ما هو هذا المسيح الإله المتأنس؟ ما هو اللاهوت الذي فيه، وما هو الناسوت؟ كيف يُعلَم اللاهوت في الإله المتأنس، وكيف يُعلَم الناسوت فيه؟ ماذا أعطانا الإله لنا نحن البشر في الإله المتأنس ومعه؟ الروح القدس، روح الحق، هو يخبرنا بكل الحق عنه، وعن لاهوته الذي فيه وعن ناسوته الذي فيه وعن كل ما يعطي …

ما هو هذا المسيح الإله المتأنس؟ ما هو اللاهوت الذي فيه، وما هو الناسوت؟ كيف يُعلَم اللاهوت في الإله المتأنس، وكيف يُعلَم الناسوت فيه؟ ماذا أعطانا الإله لنا نحن البشر في الإله المتأنس ومعه؟ الروح القدس، روح الحق، هو يخبرنا بكل الحق عنه، وعن لاهوته الذي فيه وعن ناسوته الذي فيه وعن كل ما يعطي لنا إياه بواسطته. كل هذا يتسامى بغير قياس على كل شيء قد رأته عين انسانٍ، وعن كل ما قد سمعت به أُذُنٍ، أو قد خطرت على قلب بشرٍ.

 

“لكِنْ كما يَقولُ الكِتابُ: «الذي ما رَأَتْهُ عَينٌ ولا سَمِعَتْ بِه أذُنٌ ولا خطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ أعَدّهُ الإلهُ لِلذينَ يُحبّونَهُ»”. (رسالة كورنثوس الأولى 2:‏9 المشتركة)

“ومتى جاءَ المُعَزّي الذي أُرسِلُهُ إلَيكُم مِنَ الآبِ، رُوحُ الحقّ المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ، فهوَ يَشهَدُ لي”. (يوحنا 15:‏26 المشتركة)

“فمَتى جاءَ رُوحُ الحقّ أَرشَدَكُم إلى الحَقّ كُلّهِ، لأنّهُ لا يتكلّمُ بِشيءٍ مِنْ عِندِهِ، بل يتكَلّمُ بِما يَسمَعُ ويُخْبِرُكُم بِما سيَحدُثُ”. (يوحنا 16:‏13 المشتركة)

“وكانَ كلامي وتَبْشيري لا يَعتَمِدانِ على أساليبِ الحِكمَةِ البَشرِيّةِ في الإقناعِ، بَلْ على ما يُظهِرُهُ رُوحُ الإلهِ وقُوّتُهُ”. (كورنثوس الأولى 2:‏4 المشتركة)

 

بواسطة حياته بالجسد على الأرض، قد أسس الإله المتأنس جسده الإلهي والبشري في آن واحد (Theanthropic body)، ألا وهي الكنيسة، والذي بهذا التأسيس قد أعد العالم الأرضي لمجئ الروح القدس إلى العالم، فحياته وأعماله في جسد الكنيسة هي بمثابة الروح لجسد الكنيسة. وفي يوم العنصرة المقدس، نزلت الروح القدس من السموات على جسد الكنيسة الإلهي واستقرت فيه للأبد كونه الروح المعطى للحياة. (أعمال الرسل الإصحاح 2). وهذا الجسد الإلهي المرئي للكنيسة قد تأسس من قِبَل الرسل القديسين بإيمانهم المقدس بالإله المتأنس الرب يسوع، كمخلص للعالم، وكونه إله تام وإنسان تام. وحلول الروح القدس وعمله في الجسد الإلهي للكنيسة هو بسبب، ولأجل، الإله المتأنس (يوحنا 16: 7-13، 15: 26، 14: 26). “فلأجله قد دخل الروح القدس للعالم” فإن كل شيء داخل تدبير الخلاص إنما يتم بواسطة شخص الرب المسيح الإله والإنسان في نفس الآن (Theanthropos)، وكل شيء يأتي في إطار الجسد اللاهوتي (الكنيسة). وهذا هو الحال أيضاً مع عمل الروح القدس. فإن كل عمله هو من جوهر بساطة الجسد الإلهي التي هي الكنيسة لخلاص العالم بالمسيح الرب. فإن العنصرة، ومع كل العطايا الأبدية للثالوث الأقدس، والتي للروح القدس نفسه، قد قُصِدَت لأجل الرسل القديسين؛ للإيمان والتقليد الرسوليين المقدسيين، وللرُتَبِ (الكهنوتية)، ولكل شيء رسولي ويتعلق بالجسد الإلهي التي هي الكنيسة.

 

إن يوم الروح القدس والذي قد بدأ في يوم العنصرة، حاضر دوماً في الكنيسة في ملء كل العطايا الإلهية والقوى المحيية الغير موصوفة. (أعمال الرسل 10: 44-48، 11: 15-16، 15: 8-9، 19: 6). كل شيء في الكنيسة يأتي من خلال الروح القدس، من أصغر الأشياء إلى أكبر الأشياء. فعند مباركة الكاهن للشورية (المبخرة) قبل التبخير فإنه يصلي للمسيح الرب أن “يرسل نعمة الروح القدس”. وأوضح شهادة على أن حياة الكنيسة كلها إنما تأتي من الروح القدس هي عند تنصيب اسقف (ما)، عندما تتكرر معجزة الإله التي لا توصف، العنصرة المقدسة، وملء النعمة يعطى. ولا يوجد شك في أن المسيح الرب هو في الكنيسة بواسطة الروح القدس، وأن الكنيسة هي في المسيح الرب بواسطة الروح القدس. السيد المسيح هو رأس وجسد الكنيسة؛ فالروح القدس هي روحها (1 كو 12: 1-28). ومن بدايات تدبير الخلاص للإله المتأنس، قد جعل الروح القدس من نفسه جزءاً من أساس الكنيسة، من أساس جسد المسيح، عن طريق “إتمام تجسد الكلمة من العذراء”.

 

وفي الحقيقة، فإن كل سرٍ مقدسٍ وكل فضيلةٍ مقدسةٍ هي عنصرة صغيرة؛ ففيهما ينحدر الروح القدس علينا، وينحدر داخلنا. الروح ينحدر لنا في طاقاته، وهو “غنى اللاهوت”، “نعمة الملكوت الممتد”، “ومنه تأتي النعمة والحيوة لكل مخلوق”.

 

الرب يسكن فينا بالروح القدس، ونحن فيه. وما يشهد لنا بذلك هو حضور الروح القدس فينا. ونحن نحيا بالروح القدس في المسيح، وهو فينا. ونحن نعلم هذا فـ”ومَنْ عَمِلَ بِوَصايا الإلهِ ثبَتَ في الإلهِ وثبَتَ الإلهُ فيهِ. وإنّما نَعرِفُ أنّ الإلهَ ثابِتٌ فينا مِنَ الرّوحِ الذي وَهبَهُ لنا” (يوحنا الأولى 3:‏24 المشتركة). ومن خلال الروح القدس، نُقِلَت روحنا البشرية إلى المعرفة الحقة والصحيحة للمسيح. فإن ما للإله، وما للإله المتأنس، نحن نعرفه بالروح القدس الذي “وهبه لنا”. “ونَحنُ نَعرِفُ أنّنا نَثبُتُ في الإلهِ وأنّ الإلهَ يَثبُتُ فينا بأنّهُ وهَبَ لنا مِنْ رُوحِهِ.” (يوحنا الأولى 4:‏13 المشتركة). وأيضاً “وكانَ كلامي وتَبْشيري لا يَعتَمِدانِ على أساليبِ الحِكمَةِ البَشرِيّةِ في الإقناعِ، بَلْ على ما يُظهِرُهُ رُوحُ الإلهِ وقُوّتُهُ، حتى يَستَنِدَ إيمانُكم إلى قُدرَةِ الإلهِ، لا إلى حِكمَةِ البَشَرِ. ولكِنْ هُناكَ حِكمَةٌ نَتكَلّمُ علَيها بَينَ النّاضِجينَ في الرّوحِ، وهِـيَ غَيرُ حِكمَةِ هذا العالَمِ ولا رُؤَساءِ هذا العالَمِ، وسُلطانُهُم إلى زَوالٍ، بَلْ هِيَ حِكمَةُ الإلهِ السرّيّةُ الخَفِـيّةُ التي أعَدّها الإلهُ قَبلَ الدّهورِ في سَبـيلِ مَجدِنا، وما عَرَفها أحدٌ مِنْ رُؤساءِ هذا العالَمِ، ولو عَرَفوها لَما صَلَبوا رَبّ المَجدِ. لكِنْ كما يَقولُ الكِتابُ: «الذي ما رَأَتْهُ عَينٌ ولا سَمِعَتْ بِه أذُنٌ ولا خطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ أعَدّهُ الإلهُ لِلذينَ يُحبّونَهُ». وكشَفَهُ الإلهُ لَنا بالرّوحِ، لأنّ الرّوحَ يَفحَصُ كُلّ شيءٍ حتى أعماقِ الإلهِ. فمَنْ هوَ الذي يَعرِفُ ما في الإنسانِ غَيرُ الرّوحِ التي في الإنسانِ؟ وكذلِكَ ما مِنْ أحدٍ يَعرِفُ ما في الإلهِ غَيرُ رُوحِ الإلهِ. وما نِلنا نَحنُ رُوحَ هذا العالَمِ، بَلْ نِلنا الرّوحَ الذي أرسَلَهُ الإلهُ لنَعرِفَ ما وَهبَهُ الإلهُ لنا. ونَحنُ لا نتَكَلّمُ علَيها بِكلامٍ تُعَلّمُه الحِكمَةُ البَشَرِيّةُ، بَلْ بِكلامٍ يُعَلّمُه الرّوحُ القُدُسُ، فنَشرَحُ الحقائِقَ الرّوحانِـيّةَ بِعباراتٍ روحانِـيّةٍ. فالإنسانُ البَشَريّ لا يَقبَلُ ما هوَ مِنْ رُوحِ الإلهِ لأنّهُ يَعتَبِرُهُ حَماقَةً، ولا يَقدِرُ أنْ يَفهمَهُ لأنّ الحُكمَ فيهِ لا يكونُ إلاّ بالرّوحِ. وأمّا الإنسانُ الرّوحانيّ، فيَحكُمُ في كُلّ شيءٍ ولا يَحكُمُ فيهِ أحدٌ. فالكِتابُ يَقولُ: «مَنْ هوَ الذي يَعرِفُ فِكْرَ الرّبّ ليُرشِدَهُ؟» وأمّا نَحنُ، فلَنا فِكرُ المَسيحِ”. (كورنثوس الأولى 2:‏4-‏16 المشتركة)

 

ومن أجل الوصول إلى معرفة المسيح الإله المتأنس، أحد الثالوث القدوس الإلهي، نحتاج إلى العون من (الأقنومين) القدوسين الآخرين، الإله الآب و الإله الكلمة “أبي أعطاني كُلّ شيءٍ. ما مِنْ أحدٍ يَعرِفُ الابنَ إلاّ الآبُ، ولا أحدٌ يَعرِفُ الآبَ إلاّ الابنُ ومَن شاءَ الابنُ أنْ يُظهِرَهُ لهُ.” (متى 11:‏27 المشتركة) وأيضاً “وما نِلنا نَحنُ رُوحَ هذا العالَمِ، بَلْ نِلنا الرّوحَ الذي أرسَلَهُ الإلهُ لنَعرِفَ ما وَهبَهُ الإلهُ لنا” (كورنثوس الأولى 2:‏12 المشتركة). الروح القدس هو “رُوحَ حِكمَهٍ” (أفسس 1:‏‏17 المشتركة)؛ لذا فعند قبولنا له، نمتلئ من حكمة الإله. والروح القدس أيضاً هو “رُوحَ …. يكشِفُ”. وبالحكمة الإلهية، يكشف ويستعلِنَ الروح عن سر المسيح الإله المتأنس الذي في داخل قلب المؤمن، ولذا فحامل الروح (وحده) يكتسب المعرفة الحقة عن المسيح. لا تستطيع أي روح بشرية، وبأي جهد يمكننا تخيله، أن تفهم سر المسيح في كماله واكتماله الإلهي و الخلاصي. فهذا يكشف للروح البشرية فقط بالروح القدس، ولهذا فقد دُعِيَت بالـ “روح الكاشفة (أفسس 17:1، 1 كو 10:2)”. ولهذا فالرسول، مستنيراً بالروح القدس، يكشف أنه “لا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَقولَ إنّ يَسوعَ رَبّ إلاّ بإلهامٍ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ” (كورنثوس الأولى 12:‏3 المشتركة). ولهذا فالروح القدس، “روح الحق” و”الروح الكاشفة”، يقودنا إلى كامل حقيقة شخص المسيح وتدبير الإله المتأنس للخلاص، ويعلمنا كل شيء عن المسيح “فمَتى جاءَ رُوحُ الحقّ أَرشَدَكُم إلى الحَقّ كُلّهِ، لأنّهُ لا يتكلّمُ بِشيءٍ مِنْ عِندِهِ، بل يتكَلّمُ بِما يَسمَعُ ويُخْبِرُكُم بِما سيَحدُثُ” (يوحنا 16:‏13 المشتركة)، “ولكِنّ المُعزّي، وهوَ الرّوحُ القُدُسُ الذي يُرسِلُهُ الآبُ باَسْمي، سيُعلّمُكُم كُلّ شيءٍ ويَجعَلُكُم تتَذَكّرونَ كُلّ ما قُلتُهُ لكُم” (يوحنا 14:‏26 المشتركة)، وأيضاً (1 كو 6:2-16). ولهذا فإن كل بشارة المسيح، بكل ما بها من حقائق عن الإله المتأنس، تدعى بالـ”إستعلان”. ولهذا (أيضاً) فإن كل وظيفة، وعمل، وخدمة، وأسرار، وعمل في الكنيسة يتم إجراؤه باستدعاء قوة ونعمة الروح القدس.

 

إن كل حياة الكنيسة، في حقائقها الغير محصاة لمختلف أوجه جسدها الإلهي، إنما يقودها ويحرسه الروح القدس، والذي منذ الأزل هو روح يسوع المسيح، الإله المتأنس. ولهذا مذكور في الكتب المقدسة “أمّا أنتُم فلا تَسلُكونَ سَبـيلَ الجسَدِ، بَلْ سَبـيلَ الرّوحِ، لأنّ رُوحَ الإلهِ يَسكُنُ فيكُم. ومَنْ لا يكونُ لَه رُوحُ المَسيحِ، فما هوَ مِنَ المَسيحِ.” (رومة 8:‏9 المشتركة). القديس باسيليوس، الذي انغمس ملائكيًا في سر الكنيسة كونها الجسد الإلهي وباعتبارها أجمل وأعظم أسرار الإله، يعلن أصدق البشارة: “الروح القدس يبني كنيسة الإله”.

 


ترجمة: م. جورج ناجي
المصدر:
https://www.ocanwa.org/single-post/2019/06/15/st-justin-popovic-on-pentecost

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *