مؤرخ كنسي اسمه "سقراط" سجل تاريخ الكنيسة خلال القرون الأربعة الأولى. بيقول إن في ناس كانت بتصوم عن اللحوم خالص، وناس كانت تاكل سمك وطير بس، وناس تاكل سمك بس، وناس تصوم انقطاعي لحد الساعة 3 وبعدين تاكل أي حاجة، وناس كانت متاكلش فاكهة ولا بيض، وناس كانت تاكل عيش ناشف. وبعدين يقول تعليق مهم: …

مؤرخ كنسي اسمه “سقراط” سجل تاريخ الكنيسة خلال القرون الأربعة الأولى. بيقول إن في ناس كانت بتصوم عن اللحوم خالص، وناس كانت تاكل سمك وطير بس، وناس تاكل سمك بس، وناس تصوم انقطاعي لحد الساعة 3 وبعدين تاكل أي حاجة، وناس كانت متاكلش فاكهة ولا بيض، وناس كانت تاكل عيش ناشف.
وبعدين يقول تعليق مهم: “من الواضح إن الرسل محطوش قاعدة من جهة الصوم و سابوا كل واحد يعمل المفيد ليه.”
الحكاية ابتدى يتحطلها نظام واحدة واحدة لغاية مجمع “ترولو” في القرن السادس.

وفي حوار يوحنا كاسيان مع الأنبا موسى، الأنبا موسى يقول: “مفيش قاعدة أو قانون للكل لأن مش كله عنده نفس الطاقة. والصوم مش زي الفضائل التانية لأن الفضائل بتعتمد على ثبات القلب لكن الصوم بيعتمد على قدرات الجسد.”
فربنا محطش عدد ساعات أو أيام اللي ميصومهاش يتعاقب؛ لأن ده ميتناسبش مع الحرية اللي ليك في المسيح. بدليل كمان إن صوم الميلاد لحد القرن العاشر كان يوم واحد بس.

كمان الصوم مش أقدس من الأكل، لكن إحنا محتاجين للاتنين زي بعض. وفي حوار كاسيان مع الأب ثيوناس يقول الأب ثيوناس:
“في حاجات بتبقى صالحة أو شريرة على حسب شخصية اللي بيستخدمها، زي الصوم. ولو اعتبرنا إن مجرد الامتناع عن الأكل ده حاجة كويسة يبقى إحنا كده بنقول إن الأكل دنس، ودي بدعة فظيعة.”

ويكمل:
“الصوم مش صالح ولا شرير، لكن هيفيدنا لو استخدمناه صح، لكن مش هيسبب لينا دينونة لو سبناه. وعشان كده آباؤنا علمونا إننا لازم ننفذ الصوم وإحنا عارفين الدافع له والوسيلة والزمن.”
ويقول:
“لو جه ضيف يبقى من الوقاحة إننا نصوم، ولو جسدنا ضعف يبقى إحنا بنقتل نفسنا لو صومنا.”
والأنبا موسى يقول:
“الحد الطبيعي للزهد إنك تاكل على أد احتياجات قوتك وحجم جسمك وعمرك، فتدي لجسدك احتياجه من غير ما تحس بالامتلاء.”
ويقول:
“اللي موقعش في شهوة الأكل الكتير هلك بالصوم الكتير.”

ونفس الكلام يقوله مار إسحاق:
“احذر لحسن تهلك نفسك بالصوم الزيادة، لكن اوزن حياتك بميزان المعرفة.”

ويوحنا ذهبي الفم بيقول:
“الصوم دواء، وزي أي دواء ممكن متستفادش منه؛ لأن الدواء لازم تستخدمه في الوقت المناسب وحسب طبيعة جسمك وحسب الكمية المناسبة. هكذا الصوم برضه مفيد لو استخدمته صح.”
ويمكن التوازن بين الأكل والصوم والوعي بأهمية الاتنين هو اللي خلّى أثناسيوس يكتبلنا عن أنطونيوس:
“لم يكن بدينًا كرجل بلا تمرين، ولا نحيفًا هزيل الجسم بسبب الصوم والحروب مع الشياطين، بل كان كما عهدوه قبل اعتزاله (حياته في البرية).”

أبو مقار لما دخل البرية لقى الرهبان بيتنافسوا مين يتعب جسمه في الصوم أكتر.
فابتدى يمنع أي حد يصوم بعد الساعة 3، وعلّمهم إنهم لازم ياكلوا على الأقل وجبة في اليوم؛ لأن الصوم الكتير هيأثر على صلواته وتأملاته ومش هيخليه قادر يقوم يصلي نص الليل.

ونقض الآباء أمثلة الصوم اللي بتبقى لمدد كبيرة زي الأربعين يوم اللي صامهم واحد اسمه بيصاريون بدون أكل أو شرب.
وقالوا إن الصوم الكتير بيخلي فيه شراهة في الأكل لما الراهب ييجي ياكل.

أما أمثلة الصوم اللي مذكورة في بستان الرهبان، فالمفروض متتاخدش قاعدة أو مقياس؛ لأن الرهبان كانوا بيحبوا سرد القصص الاستثنائية، ده غير وجود أعمال مش مسيحية في الكتاب ده، زي وصف الست بالشيطان مثلًا.

ارتباط الصوم بالفضائل من الحاجات اللي بتخلي الصوم له معنى؛ لأنك بتاخد غريزة الجوع وطاقة الأكل اللي جواك وتوظفها في حاجات تانية زي الصلاة ومساعدة الناس وغيره، عشان تبقى سيد على غريزتك. ودي اتكلم عنها إشعياء 58 حلو جدًا.
وفي الرسائل الفصحية لأثناسيوس يقول:
“هو قال قدسوا صومًا، عشان يميزنا عن الناس اللي بتصوم وبتعمل شرور، فبيبقى صومهم باطل.”
وده اتكلمنا عنه في آليثيا برضه:
“في الصوم الأرثوذكسي (١)”.

هنا مش دعوة للخروج عن نظام الكنيسة الحالي ولا دعوة لعدم الصوم ولا التقليل من أهميته، وإنما لازم يكون عندنا وعي بالصوم ونفهم مغزى تحديد الكنيسة لنوعية الأكل وغيره: “بيساعدك” مش “بيتفرض عليك”.

راجع:

أصوامنا بين الماضي والحاضر — للقس كيرلس كيرلس

الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس

مناظرات يوحنا كاسيان مع مشاهير آباء البرية — ترجمة تادرس يعقوب ملطي

الرهبنة القبطية في عصر القديس أنبا مقار — الأب متى المسكين

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *