب ، ولا صومنا شركة في صومه من اجلنا ، ولا اخلاقنا او سلوكياتنا تنبع من حياته فينا ..
ايماننا بإن الروح القدس بيقود الكنيسة في المسيرة ، مسيرة التمييز والتعبير وشرح الإيمان .. لذلك ده عمل إلهي وبشري في نفس الوقت ..لان هي دي حقيقة الكنيسة ، الكنيسة مش مجرد مؤسسة ، لكنها جسد و المسيح هو رأسه ، وبيهب الروح القدس لأعضاء جسده ، لذلك الكنيسة كيان الهي وانساني معاً ” كل الهرطقات مردها تشويه هذه الحقيقة “(٣) [ اي فصل الله عن الإنسان ]
لذلك الدافع والمحرك الاول للرد علي الهرطقة ببساطة ” هو الدفاع عن سر حياتنا ووجودنا في المسيح ” وبنشوف ده من كذا زاوية في صراعات كبري ومآلوفة بالنسبالنا عن طبيعة المسيح ، اللي بتشوه سر التجسد الإلهي وبالتالي سر تآله الإنسان وخلاصه ، لكن الموضوع بيبدأ من قبل كدا ..
بعض الهرطقات زي الغنوسية و المانوية شافت ان المادة و الجسد شر ، والله لايمكن انه يتحد بالجسد ، فرفضت التجسد الحقيقي للمسيح، الهرطقة الدوسيتية [ قالت ان جسد المسيح كان وهمي ] وبالتالي رسمت الخلاص بكونه طريق للهروب من الجسد ..
هنا الهرطقة تشويه في الوجود كله ، في صلاح الله ، ورؤيتنا لأجسادنا ، وللخليقة ، فكان الدفاع اللي قام بيه ق. ايرينيئوس ان يأكد صلاح الله الكامل ” لم يخلق شيئاً شريراً ” وان جسد المسيح جسد إنساني حقيقي (١يو١:١) [٤] ، وده بس اللي بيضمن قيامة اجسادنا زي ما بنؤمن ، وإن الإنسان مدعو للتأله [ نفساً وجسداً ]
” صار الله إنساناً لكي يؤلهنا نحن ”
ق اثاناسيوس الرسولي[٥]
الهرطقة هنا بتخلق انفصال ف الكيان الإنساني ، ان يكره الانسان جسده او يكره الخليقة ، ويزدري بما خلقه الله “حسناً ” زي الزواج والطعام ، وهنا تتحول المسيحية الي دين هروب من الواقع المادي ، الي ثنائية الروح والجسد . بنشوف تطبيق ده في بعض الممارسات النُسكية المتطرفة في توجهات دينية كتير اللي بتشوف الجسد كسجن نسعي للخروج منه ، عكس الحياة النُسكية الأصيلة اللي بتحترم الجسد كخليقة الله .
وزي ما بنشوف انهاردة ان نفس الصور والأفكار بيُعاد انتاجها ، نفس الصور اللي بتكشف في مضمونها عن كراهية الجسد سواء بشكل اقرب “لتعذيب” الجسد بهدف انه يكون مثالي او كامل او في حركات ال transhumanism اللي ممكن نشوف ان جوهرها الخفي في النقطة دي هو إعتبار ان الجسد البشري معيب ، لا رجاء فيه ، ويجب ترقيته تكنولوجياً! كأننا بنصنع خلاص جديد حسب منطقنا الخاص بافكار زي استبدال الاعضاء البشرية بأعضاء آلية!
علي عكس ما تمارسه الكنيسة في رؤيتها للخلاص والجسد الإنساني تغمره في ماء المعمودية ، احنا نعتمد لنلبس المسيح ، نتناول جسده ودمه ، قداسة لأنفسنا واجسادنا .. احنا نصلي بأجسادنا .. لما بنرشم اشارة الصليب ، او نعمل ميطانيا فاحنا بنعلن ان جسدنا مقدس ، مسكن للروح القدس !
هكذا الإنسان مدعو لتلقي وجوده وجسده كنعمة .. يتعهده ويرعاه علشان يقدر يقول بأرثوذوكسية مطلقة مع المطران جورج خضر :
” نؤمن بأنه اندمج في كيان المسيح بالمعمودية وان الرأس اذا تحرك فينا فرأس المسيح يتحرك ، واذا سارت قدمانا فقدما السيد تسيران ، لست احيا انا بل المسيح يحيا في ، يتحقق فيا ” [٦]
هكذا يجب ان نعي حياتنا الجديدة في المسيح ، هكذا يجب ان نحيا .
في النهاية لازم نميز تمييز بسيط ، احنا ذكرنا مثال واحد لكن التاريخ بيقولنا ان الكنيسة خاضت صراعات كتير علي مدار تاريخها ، بعض الهرطقات اللي نشأت مكنش الدافع منها التشويه [ علي عكس البنية اللي نتجت عنها] ، لكن الاحتجاج علي جمود كنسي معين ، كان في دافع اصيل لاستعادة شئ إنساني مفقود ، لكن النتيجة مكنتش صحيحة ،
فلسفة الكنيسة لايجب انها تكون قمع للحريات ولا دعوة للطاعة العمياء لكن حماية الحق ” آليثيا ” وبالتالي حماية حريتنا من اي تشويه ، لأننا” نعرف الحق والحق يحررنا (يو٨:٣٢) ”
_________________
١- ضد الهرطقات – ق إيرينيئوس الكتاب الرابع فصل ٢٠ فقرة ٧ – المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية
٢ /٣- نقاط علي الحروف – الجزء الأول / الارشمندريت توما بيطار
٤ – اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ
٥- تجسد الكلمة / ق. اثاناسيوس الرسولي ، فصل ٥٤ فقرة ٣ – المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية
٦ – لو حكيت مسري الطفولة / المطران جورج خضر – منشورات النور
_______
– الله والإنسان والكون المادي / هاني مينا ميخائيل







