بادئ ذي بدء، ينبغي علينا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نرفع عن كتاباتنا شبهة تُرمى بها كلما اقتربنا من نقد البروتستانتية! فالمنتقدون لنا يرون أن "نقد البروتستانتية" هو حالة استعداء "للآخر" وهي تخرج عن صميم الروح والوجهة الأرثوذكسية لـ"آليثيا" ، والتي – حسب ما يرون – ينبغي أن تكتفي بتقديم كل ما هو …
بادئ ذي بدء، ينبغي علينا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نرفع عن كتاباتنا شبهة تُرمى بها كلما اقتربنا من نقد البروتستانتية!
فالمنتقدون لنا يرون أن “نقد البروتستانتية” هو حالة استعداء “للآخر” وهي تخرج عن صميم الروح والوجهة الأرثوذكسية لـ”آليثيا” ، والتي – حسب ما يرون – ينبغي أن تكتفي بتقديم كل ما هو ارثوذكسي دون التعرض للبروتستانتية بالنقد.
ونحن هنا نؤكد أن نقد البروتستانتية ليس انتصاراً لهوية على أُخرى، بل هو تفكيك للبنية المعرفية والجذور الفلسفية التي تقوم عليها البروتستانتية كمنهج ، ونحن هنا لا نتعرض لأشخاص أو جماعات ، بل أن نقدنا موجه بالكامل للأفكار التي تطرحها البروتستانتية والتي أثمرت عن اختزالٍ فجٍ للمسيحية نفسها! هذه البنية المعرفية التي قَدَّمَت – ولا تزال – لاهوتاً مشوهاً وتصوراتً مختلةً عن الله والعالم والإنسان.
ونحن بطبيعة الحال لسنا على مسافة آمنة من هذا الفكر كوننا غير بعيدين عن نيران التأثيرات البروتستانتية، لأننا – شئنا أم أبينا – قد تأثرنا بهذه الأفكار في الكنيسة القبطية، نتيجة عدة عوامل تاريخية واجتماعية، ولهذا كان ينبغي علينا تفكيك هذه الأفكار وفحصها أرثوذكسياً لبيان أوجه عوارها.
إحدى تجليات اللاهوت البروتستانتي المشوه نجدها واضحة تمام الوضوح في العداء الشديد من جماعات الأنابابتيست ضد معمودية الأطفال، لأن المعمودية -حسب رأيهم- هي علامة قرارٍ واعٍ. وهنا ينبغي علينا أن نفحص هذا المنهج لنتبين مواضع الخلل والاعتلال ، والذي هو بالمناسبة ثمرة جريمتين بروتستانتيتين مروعتين وهما “سولا سكريبتورا” (أي الكتاب المقدس وحده) و “سولا فيدي” (أي الإيمان وحده)!
لكن قبل ان نفكك هذا الفكر ، يجب أن نعرف أولاً من هم “الأنابابتيست” أو “تجديدي المعمودية”…
هم جماعات الإصلاح الجذري الذين قد اشتهروا بموقفهم العدائي ضد معمودية الأطفال ، لأنهم يرون أن المعمودية لا تعطى إلا لمن يعلنون إيمانهم إعلانا واعياً ، ومن ثم تصير معمودية الأطفال باطلة ويستلزم إعادة معمودية أصحابها!!
وتعد وثيقة إعتراف شلايتهايم 1527 من النصوص المؤسِّسَة التي تضع المعمودية في صدارة سمات هذه الجماعة وتستبعد معمودية الأطفال صراحة.
Schleitheim Confession (1527), Baptist Center for Theology and Ministry (NOBTS)
وتحت الطيف الأنابابتيستي ، تندرج عدة جماعات بروتستانتية مثل المينونايت ، الأميش ، الهوترايت ، كما تضم أيضاً تيارات الإخوة Brethren.
ويرتكز الموقف الأنابابتيستي من المعمودية إلى الدعامة البروتستانتية المعتلة “سولا سكريبتورا” ، لأنه – حسب كلامهم- لا يذكر العهد الجديد معمودية الأطفال صراحة أو في صورة أمر صريح ، وأيضاً يستند إلى مبدأ “سولا فيدي” والذي حول الخلاص إلى قضية تتوقف على الإيمان القلبي دون الحاجة إلى أي عمل حتى وإن كان العمل هو المعمودية نفسها ، فهم يرون أن طريق المؤمن يبدأ بالسماع ويليه الإيمان ثم تأتي المعمودية كالعلامة التي تزين قرار شخصي واعٍ….
كلام قد يبدو منطقياً للبعض، لكن ما هي مواضع الخلل هنا؟
يمكننا حصر هذا الموقف المختل في ثلاث محاور ، الأول هو غياب أي بعد إكليسيولوجي حقيقي ، فالكنيسة -بروتستانتياً- هي جمعية وظيفية هدفها الوعظ والتعليم ، ولهذا غاب البعد المستيكي/السرائري تماماً عن فهم طبيعة الكنيسة ومن ثم طبيعة المعمودية.
والمحور الثاني هو انتفاء البعد الأنطولوجي/الوجودي من الصورة برمتها ، فالمعمودية – بروتستانتياً- هي ثمرة قرار ذهني (أو قلبي كما يقول بعضهم!) لكنه يهدف إلى تغيير الحالة القانونية للمؤمن – أي من مدان إلى بريء – دون تغيير واقعه الكياني والأنطولوجي.
والمحور الثالث هو غياب أي جانب أنثروبولوجي/إنساني في النظرة البروتستانتية للطفل ، فهو حسب هذه الرؤية يعد إنساناً ناقصاً كونه لا يملك قراراً ذهنياً واعياً للاعتراف بإيمانه!
حقيقة الأمر أن هذه الويلات جلبها علينا الوهم البروتستانتي الكبير ” الكتاب المقدس وحده” ، لأن انتزاع الكتاب من حضن الكنيسة لا يقدم قراءة حقيقة بل يقدم قراءة مبتورة عن التقليد الرسولي الحي ، بلا أي تصور إكليسيولوجي حقيقي ، لأن قطع النص عن جسد الكنيسة التي حفظته وفسرته وعاشته عبر القرون لا يمكن أن يقدم سوى قراءات فردية مشوهة.
وبطبيعة الحال إضعاف مفهوم الكنيسة يؤدي بالتبعية إلى إضعاف معنى الأسرار ، فبدلاً من أن تكون المعمودية شركة في موت المسيح وقيامته ، وولادة جديدة ، وإدخالاً في حياة المسيح داخل الجسد الواحد (أي الكنيسة) ، تتحول المعمودية إلى مجرد علامة خارجية أو شهادة لفظية على قرارٍ سابق، فلا تعود المعمودية سراً – أي فعل الله في الكنيسة – بل تصبح المعمودية هي فعل الإنسان عن نفسه دون أي أنطولوجيا أو تحقيق وجودي حقيقي لهذه الولادة الجديدة!
وهنا تنعدم الأنثروبولوجيا الكنسية للإنسان والطفل تحديداً، لأن الإنسان لا يُرى بعد الآن ككائنٍ يُولد داخل جسد المسيح الحي (أي الكنيسة) ، بل كفردٍ معزول لا يدخل إلى حياة المسيح إلا بعد “اكتمال الوعي” و”الإقرار الشخصي”. وبهذا تُمحى نظرة الكنيسة إلى الطفل كعضوٍ يُضمّ إلى جسد المسيح منذ البداية، ويُغرس في حياة النعمة لينمو داخلها. بل يصبح الطفل “خارج الجسد الواحد” عملياً، لا لسببٍ لاهوتيٍّ جوهري، بل لأن هذا المنهج المختل لم يعد يمتلك تصورًا كنسيًا للإنسان أصلاً!!
وهنا دعونا نقدم عدة شواهد تاريخية ترد بوضوح على الاطروحة الأنابابتيستية التي تزعم أن معمودية الأطفال هي إختراع متأخر:
إيرينيئوس أسقف ليون (حوالي 180–189م)
يذكر إيرينيئوس أن المسيح “جاء ليخلّص الجميع… الذين يولدون ثانية لله: الرُّضّع والأطفال…”
وهو إن كان لا يشير صراحة إلى معمودية الأطفال إلا أن الولادة الثانية تأتي في إطار أُفُقٍ كنسيٍّ واضح ومرتبط تماماً بالمعمودية.
Irenaeus — Against Heresies II.22
“التقليد الرسولي” المنسوب لهيبوليتس (حوالي 215م)
وهو من أقوى الشواهد لأنه يقدم ترتيبًا ليتورجياً عملياً، فنجده يقول:
“عمّدوا الأطفال أولًا… وإن لم يستطيعوا الإجابة فليجب الوالدان/الأقرباء عنهم”
Hippolytus — Apostolic Tradition – 21
أوريجانوس (حوالي 244–248م)
يرد في تفسير رومية 5 المنسوب إلى أوريجانوس بأن الكنيسة تسلّمت عادة تعميد الأطفال كتقليد سابق
“لقد تسلّمت الكنيسةُ من الرسلِ التقليدَ بأن تُعطى المعموديةُ حتى للأطفال (الرضّع)”
Origen. Commentary on the Epistle to the Romans, Books 1–5. Translated by Thomas P. Scheck. The Fathers of the Church, vol. 103. Washington, DC: The Catholic University of America Press, 2001.
(الشرح على رومية 5:9؛ النص منقول عن ترجمة روفينوس اللاتينية للأصل اليوناني)
كبريانوس/مجمع قرطاج (253م)
“لا ينبغي أن يُمنَع أحدٌ من المعمودية ومن نعمة الله… فكم بالحري يجب أن نتحرّج من منع رضيع، الذي إذ وُلِدَ حديثًا لم يُخطِئ بعدُ، إلا من جهة أنه -إذ وُلِدَ حسبَ الجسد على مثال آدم- فقد تَقلَّد منذ أولِ ولادته عدوى الموتِ القديم.”.»
رسالة كبريانوس إلى فيدوس تناقش هل تُؤَخَّر معمودية الرضيع إلى اليوم الثامن، ليردّ كبريانوس باسم مجمع الأساقفة بأن تعميد الرضيع لا يُؤخَّر إلى اليوم الثامن، وأنه لا يجوز منع أي مولود من المعمودية ونعمة الله، بل تُعطى النعمة للجميع، وبخاصة حديثي الولادة.
Cyprian of Carthage — Epistle 64 (To Fidus)
غريغوريوس النزينزي (381م) — العظة 40
“ألك طفلٌ رضيع؟ فلا تدَع للخطية فرصةً ما، بل دعْه يتقدّس منذ طفولته؛ ومنذ ألين سنّه”
يعالج غريغوريوس مسألة معمودية الأطفال معالجة رعوية مباشرة، فإذا كان لدى المؤمن طفلٌ رضيع، فلا يتعامل معه كغريب عن النعمة إلى أن “يقرر” لاحقًا، بل يدعوه أن يُقدَّس منذ طفولته. ويقدّم الفكرة في إطار “الختم/العلامة أي المعمودية” الروحية التي تحرس الإنسان وتُدرجه في واقع التقديس. كما يوازن بين الاعتبارات الرعوية (كالخوف من السقوط بعد المعمودية) وبين ضرورة ألا يُحرَم الطفل من عطية التقديس، فيُظهر أن السؤال هنا ليس: هل الطفل قادر على صياغة إقرارٍ لفظيٍّ كامل؟ بل: هل يليق أن يُترك بلا تقديسٍ وبلا ختمٍ كنسيٍّ وهو في أمسّ الحاجة إلى رعاية النعمة منذ البداية؟
Gregory Nazianzen — Oration 40
وهنا ينبغي علينا أن نعي أن الاعتراض الأنابابتيستي على معمودية الأطفال ليس مجرّد خلافاً “تفسيرياً” حول نصوصٍ كتابية، ولا نزاعاً بريئاً على ترتيبٍ طقسي، بل هو ثمرةُ ذاك النسق البروتستانتي العام الذي تمرّد على الكنيسة وتمرّد معها على حقيقتها الأنطولوجية!
فحين لا يرى البروتستانتي الكنيسة “أمًّا” تلد أبناءها في الماء والروح، فهو يسقطها من مرتبتها الكيانية كجسد المسيح إلى مرتبة جمعيّة وظيفية لا تفعل إلا أن تُصدِّق على شهادات الإيمان الفردية، فتنحل الإكليسيولوجيا إلى فردانيةٍ وعزلة، تُستبدل الأنطولوجيا السرائرية برمزيةٍ نفسانية، وتتآكل الأنثروبولوجيا الكنسية حتى تنعدم تماماً، فلم يعُد الإنسان كائنًا يُشفى ويُغرس في الجسد، بل صار ملفًّا قانونيًا لا يُقبَل إلا إذا اكتمل “العقل” ليصدّق على “القرار”.
وهكذا ضُربَ الظلامُ على العيون فلم تعد تُبصر التجسّد، وتاهت الضمائر في أوهام حركة الإصلاح حتى صار الكتاب المقدس نصًّا بلا جسد، وبات الإيمان مشروعًا فردياً بلا كنيسة. فاكتمل الاختزال المرير للمسيحية برمّتها وتشوه الفهم الأصيل للكنيسة ككيان أنطولوجي يلد بنيناً وبناتاً، وانتُزعَت منها الأسرار، وتُفرَّغت من حقيقتها الوجودية، ثم يُقال لنا إن هذا هو ” الإصلاح”!
إن كان هذا إصلاحاً.. فكيف يكون الخراب؟!
إن البروتستانتية -في جوهرها اللاهوتي والفلسفي- قدّمت الخلاص بوصفه مشروعاً قانونياً، فأنتجت لنا مسوخاً كالأنابابتيستية التي لم تعد ترى المعمودية فعلًا إلهيًا/كنسيًا “يَلد”، بل فعلًا فرديًا “يُعلَن”. فغدت المعمودية ختماً يزين القرار الشخصي، ومعاملةً إدارية وتصديقاً على أوراقٍ رسميةٍ!!
البروتستانتية تقدم لاهوتاً يُشوّه صورة الله، ويُفقِد الكنيسة حقيقتها الوجودية، ويجعل خلاص الإنسان مشروعاً مؤجلاً إلى حين إكتمال العقل، أمّا الإيمان الرسولي فغير ذلك كلّه لأن المعمودية ليست جائزةً للواعي، بل نعمةٌ تُقدَّم للمائت كي يحيا.
هذا “العمى” الأنابابتيستي برفض معمودية الأطفال، ليس خلافاً طقسياً هامشياً ، وإنما هو في القلب من جوهر الإيمان المسيحي نفسه، لأنه يفضح الفهم البروتستانتي لتدبير الخلاص ، ويكشف الغطاء عن الخلل العميق في فهم طبيعة النعمة وعلاقتها بالكنيسة والأسرار، لأن القول بان “الخلاص بالإيمان وحده” لا يمكن اعتباره إعلاناً بريئاً عن نعمة الخلاص وإنما مقصلة تفصل الإيمان عن الأسرار وتشوه حقيقة الكنيسة الوجودية كجسد المسيح الحي، فتُختزل المسيحية إلى علاقة فردانية ، وهنا يصبح رفض معمودية الأطفال نتيجة طبيعية لخلل هذه الأفكار ، لأن المعمودية تنتقل من كونها ولادة من الماء والروح إلى توقيعٍ شخصي على قرارٍ واعٍ ، فلا تعد الكنيسة أماً تلد بل تتحول إلى جمعية وظيفية ، ويبقى الطفل مغترباً عن جسد المسيح حتى يكتمل وعيه!
إن رفض معمودية الأطفال هو القضية التي تتعرى فيها كل الفرضيات والسرديات البروتستانتية ، ويتجلى العجز البروتستانتي في الإجابة على السؤال المحوري: هل الخلاص اتحادٌ كنسيٌّ أسراريٌّ بالمسيح، أم هو تغيير في الحالة القانونية يُعطى على هيئة “ضمان قانوني” يستخرج وفق قرار يوافق قناعة الفرد؟!
إن فعل الله في الكنيسة – أي جسده – ليس قضيةً ذهنيةً ولا موضوعاً قانونياً ، لأن المعمودية هي دخولنا إلى حياة المسيح ، وهذا الدخول لا يقدم فكرة ذهنية ولا حتى قناعة قلبية ، وإنما يقدم ولادة جديدة “حقيقية” بالماء والروح ، فنموت ونُدفن مع المسيح ، ونقوم معه لنشترك في الحياة الإلهية، وأي محاولة لتشويه هذه الحقيقة الكيانية هي ببساطة تفريغ لتدبير الخلاص من جوهره الخلاصي!
الأرثوذكسية لا تزعم أن المعمودية تعمل وحدها دون إيمان ، لأن المفهوم الآبائي الأصيل للخلاص يعلمنا أنه اتحادنا بالمسيح وشركتنا في الحياة الإلهية ، لذا فالخلاص هو مسيرة العمر كله وثمرة تجاوبنا مع النعمة ، وليس ورقة قانونية يتم توقيعها لحظة إقرار الإيمان!!
المعمودية هي بذرة الحياة التي نجتهد نحن – مع النعمة – لنعهدها بالرعاية والنمو والإثمار ، وإن تراجع الإنسان بإرادته عن التجاوب مع النعمة ، فليس معنى ذلك أن المعمودية “باطلة” أو “لم تفعل شيئاً” ، لأن من يترك بيت أبيه لا تسقط عنه البنوة!
ختاماً أعاود التأكيد أن قضية معمودية الأطفال هي قضية كاشفة للاهوت البروتستانتي برمته ، لأنها تُظهر أين يقف من الله، ومن الكنيسة، ومن الإنسان. فحين تُنتزع المعمودية من معناها الأسراري والأنطولوجي وتُختزل إلى شهادة وعيٍ فردي، يتبدّى لنا خللٌ هذه المنظومة اللاهوتية التي تشوّه صورة الله، وتُفقِد الكنيسة أمومتها، وتنزع عن الطفل كرامته وأحقيته بالوجود الكياني في المسيح ، لأن لمعمودية ليست جائزة للواعي بل نعمة تقدم للمائت كي يحيا ويدخل إلى الجسد الواحد.







