من حقي أن أؤمن!! يُراوح الكاثوليكي الكبير، مارتن سكورسيزي، في ثلاثيتة: Kundun / The Last Temptation of Christ / Silence، بين العالمين البوذي/الطاوي والمسيحي في مقاربته للتجربة الإيمانية ... بل ويبدو متردد بينهم لدرجة مُربكة أحيانًا ... عندك مثلًا في الإغواء الأخير - وهي معالجة ضعيفة سينمائيًا، مُحكمة فلسفيًا، لنيكوس كزنتزاكيس - بنشوف الصراع الحدي …

من حقي أن أؤمن!!

يُراوح الكاثوليكي الكبير، مارتن سكورسيزي، في ثلاثيتة: Kundun / The Last Temptation of Christ / Silence، بين العالمين البوذي/الطاوي والمسيحي في مقاربته للتجربة الإيمانية … بل ويبدو متردد بينهم لدرجة مُربكة أحيانًا …
عندك مثلًا في الإغواء الأخير – وهي معالجة ضعيفة سينمائيًا، مُحكمة فلسفيًا، لنيكوس كزنتزاكيس – بنشوف الصراع الحدي بين الألوهة والحياة الإنسانية العادية، مٌجسَّدة في شخص “يسوع” النجار الحائر دائمًا بين حبه لمريم المجدلية وتحقيق مسيانيته … يُصارع يسوع في الرواية (وبدرجة أكبر في الفيلم) رغبته في أن يصبح إله، بل ويرفض دعوته ليصبح مسيحًا في سبيل حياة هادئة خالية من ألم الصليب وعبءه، وفي غفوته الشيطانية، يُحقق يسوع رغبته في أنه يتجوز المجدلية، ويُخصِّب النساء العقيمات ويملأ البيت أطفال ينسى أسمائهم من كثرتهم، يصحو يسوع من الغفوة على صوت صراخه للآب أن يعيده مرة أخرى ويصلبه ليحقق مسيانيته (إنسانيته العميقة زي ما بيطرحها كزنتزاكيس) … الألوهة هنا مش هي الراحة الأبدية، بل على العكس، هي الصليب، هي عبء خلاص العالم … والحياة الإنسانية العادية اللي بنهربلها هي كهفنا الأبدي اللي بنستخبى فيه من مواجهة الألوهة، مواجهة معضلة وجودنا وأصلنا ومصيرنا، أسئلتنا الوجودية الكبرى، اللي مش بتطلب إجابات بقدر ما بتطلب مواقف، واللي بنهرب منها بكل أفعال “نسيان الوجود” على حد تعبير هيدجر …

الصراع في الإغواء بيكون “حدي” بين الحقيقة والوهم، الله والإنسان، المعنى والحياة العادية …. أما في “الصمت” (وهي رواية مقدمة كتحفة سينمائبة مكتملة الأركان) فالصراع ما بياخدش الشكل الحدي (المسيحي) بين طرفين نقيضين، ولكن بياخد الشكل الطاوي …

التمسك بالإيمان أم إنكاره؟ … دي كانت معضلة “الصمت”، في بداية الأحداث، يبدو “رودريغيز” راهب واثق مما يفعله، تمامًا كمعلمه “فيريرا”، راهب حقيقي يسعى أن يشابه صورة يسوع المسيح، ولا توجد أي مؤشرات أنه هينكر الإيمان في النهاية … في وجهة نظري، المعضلة في الفيلم مش أخلاقية، (هل الإستمرار في التمسك بالإيمان أمر أخلاقي بالرغم من أنه بيسبب الموت والعذاب والألم ولا لأ) لكن – وبمنتهى الرشاقة – بيسرد سكورسيزي قصة تحول الإيمان إلى إنكار، مش كتحول من نقيض إلى نقيضه، بل إن الإيمان نفسه بيحتوي على إمكانية إنكاره. في قمه عذابه النفسي من أجل الرب يصرخ رودريغيز Apostatize … Apostatize انكروا الإيمان، ارتدوا عن معموديتكم … ينكر رودريغيز الإيمان بدافع الإيمان نفسه، يسمع صوت المصلوب من الأيقونة التي يدهسها يطمئنه أنه لا بأس من ارتداده … وبعد الإرتداد؟ … هل يكف رودريغيز عن الإيمان!! لأ … كلا 🙂 … يقبل رودريغيز اعتراف كيتشيجارو، يكرز لعائلته البوذية الجديدة، ويُدفن على المراسم البوذية بينما يحمل في يده صليب صغير كان قد أهداه له أحد الشهداء المسيحيين اليابانيين …

الإيمان يحتوي على إمكانية إنكاره، والإرتداد لا يمنع إمكانية الحياة الإيمانية، مثلما يحتوي اليين على اليانج، واليانج على اليين في الرمز الطاوي التي تدور به عجلة الوجود … دا مش صراع حدي زي ما تم تصويره في الإغواء، دا صراع طاوي، أو على الأقل مقاربة طاوية للصراع … وهي قمة نضج السردية السكورسيزية للإيمان …

من قناعاتي الأساسية في الحياة، إننا جايين هنا عشان نعيش، والإيمان هو طريقتنا – إحنا المؤمنين – في البحث عن الحياة، بل وعن المزيد من الحياة … الإيمان في تجربته الخام – كما أعتقد – هو الرجاء في حياة تتجاوز الموت وتمتد إلى الأبد … الإيمان زيه زي الفن، هو محاولة لخلق الوجود كما ينبغي له أن “يكون” … هو سعي للبحث عن حياة كل حياة!… التجربة الإيمانية الكاملة في رأيي مش بتحصل إلا مع الاعتراف بالصراع اللي تم وصفه في “الإغواء” ولكن مش بس بطريقته الحدية، ولكن بطريقته الطاوية … الإيمان لا يتحقق باليقين التام والقاطع المطلق، لأن الدوجما “فقط” هي نهاية كل وجد وحركة، أي نهاية كل تجربة إيمانية … بالعكس، الإيمان هو حركة مستمرة نحو تخصيب الحياة وتعميق إنسانيتي نحو الله، بيدفعها الشك، والحيرة، والتساؤل، والإنكار، والانتقال دومًا داخل دائرة الطاو الإيمانية! … يمكن دا أحد الرئيسي في تمسكي بالأرثوذكسية كحقيقة ذاتية أقدر عن طريقها أحقق النقلات الإيمانية دي، الأرثوذكسية بلاهوتها السلبي، التنزيهي، اللاتأكيدي، فيما يتعلق بكيان الله، بتدي لإنسانيتي حرية أكثر في الحركة ناحية الله والتعبير عن اختباره فوق حدود عوائق اللغة.

وزي ما في مؤمن تكفيري/أصولي/دوغمائي/ عبيط مش فاهم الجدلية دي، زي ما في ملحد عبيط برضو مش فاهمها، أو متخيل إنه كبير عليها … العبط الإلحادي اللي بيطلع قدامي كل شوية يتمثل باختصار في إنك خلاص بقا بقت أكبر من أنك تؤمن، في السرديات دي بيتم تغليف وتعبئة وقولبة أعمق حركات النفس الإنسانية منذ أن وُجدت، تحت مسميات قد تكون عقلانية ولكن غرضها الأساسي هو “الهرب من الألوهة” اللي كان بيمارسه يسوع في “الإغواء”، الهرب من بحث الإنسانية عن حياة أبدية ورجائها فيها، الهرب من تحقيق معنى حقيقي متجاوز للموت والانعدام والعادية، ورقة التوت العقلانية الشيك اللي مغطية عورة الفزع من مواجهة حقيقتك الكيانية، أو أخذ مواقف حدية من قضاياك الوجودية الكبرى.

الملحد يجد نفسه أكبر وأكثر عقلانية من ألا يؤمن، كالمؤمن الأصولي لا يعترف بـ”طاو الإيمان” أي إمكانية انبثاق الإيمان من قلب إلحاده، وكأن الحياة كالتابوت اللي اتقفلت على إمكاناتها واحتمالاتها خلاص ووصلت لنهايتها، الأصولية الإيمانية والعبط الإلحادي كلاهما حركة نحو الموت بهذا المعنى … الموت اللي مش بيغذيه إلا الغباء والجهل والعجرفة …

فمن حقي أن أؤمن! لأن الإيمان أبدًا ما بيكونش غلط عشان مش عاجب حضرتك … ومن حقي أن أؤمن أن غياب الله واحتجابه وشكي فيه يدفعني نحو المزيد من الإيمان … وربما نحو الإنكار أو الارتداد! … المهم هو ألا أتوقف أبدًا عن رحلتي الطويلة الكبرى … وأتمنى عليك – لو كنت ملحد – أن تتخلى عن عجرفتك عند اتهامي بالغباء أو الجهل، وأنك ما تفتكرش نفسك أكبر من تجربة إيمانية ممكن تقلب كيانك كله … دا لو بس اتخليت عن سذاجتك وقررت تفتش في إنسانيتك عن ما يتجاوزها

الوسوم:

التعليقات

  1. Youssif Mourad

    2025-08-02 at 3:57 م

    عظمة العظمة ❤️

    Reply

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *