نداء جورج فلوروفسكي من أجل "العودة إلى الآباء"، الذي أسماه "التوليف الابائي الجديد"، غالبًا ما يُساء فهمه، وخاصة مفهومه عن "عقل الآباء". ومع أن فلوروفسكي كثيرًا ما أشار إلى التوليف الابائي الجديد، إلا أنه لم يوضح قط بشكل كامل ما الذي يقصده بهذا الاسم الجذاب نسبيًا. ويُعد التوليف الابائي الجديد المقابل الإيجابي للتشوه الشكلي الذي …

نداء جورج فلوروفسكي من أجل “العودة إلى الآباء”، الذي أسماه “التوليف الابائي الجديد”، غالبًا ما يُساء فهمه، وخاصة مفهومه عن “عقل الآباء”. ومع أن فلوروفسكي كثيرًا ما أشار إلى التوليف الابائي الجديد، إلا أنه لم يوضح قط بشكل كامل ما الذي يقصده بهذا الاسم الجذاب نسبيًا. ويُعد التوليف الابائي الجديد المقابل الإيجابي للتشوه الشكلي الذي بحثه فلوروفسكي وكشفه بعمق في كتابه طرق اللاهوت الروسي، وهو بديل لكلٍّ من اللاهوت الأكاديمي المهيمن علي الغرب والفلسفة الدينية التأملية. بالنسبة لفلوروفسكي، فإن “التوليف الآبائي” لدى آباء الكنيسة الأوائل كان يتضمن، من جهة، الوحي الكتابي (“الأطروحة”)، ومن جهة أخرى، الفلسفة اليونانية (“النقيضة”)—بوصفهما طريقتين لمعرفة الله. أما “التوليف” في هذه الحالة فكان اللاهوت الآبائي—الوحي اليهودي–المسيحي معبَّراً عنه ومفسَّراً في مصطلحات هلنستية مسيحية. وكان فلوروفسكي على وعي تام بخطر الاكتفاء بإعادة صياغة كلمات الآباء فقط، وهو ما كان يسميه باستهجان “لاهوت التكرار”؛ ولهذا أكّد على مفهوم “اقتناء عقل الآباء”.

 

إن نداء فلوروفسكي إلى منهج لاهوت نيوباتريستيك هو في المقام الأول منهج لاهوتي: باختصار، هو تطبيق أسلوب تفكير آبائي، أو طريقة آبائية في ممارسة اللاهوت، على قضايا العصر الحديث. ويؤكد فلوروفسكي على استعادة “الأسلوب الآبائي” في اللاهوت الأرثوذكسي، لا مجرد التمسك بحرفية تعاليم الآباء، بل بروحهم: “إن الطريق ‘إلى الآباء’ يقود في كل الأحوال إلى الأمام، وليس إلى الوراء أبداً”، كما أعلن في كتابه طرق اللاهوت الروسي سنة 1937، “المقصود هو الأمانة لروح الآباء، لا للحرف وحده”.

 

واستنادًا إلى المؤشرات التي قدمها عبر السنين، فإن العناصر الثمانية التالية تدخل في مفهوم فلوروفسكي لما يشكّل “عقل الآباء”:

 

1. بالنسبة لفلوروفسكي، كما للآباء القدامى، فإن الكتاب المقدس هو أساس كل لاهوت. ففي الكتاب المقدس، أي في الوحي اليهودي–المسيحي، “لا نرى الله فقط، بل الإنسان أيضًا. إنه إعلان الله، لكن ما يُعلَن في الواقع هو اهتمام الله بالإنسان. فالله يكشف ذاته للإنسان… ويتحدث إليه لكي يعلن له المعنى الخفي لوجوده والغرض النهائي من حياته.” ولذلك يجب أن يكون اللاهوت مؤسسًا على الكتاب المقدس، كما يؤكد فلوروفسكي: “إن الروح الإلهي يتنفس في كيان الكلام البشري. وهكذا يصبح ممكناً للإنسان أن ينطق بكلمات الله، وأن يتحدث عن الله. يصبح اللاهوت ممكنًا—ثيولوجيا، أي لوغوس بيري ثيو اي (كلام عن الله). وبالمعنى الدقيق، لا يغدو اللاهوت ممكنًا إلا من خلال الوحي.”

 

 

2. لاهوت فلوروفسكي يتمحور بقوة حول المسيح، ولذلك فهو يصر على أن المسيح هو مركز التأمل اللاهوتي: “فماذا، إذن، سنبشّر؟… لا مجال للتردد: سأبشر بيسوع، وإياه مصلوبًا وقائمًا” (انظر 1 كورنثوس 2:2). وعند حديثه عن التوليف الابائي الجديد بوصفه “مهمة وهدف اللاهوت الأرثوذكسي اليوم”، يكتب فلوروفسكي بوضوح لا لبس فيه: “يجب أن يبدأ التوليف بالرؤية المركزية للإيمان المسيحي: يسوع المسيح، كإله ومخلّص، متضع وممجّد، الضحية والمنتصر على الصليب.” وهذا ينعكس بوضوح في لاهوت فلوروفسكي نفسه. وأهم إسهاماته اللاهوتية كانت في الإكليزيولوجيا،(1) التي تُوجت بدراسته البارعة “جسد المسيح الحي: تفسير أرثوذكسي للكنيسة”.

 

3. يجب أن يمتلك اللاهوت وعيًا تاريخيًا راسخًا، سواء بتاريخ الخلاص كما أُعلن في الكتاب المقدس، أو بتاريخ الكنيسة.يكتب فلوروفسكي، “الأحداث التاريخية هي مصدر وأساس كل إيمان ورجاء مسيحي… فمنذ البداية، منذ يوم العنصرة نفسه… كان للكرازة الرسولية طابع تاريخي مؤكد. وبفضل هذا الشهادة التاريخية تقوم الكنيسة.” هذا الوعي التاريخي يرسخ اللاهوتي في الكنيسة: “يجب أن يصبح الوعي اللاهوتي وعيًا تاريخيًا، لا يمكن أن يبلغ الشمولية الكنسية

إلا بقدر ما يحقق تاريخيته… أن تمارس اللاهوت في الكنيسة هو أن تمارسه في النمط التاريخي، لأن حياة الكنيسة هي، في الواقع، التقليد المقدس.”

 

 

4. يرى فلوروفسكي أن هناك حاجة إلى وعي جامع في اللاهوت الأرثوذكسي، يُعرَّف بأنه “القدرة والقوة على إدراك والتعبير عن وعي وحياة الكلّ.” وهذا النوع من “التجلي الجامعي” لا يمكن أن يحدث إلا في المجمعية للكنيسة، ويقابله بـ”الفردية” وهو يؤكد أن اللاهوت يجب أن يُمارس في الكنيسة، ومن أجل الكنيسة، وكإنعكاس لشهادة الكنيسة وتقاليدها.

 

 

5. بالنسبة لفلوروفسكي، يجب أن يكون اللاهوت الأرثوذكسي ذا طابع هلنستي : “يجب أن تُدرَّب الفكر اللاهوتي الروسي بعدُ تدريبًا صارمًا في الهلنستية المسيحية. ويمكن القول إن الهلنستية قد أصبحت بُعدًا دائمًا للكنيسة، إذ اندمجت في نسيج حياتها، وصارت فئة أبدية من فئات الوجود المسيحي.” هذا الإصرار على الهلنستية اللاهوتية يسمح له بانتقاد، بل وبشدة، اللاهوتيات التي تستخدم مدارس فكر مسيحية أخرى أو الفلسفات الحديثة، وخاصة المثالية، التي قد تحرف أو حتى تزيف اللاهوت المسيحي الأصيل.

 

 

6. مع أن دعوة فلوروفسكي لـ”العودة إلى الآباء” قد تبدو وكأنها دعوة إلى التركيز على الدراسات الآبائية، إلا أنه في الواقع يدعو إلى أن يركّز لاهوت النيوباتريستك على القضايا والمشكلات المعاصرة، تمامًا كما ركّز آباء الكنيسة الأوائل على قضايا ومشكلات عصرهم، يجب أن تُخاطب العصر الجديد، بمشكلاته وتساؤلاته الخاصة.”

 

 

7. شدد فلوروفسكي على تكامل اللاهوت مع حياة الصلاة والأسرار في الكنيسة—فالآباء كانوا قديسين قبل كل شئ، لا مجرد “لاهوتيين” بالمعنى الأكاديمي الحديث: “لقد كانوا أكثر من مجرد مشرّعين، كانوا أنبياء حقيقيين، بالمعنى الأصيل لهذه الكلمة—لقد عاينوا سر الله. (كانوا قبل كل شيء رجال بصيرة وإيمان).

 

 

8. يرى فلوروفسكي أن اللاهوت الأرثوذكسي له مسؤولية مسكونية: “الأرثوذكسية مدعوة للشهادة… واللاهوت الأرثوذكسي مدعو لأن يُظهر أن ’المسألة المسكونية‘ لا يمكن أن تُحل إلا في اكتمال الكنيسة، ضمن شمولية التقليد الجامعي، غير الملوث وغير القابل للانتهاك، ولكنه دائم التجدد ودائم النمو.” وهذا يعني تجاوز مجرد رفض التأثيرات الغربية غير المرغوبة واستبدالها بالأسس الآبائية الحقيقية للاهوت؛ فهذا اللاهوت الأرثوذكسي يجب أن يعود إلى الغرب ليقدّم الشهادة على أنه اللاهوت المسيحي الأصيل.

 

 

 

إذًا، فإن عقل الآباء ليس مجرد استدعاء للفكر الآبائي لحل هذه المسألة اللاهوتية أو تلك؛ إنه ليس في محتواه الآبائي بقدر ما هو منهج لاهوتي أصيل، مؤسس جيدًا على الكتاب المقدس، وعلى الآباء القدامى، وعلى الليتورجيا. وبالفهم الصحيح، يظل نداء فلوروفسكي إلى التحول النيوباتريستك في اللاهوت الأرثوذكسي منهجًا لاهوتيًا صالحًا ومثمرًا لمعالجة قضايا ومشكلات العصر. إن البصيرة الأساسية لدى فلوروفسكي بضرورة أن “يقتني اللاهوت الأرثوذكسي عقل الآباء”—أي الطريقة الآبائية في ممارسة اللاهوت—تظل نداءً صالحًا لأيامنا هذه.

 

(1) الإكليزيولوجيا (Ecclesiology) هي فرع من فروع اللاهوت المسيحي يختص بدراسة الكنيسة

ترجمة امير إبراهيم

لينك المقال الأصلي

https://publicorthodoxy.org/2025/06/25/georges-florovsky-and-the-mind-of-the-fathers/

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *