"وعند مفارقة نفسي من جسدي احضري عندي، ولمؤامرة الأعداء اهزمي، ولأبواب الجحيم أغلقي. لئلا يبتلعوا نفسي يا عروس بلا عيب للخَتْن الحقيقي." القطعة الثالثة من صلاة الغروب     إن لم يكن قد أعطانا السيد الحياة الأبدية، لصار حزننا على أقرب الناس لنا المحتضرين بلا حدود وبلا عزاء. ولصارت حياتنا بلا معنى إن كانت قد …

“وعند مفارقة نفسي من جسدي احضري عندي، ولمؤامرة الأعداء اهزمي، ولأبواب الجحيم أغلقي. لئلا يبتلعوا نفسي يا عروس بلا عيب للخَتْن الحقيقي.”
القطعة الثالثة من صلاة الغروب
 
 
إن لم يكن قد أعطانا السيد الحياة الأبدية، لصار حزننا على أقرب الناس لنا المحتضرين بلا حدود وبلا عزاء. ولصارت حياتنا بلا معنى إن كانت قد انتهت بالموت. وأي منفعة قد تأتي من اقتنائنا للفضائل ومن عملنا للأعمال الصالحة إذن؟ فسيكون قولهم صحيحاً إذن هؤلاء الذين يقولون: ” فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت!”. ولكن الإنسان قد خُلِقَ للخلود، و بقيامته قد فتح المسيح أبواب ملكوت السموات، لأجل التنعم الأبدي لهؤلاء الذين قد آمنوا به وسلكوا حياتهم بالصلاح. فإن حياتنا الأرضية هي للإعداد للحياة المقبلة، وينتهي هذا الإعداد عند موتنا. ولأنه “وكما أنّ مَصيرَ البَشَرِ أنْ يَموتوا مرّةً واحدَةً، وبَعدَ ذلِكَ الدّينونَةُ” (رسالة إلى العبرانيين 9:‏27 المشتركة)، لذا فيترك الإنسان كل اهتماماته الدنيوية؛ إذ أن الجسد ينحَلَّ، لأجل قيامته الجديدة في القيامة التي في آخر الزمان. وتلك الرؤية الروحية غالباً ما يراها المحتضر حتى قبل موته، وبينما هو لا يزال يشعر ويرى هؤلاء المحيطين به ويتحدث معهم حتى، فإنه يرى ما لا يراه الآخرين.
“لن تموتي. (بل) سيموت جسدك، لكنك ستنتقلين إلى عالم مختلف، وتكونين حيّة، تتذكرين نفسكِ وتدركين العالم كله المحيط بكِ”. ق. ثيوفان الحبيس، في رسالته إلى امرأة تحتضر.
“فكما يُخبرنا الآباء، فإن أرواح الموتى تتذكر كل ما حدث هنا – أفكارًا وأقوالًا ورغبات – ولا يُنسى منها شيء. ولكن، وكما جاء في المزمور:”تخرُجُ روحُهُ فيعودُ إلى التُّرابِ، وفي ذلك اليومِ تَبـيدُ مطامِحُهُ.” (المزامير 146:‏4 المشتركة). الأفكار التي يتحدث عنها هي أفكار هذا العالم، عن المنازل والممتلكات، والآباء والأبناء، و(حتى) المعاملات التجارية. كل هذه الأشياء تُباد فور خروج الروح من الجسد. وأما كل ما فعله إما ضد (كل) فضيلة أو ضد أهوائه الشريرة، فهذا يتذكره ولا يضيع شيء منه. في الواقع، لا تفقد الروح شيئًا مما فعلته في العالم، بل تتذكر كل شيء عند خروجها من هذا الجسد”. ق. دوروثيوس، ااقرن السادس، ملخصاً تعاليم الآباء الأوائل في هذا الصدد.
“لا تبقى النفوس بعد إنفصالها عن هذا العالم بعاطلة، لا تبقى بدون إدراك؛ لأن هذا قد ثَبُتَ بالمثل الإنجيلي عن الغني ولعازر (لوقا ١٦: ٢٢-٢٨). أرواح المنتقلين لا تفقد إدراكها، ولا تفقد حتى طباعها- والتي هي، الأمل والخوف، الفرح والحزن، وبعض ما يتوقعونه لأنفسهم في يوم الدينونة العام يبدأون بالفعل بتذوقه مقدماً” ق. يوحنا كاسيان
ولكن عند مغادرة الروح للجسد، فإنها تجد نفسها في وسط أرواح أخرى، الطيب منها والشرير. وعادة فإن الروح تميل نحو تلك الأرواح التي تماثلها، وإن كانت الروح تلك متأثرة، وقت أن كانت في الجسد، ببعض ما بعينهم ، فإنها تبقى على حالة تعلقها (واعتمادها) على هؤلاء البعض عند خروجها من الجسد، حتى ولو كان من الممكن أن يصبح اللقاء بين الروح وهؤلاء البعض غير سار.
“لا تجعل أحداً يخدعك بكلمات جوفاء،؛ فالفناء سيحل عليك بغتة؛ سيحل كالعاصفة. سيأتي ملاك شؤم ليأخذ ويجُرَ بضراوة تلك الروح التي ربطت بالخطية؛ وستعود روحك نحو ههنا و تعاني بصمت، بعد أن تكون قد طردت بالفعل من عضو النواح هذا (أي الجسد). كم ستكون مضطرباً في ساعة موتك على ذاتك! كم ستتنهد!” ق. باسيليوس الكبير.
“عندما تسمع هذا أن هناك أنهارًا من التنانين وأفواه أسود (عب 11: 33، مز 22: 21-22) وقوى مظلمة تحت السماء ونارًا محرقة (إر 20: 9) والتي تحرق (داخل) أعضاء الجسد، فيجب عليك أن تعلم هذا: إنك إن لم تقتبل عربون الروح القدس (أي الروح القدس نفسه، 2 كو 1 : 22، 5 : 5)، في الساعة التي فيها روحك تنفصل عن الجسد، فأن الشياطين الردية تتشبث سريعاً بروحك ولا تسمح لك بالصعود للسموات”.
“عندما تهجر الروح الجسد يحدث سر عظيم، فإن كان المتوفى قد رحل من دون توبة، تستقبله حشود من الشياطين والملائكة الساقطين وقوى الظلام وتبقيه معهم. والنقيض تماماً يحدث مع أولئك المنتقلين وهم في توبة، فبالقرب من خدام الإله القدوسين توجد الآن ملائكة وأرواح صالحة على أستعداد، فتحيط بأولئك المنتقلين وتحميهم، وعند رحيلهم عن أجسادهم، تقتبل أرواحهم جوقة من الملائكة لذواتهم إلى الدهر النقي” ق. مكاريوس الكبير.
“عند مفارقة النفس للجسد فإنها ترى الشياطين المرعبة، الضارية، عديمة الرحمة والقاسية واقفة على استعداد. أما أرواح الصديقين فتأخذها الملائكة القديسين، عابرة عبر الهواء، وترتقي (إلى السموات)” ق. كيرلس الكبير.
“عند تقدمة القربان (الإفخارستيا) في الكنيسة في اليوم الثالث (لرقاد المنتقل)، فإن روح المنتقل تقتبل من ملاكها الحارس راحة وإعفاء من الحزن التي كانت تشعر به جرّاء الانفصال عن الجسد. وفي خلال اليومين من بعد الرقاد فيُسمَح للروح أن تهيم على الأرض، وحيثما تشاء، مصحوبة بالملائكة الذين هم معها. ولذا، فالروح التي تحب الجسد تتجول أحياناً في البيت الذي قد سجي فيه جسدها، وهكذا تقضي الروح يومان (هائمة) كعصفور يبحث عن عش. بينما تذهب الروح التقية إلى تلك الأماكن التي قد اعتادت عمل الخير فيها. وفي اليوم الثالث، يأمر، الذي قام من بين الأموات بذاته في اليوم الثالث، هذا الروح المسيحية، وتشبهاً بقيامته هو، أن تصعد إلى السموات لتتعبد لرب الكل” ق. مكاريوس السكندري (والذي استقى تعليمه لا من بشر بل من ملاك)
“لن تموت أختك؛ فقط الجسد سيموت، ولكن ستبقى شخصية الراقد. فهي فقط ستنتقل إلى نظام حياة آخر. فليست هي من يضعونها في القبر، فهي في مكان آخر. وستكون حيّة بالتمام كما أنت الآن. فهي ستكون حولك في الساعات والأيام الأولى. فقط هي لن تقول (لك) شيئاً، ولن يكون في إمكانك رؤيتها؛ لكنها ستون هنا، ضع هذا بعقلك” ق. ثيوفان الحبيس، في رسالته إلى اخو امرأة تحتضر.
وعلى مدار يومين، فإن الروح تتمتع بحرية نسبية فتستطيع زيارة أماكن كانت عزيزة عليها على الأرض، ولكن في اليوم الثالث تنتقل الروح إلى أفلاك أخرى. وعند هذا الوقت (أي في اليوم الثالث) تعبر الروح عبر جحافل من الأرواح الشريرة التي تحاول إعاقة طريقها متهمة الروح بخطايا عدة. تلك الخطايا التي حاولت الأرواح الشريرة نفسها إغواء روح المنتقل بها وقت أن كان في الجسد. وبحسب العديد من الوُحى (الإلهية) فهناك حوالي عشرين من تلك العقبات المعيقة للروح، فيما يسمى بالـ”محطات الجمركية”، حيث من خلالها يتم فحص الروح في كل منها بشكل أو بأخر من الخطية؛ وعند اجتياز الروح إحداها فإنها تصل إلى الاخرى وفقط بعد اجتيازها جميعًا بنجاح يمكن للروح مواصلة طريقها دون أن تُلقى على الفور في جهنم. ويمكن رؤية كم هي فظيعة هذه الشياطين ومحطاتها الجمركية تلك من حقيقة أن والدة الإله نفسها، عندما أُبلِغَت من قِبَل رئيس الملائكة جبرائيل بدنو وقت رقادها، وفي استجابة لصلاتها، تجلى الرب يسوع المسيح بنفسه من الملكوت ليقتبل روح أمه الطاهرة ويدخلها للملكوت. حقاً لرهيب اليوم الثالث هذا لروح المنتقل، ولهذا السبب فهي بخاصة في حاجة إلى صلوات من أجلها.
“مع اقتراب الساعة التاسعة، وبعد أن بدأ بالصلاة قبل تناول الطعام، استوقفت الروح القدس بغتة أنطونيوس ورُفِعَ من الملائكة إلى الأعالي. ولكن الشياطين الأثيرية قد عارضت ارتقائه هذا: فتجادلتهم الملائكة، طالبين سبب معارضتهم لإكماله الصعود، لأن أنطونيوس لم تكن له خطايا قط. وجاهدت الشياطين لقول الخطايا التي قد أِرتُكِبَت من قِبَلِه من وقت ولادته؛ فقد سدت الملائكة أفواه المفترين (عليه)، مخبرين إياهم إنه لا يجب عليهم أن يحسبوا عليه خطاياه من وقت ولادته والتي قد مُحيَت بنعمة المسيح؛ ولكن بأن يتقدموا بخطاياه، إن وُجِدَت، والتي قد يكون قد ارتكبها بعدما دخل إلى حياة الرهبنة ونذر نفسه للرب.وفي اتهامهم (لأنطونيوس)، تفوهت الشياطين بأكاذيب وقحة كثيرة؛ إذ حيث أن افتراءاتهم بحاجة للدليل، لذا، ففتح طريقاً سالكاً (للأعالي) لأنطونيوس. فعاد إلى نفسه على الفور ورأى أنه يقف في نفس المكان الذي قام فيه للصلاة. ناسياً للطعام، قضى (انطونيوس) الليل في الصلاة بدموع وأنين، متأملاً في كثرة أعداء الإنسان، وفي المعركة ضد مثل هذا الجيش، وفي مدى صعوبة الطريق المؤدي إلى الفردوس عبر الأجواء، وفي كلمات الرسول الذي قال:”فنَحنُ لا نُحارِبُ أعداءً مِنْ لَحمٍ ودَمٍ، بَلْ أصحابَ الرّئاسَةِ والسّلطانِ والسّيادَةِ على هذا العالَمِ، عالَمِ الظّلامِ والأرواحِ الشّرّيرَةِ في الأجواءِ السّماوِيّةِ.” (رسالة أفسس 6:‏12 المشتركة). الرسول، وهو يعلم أن القوى الجوية لا تسعى إلا إلى شيء واحد، ومهتمة بشأن هذا الشيء بكل اتقاد، جاهدة نفسها ومناضلة (لأجله وهو) حرماننا من (هكذا) ممر مفتوح (لأجلنا) إلى الفردوس، فيحثنا أن نحمل “سِلاحَ الإلهِ الكامِلَ لتَقدِروا أنْ تُقاوِموا في يومِ الشّرّ وأنْ تَثبُتوا بَعدَما تَمّمتُم كُلّ شيءٍ.” (رسالة أفسس 6:‏13 المشتركة) “فيَخزَى خَصمُكَ ولا يَجِدُ سُوءًا فِـينا.” (رسالة بولس إلى تيطس 2:‏8 المشتركة)” ق. أثناسيوس الكبير، حياة القديس أنطونيوس.
“إذًا فسنحتاج لصلوات كثيرة، ولمعاونين كثيرين، وللكثير من الأعمال صالحة، وشفاعة عظيمة من الملائكة في رحلتنا عبر أجواء الهواء. فإن كنا عند سفرنا في أرض غريبة أو مدينة غريبة نحتاج لمرشد، فكم بالحري حاجتنا لمرشدين ولمعاونين ليرشدوننا إلى ما وراء المهابين والقوى الخفية والحكام العالميين لهذه الأجواء، الذين يُطلق عليهم اسم المضطهدين والعشارين وجباة الضرائب”. ق. يوحنا ذهبي الفم، عن وصفه لساعة الموت.
“مع صعود الروح، تجد جابيي الضرائب يحرسون صعودها، ويمسكون ويمنعون الأرواح من الصعود. كل محطة من هذه المحطات الجمركية تُقدم خطاياها الخاصة عن الروح. ولكن، على نفس المنوال، لا يتخلى الملائكة الصالحون عن الروح لهذه المحطات الشريرة. فعند ساعة محاسبتها، يقدم الملائكة بدورهم أعمال الروح الصالحة. وفي الواقع، فالقوى الملائكية المقدسة تُعَدِدَ للأرواح الشريرة أعمال الروح الصالحة التي تمت سواء بالقول والفعل والفكر والخيال. فإذا وُجدت الروح وقد عاشت بتقوى وبطريقة تُرضي الإله، فإن الملائكة القديسين يستقبلونها وينقلونها إلى ذلك الفرح الذي لا يُوصف للحياة المباركة والأبدية. ولكن، إذا وُجدت أنها عاشت بتهور و ببذخ، فإنها تسمع تلك الكلمة الأكثر قسوة: ليؤخذ الأشرار بعيداً، “ولا يَرَونَ جَلالَ الرّبِّ.” (سفر إشعيا 26:‏10 المشتركة). ويتخلى الملائكة القديسون، مع الندم العميق، عن الروح وتُستَقبَل من أولئك الشياطين المظلمة حتى يقذفون بها بكل غِلٍ إلى سجون الهاوية.” ق. كيرلس الكبير.
“أنا أعلم عن جابيي ضرائب آخرين والذين بعد إنطلاقنا من هذه الحياة يقومون بتفتيشنا واحتجازنا لمعرفة ما إذا كان لدينا شيء ما يخصهم…. إني أتساءل كم يجب علينا أن نعاني على يد هؤلاء الملائكة الأشرار، الذين يفحصون كل شيء، والذين عندما يجدون شخصًا غير تائب، فهم لا يطالبون بدفع الضرائب فحسب، بل يستولون علينا ويحتجزوننا أسرى تمامًا.” أوريجينوس.
“قد عبرنا الأرواح الشريرة دون أن نتعرض لأي أذى. لأن مسؤولي الجمارك المظلمة رأوا جسدنا الطاهر فخجلوا؛ ورأوا النفس طيبة وطاهرة فخجلوا؛ ويقولون إن اللسان طاهر ونقيّ وبلا عيب فسكتوا؛ مررنا وأذللناهم. لهذا السبب فرح ملائكة الإله القديسون الذين قابلونا واستقبلوا ذواتنا، واستقبلنا الأبرار بفرح، وقال القديسون ببهجة: “مرحباً يا حملان المسيح”” ق. يوحنا ذهبي الفم، عن إعتراف الأطفال المنتقلين.
“من الأرض إلى السماء يوجد سلماً، وفي كل درجة منه يوجد فوج من الشياطين. تُسمى هذه الدرجات ببيوت تحصيل الرسوم، وتقابل الأرواح الشريرة الروح وتحضر حساباتها المكتوبة وتُريها للملائكة قائلة: أنه في هذا اليوم أو ذاك من الشهر فعلت هذه الروح ما يلي: إما أنها سرقت أو زنت أو فعلت الفاحشة أو مارست اللواط أو كذبت أو شجعت أحدًا على فعل شرير. وكل فعل شر آخر فعلته الروح، تُريه للملائكة. من ثم يُري الملائكة (للشياطين) كل فعل صلاح فعلته الروح، إن كان صدقة أو صلاة أو طقوس أو صوم أو أي شيء آخر. ويحتسب الملائكة والشياطين (كل أفعال الروح)، وإذا وجدوا الخير أعظم من الشر، فإنهم يتحصلون على الروح ويصعدونها إلى الدرجة التالية، بينما تصر الشياطين بأسنانها كالكلاب الضارية، وتُسرع في انتزاع تلك الروح البائسة من أيدي الملائكة. الروح، في هذه الأثناء، يشملها الرعب والخوف، وتكون وكأنها تختبئ في أحضان الملائكة وقت هناك تناظر عظيم واضطراب مستوجَب حتى تنجو هذه الروح من يد هؤلاء الشياطين. ثم يعودون إلى درجة سلّم أخرى، ويجدون هناك بيتًا آخر للرسوم، أشد ضراوة وأكثر فظاعة. وفي هذا أيضًا، توجد هناك ضجة كبيرة واضطراب كبير لا يوصف حول من سيأخذ تلك الروح البائسة. وتزأر الشياطين عالياً، ويفحصوا الروح، مسببين الرعب قائلين: “إلى أين أنت ذاهب؟ ألست أنت من زنى ودنس المعمودية المقدسة تمامًا؟ ألست أنت من دنس الطابع الملائكي؟ ارجع. انزل. اذهب إلى الجحيم المظلم. اذهب إلى النار الخارجية. اذهب إلى تلك الدودة التي لا تنام أبدًا” ثم إذا كانت تلك الروح قد دينَت، فإن الشياطين تحملها إلى تحت الأرض، إلى بقعة مظلمة وكئيبة. وويلٌ لتلك الروح التي وُلِدَت في ذاك الإنسان. ومن ذا الذي يُخَبِرَ، يا أبي القدوس، بالضيق الذي ستُلاقي فيه النفوس المُدانة ذواتها في ذلك المكان! لكن إن وُجِدَت النفس طاهرةً بلا خطيئة، فإنها تصعد إلى السماء بفرحٍ عظيم.” ق. مكاريوس الكبير، عن وصف الملاك له عن المحطات الجمركية.
ومن ثم، وبعد تمام اجتياز الروح للمحطات الجمركية وسجودها أمام الإله، تزور الروح خلال 37 يومًا أخرى الديار السماوية وهاوية الجحيم، غير عالمة بعد في أيهما ستبقى، وفقط في يوم الأربعين يُعَيَّن مكان استقرارها حتى يوم قيامة الأموات (بحسب تعليق الأب/ جون مارك، فبحسب وحي الملاك للقديس مقاريوس، فإن الكنيسة تحتفل بذكرى المتوفى في اليوم التاسع بعد الموت (بصرف النظر عن الأهمية العامة لرتب الملائكة) لأن الروح قبل ذلك التاريخ تُرى جمال الجنة، وبعد ذلك فقط، خلال الأيام الأربعين المتبقية، تُرى عذابات وأهوال الجحيم، قبل أن يتم تعيينها في اليوم الأربعين إلى المكان الذي ستنتظر فيه قيامة الأموات والدينونة الأخيرة). فتجد بعض الأرواح (بعد يوم الأربعين) نفسها (تحيا) في حالة من الفرح النعيم الأبديين، وأخرى في خوف من العذاب الأبدي الذي سيأتي عليهم بالتمام من بعد يوم القيامة. وحتى ذلك الحين فمن الممكن أن تتغير أوضاع تلك الأرواح، وخاصة عند تقديم الذبيحة الغير دموية عنهم (الذكرى في القداس الإلهي)، وكذا أيضاً بواسطة صلوات أخرى.
ومن الممكن رؤية أهمية إقامة ذكرى (للموتى) في الحادثة التالية: فقبل الكشف عن رفات القديس ثيودوسيوس من تشرنيغوف (١٨٩٦)، كان الراهب الكاهن (الشيخ أليكسيس الشهير من دير غولوسيفسكي، التابع لدير لافرا مغارات كييف، الراقد عام ١٩١٦)، والذي كان يُجري مراسم إعادة تكفين (تطييب وتكفين) الرفات، قد تعب وهو جالس بجانب الرفات، فغفا ورأى القديس أمامه، فقال له: “أشكرك على تعبك معي. وأرجوك أيضًا، عندما تُقيم القداس، أن تُخلّد ذكرى والديّ” – وذكر اسميهما (الكاهن نيكيتا وماريا). سأل الراهب الكاهن: “كيف لك أيها القديس أن تطلب صلواتي، وأنت تقف أنت بنفسك عند العرش السماوي وتمنح الناس رحمة الإله؟” “نعم، هذا صحيح”، أجاب القديس ثيودوسيوس، “ولكن التقدمة (الذبيحة الغير دموية) في القداس أقوى من صلاتي”.
ولهذا، فالبانيخيدَس (أي صلوات الثلاث تقديسات الخاصة بـ الراقدين) وكذلك الصلاة في البيت لأجل المنتقلين إنما هي لمنفعتهم، وكذا ايضاً الأعمال الصالحة التي لذكراهم، كالصدقات أو التبرعات للكنيسة. ولكن ما هو لمنفعتهم بشكل خاص هو إحياء ذكرهم في خدمة القداس الإلهي. إذ يوجد العديد من الظهورات للموتى وايضاً غيرها من الأحداث التي تؤكد مدى فائدة إحياء ذكرى الموتى. فالعديد قد رقد وهم في توبة، ولكن منهم من لم يتمكنوا من إظهار تلك التوبة في حياتهم، هؤلاء قد تحرروا من كل آلامات وأوجاع ونالوا راحة. ودائماً ما تقدم في الكنيسة الصلوات من أجل راحة المنتقلين، وايضاً في يوم حلول الروح القدس (العنصرة)، في صلاة السجدة في صلاة الغروب (صلاة السجدة الثانية)، يوجد استرحام خاص لأجل “من هم في الجحيم”.
فإن كان كل واحد منا عنده رغبة في إظهار حبه للمنتقلين وتقديم مساعدة حقيقية له، فيمكنه فعل ذلك بشكل أفضل عن طريق الصلاة من أجلهم، وبخاصة من خلال إحياء ذكراهم في القداس الإلهي، عندما تسقط قطع القربان الصغيرة تلك، والتي قد قطعت من أجل الأحياء والأموات، في دم الرب ومعها هذه الكلمات (التي يرددها الكاهن): “امح يا رب خطايا أولئك الذين ذُكِروا هنا بدمك الثمين وصلوات قديسيك”. فنحن لا نستطيع أن نفعل ما هو أحسن أو أعظم من الصلاة لأجل الذين قد رقدوا، وإحياء ذكراهم في القداس الإلهي. فهم في حاجة دائمة لهذا، وبخاصة خلال تلك الأربعين يوماً عندما تكمل روح الراقد طريقها نحو الديار الأبدية. ولا يشعر الجسد حينها بشيء: إذ لا يرى أحباؤه الذين قد اجتمعوا (لأجله)، ولا يشم عطر الزهور (المُحضَرَة لأجله)، ولا يستمع لخطاب جنازة (التي لتأبينه). وأما الروح فتدرك الصلوات المرفوعة لأجلها وتكون ممتنة لأولئك الذين قد رفعوا الصلوات لأجلها وتكون قريبة منهم روحياً ايضاً.
فيا أقارب الراقدين والمقربين لهم، اعملوا لهم ما هم في حاجة له وعلى قدر طاقتكم، فلا تنفقوا أموالكم على زينة والنعش والقبر خارجهم، بل أنفقوها لخدمة ومساعدة من هم في حاجة المحتاجين، لذكرى المقربين لكم والذين قد رقدوا، لأجل الكنائس، التي ترفع فيها الصلوات لأجلهم، أظهروا رحمة لأجل المنتقلين، واحفظوا أرواحهم (برفع الصلوات لها). فأمامنا يقبع نفس ذاك الطريق، ولكم سنتمنى حينها أن يتم ذكرنا في صلاة! فلنجعل ذواتنا إذا رحيمة على الراقدين. فبمجرد أن يرقد أحدكم، فلتتصلوا أو تبلغوا كاهناً على الفور، حتى يتمكن من تلاوة الصلوات المناط تلاوتها خصيصاً على كل المسيحيين الأرثوذكسيين بعد رقادهم. وحاولوا، إن أمكن، أن تكون صلاة الجناز في الكنيسة وأن يقرأ كتاب المزامير على المنتقل حتى ميعاد صلاة الجناز. وبكل تأكيد فالترتبوا وعلى الفور لأجل خدمة تذكار الأربعين يوماً، والتي هي، إقامة تذكاراً يومياً لذكرى المنتقل في القداس الإلهي طوال فترة الأربعين يوماً. (ملاحظة: إذا كانت الجنازة في كنيسة لا توجد بها قداسات يومية، فيجب على الأقارب أن يهتموا بترتيب ذكرى الأربعين يوماً في كنيسة بها قداسات يومية). وبالمثل فإنه من الجيد أيضاً أن ترسل التبرعات للأديرة من أجل إقامة التذكار، وأن ترسل بالمثل أيضاً إلى أورشليم حيث توجد صلاة دائمة في الأماكن المقدسة. فلنحرص على الذين انطلقوا إلى العالم الآخر قبلنا، بأن نفعل لهم كل ما في مقدرتنا، متذكرين أن “طوبى للرحماء، فإنهم يرحمون”.
SOURCE: http://orthodoxinfo.com/death/lifeafterdeath.aspx

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *