من حوالي 17 سنة، في 2008، اتعرفت على كتاب العدالة الإلهية لدكتور هاني من على موقع "الدفاع عن الأرثوذكسية داخل الكنيسة القبطية" من صديق عابر قابلته وأنا باخد كورسات في مكان ما ينفعش أجيب سيرته :) ماكنتش أعرف ان دا تاني كتاب هقراه في الأرثوذكسية، في حياتي (اللي قضيت اغلبها في مهرجانات الكرازة) بعد كتاب …
من حوالي 17 سنة، في 2008، اتعرفت على كتاب العدالة الإلهية لدكتور هاني من على موقع “الدفاع عن الأرثوذكسية داخل الكنيسة القبطية” من صديق عابر قابلته وأنا باخد كورسات في مكان ما ينفعش أجيب سيرته 🙂 ماكنتش أعرف ان دا تاني كتاب هقراه في الأرثوذكسية، في حياتي (اللي قضيت اغلبها في مهرجانات الكرازة) بعد كتاب الكنيسة الخالدة للأب المؤسس … وماكنتش أعرف انه هيفتح قدامي آفاق التعرف إلى جورج حبيب بباوي، ولا كنت أعرف إن عنوان الموقع، هيبقا مبدأ وقناعة ثابتة في حياتي بعد كدا
“العدالة الإلهية” في الواقع اللاهوتي القبطي، بالظبط زي “مدينة الله” للقديس أغسطينوس بالنسبة للعصور الوسطى الغربية، وزي “مقال في المنهج” لرينيه ديكارت بالنسبة للفلسفة الحديثة، وزي “رأس المال” لكارل ماركس في الاقتصاد السياسي .. كتاب كوبرنيكي بإمتياز! بالنسبة لسياقه طبعًا! … اللاهوت في الكنيسة القبطية قبل العدالة الإلهية مش زي بعد صدوره وتداوله! ودا على الرغم من تواجد الأفكار الرئيسة للكتاب قبل صدوره، ولكن شيئًا في هذا الكتاب جعله مختلفًا! … لأول مرة بتقرا عن اختلاف اللاهوتين الشرقي والغربي بأسلوب سهل وعرض سلس إلى حد كبير أكتر من كتاب شبه أكاديمي ضخم كموت المسيح على الصليب لجورج بباوي، أو عبارات متناثرة هنا وهناك بخصوص “عنا” و”لأجلنا” عند المسكين، ولأول مرة بتعرض وجهة نظر في كل اللي اتعلمناه في مدارس الأحد، بل وفي القديس أغسطينوس نفسه، بدون أي نبرة صدامية، والأهم، بدون أي shock يحسسك بارتباك الهوية بين تعليم بروتستانتي على المنبر وصلاة أرثوذكسية على المذبح. أسلوب د. هاني قادر على امتصاص كافة الصدمات المعرفية اللي ممكن تتعرض لها أثناء القراءة، بدون ما تكره الطرف التاني، وبدون ما تتعرض لجرعات عالية من الشخصنة زي ما كان بباوي بيعمل.
الكتاب أشبه بمذكرة دراسية أكتر منه كتاب، وكاتبه طبيب بشري عادي يعنى علماني زينا مش اكليروسي ولا اكليريكي، ودا أول إمكان أسسه الكتاب في وعينا، إمكان ان انت نفسك تبقا هاني مينا ميخائيل، وإمكان انك تكتب “العدالة الإلهية” الخاصة بك، بدون الإنتساب لطغمة معينة طالما امتلكت الأدوات … بالنسبة لي، أسس الكتاب جوايا قناعة انك ممكن تدي الشباب الأدوات المعرفية الكافية لإحداث ثورة! المبدأ اللي عرضته في آليثيا، ولن أكف عن الإيمان به طول ما أنا شغال.
لكن لو بصينا للإنقلاب الحقيقي اللي أسسه الكتاب من حيث الـ”منهج” (ودا شىء باهتم بيه كتير، بمعنى الكتاب غيَّر ايه، مش بس في طريقة تفكيرنا القريبة الخاصة عن المفردات العقائدية اللي اتعرضلها، ولكن كمان في طريقة تعاطينا البعيدة مع المصادر اللاهوتية وطريقة استخدامها وقراءتها) هنلاقي انه أسس لمشروعية “الاستعارة اللاهوتية” من مدارس وتقاليد وكنائس أرثوذكسية أخرى … ودا محك ضروري جدًا في صناعتنا اللاهوتية الحالية، خاصة في ظل دعاوى الانغلاق القبطي فقط على الآباء ما قبل الانشقاق، بل وآباء ما قبل 444م وهو تاريخ انتقال ق. كيرلس الأسكندري، يعني الآباء المعترف بهم قبطيًا فقط! دا طبعًا عشان التمسك بالهوية في مقابل “التأروم” بتاع الناس الوحشيين الكخة اللي بيغرغروا بشباب الكنيسة، وهي نغمة بعض عيال الشوفينية القبطي، برداء أرثوذكسي بالطبع!
يمكن الكتاب ماكانش عبقري في مادته، ولكنه عبقري في استعارته لمادته!! يمكنك أن تقرأ لأثناسيوس وايريناؤس ومار اسحق، بجوار مايندورف وفلورفسكي وستانيلوي، ولا يُمكن أن أنسى أن الكتاب هو أول من عرفني على فيلسوفي الأرثوذكسي الأثيل خريستوس ياناراس، اللي بقيت ألتهم كتاباته بعدها بسنوات كتير.
نجاح العدالة الإلهية كان في نجاح استعاراته، ومحاولته لعلاج باثولوجيا الخطاب اللاهوت القبطي، باستعارة لاهوت كامل (اللاهوت الأرثوذكسي المعاصر بعد مرحلة السبي البابلي) في طرائقه الخاصة جدًا في تأويل النصوص والنظرة لأحداث الخلاص … الرسالة البسيطة اللي بيوصلها الكتاب، إنك كقبطي، لازم تتضع، لازم تنزل على رجلك وتقعد تتعلم من الناس اللي سبقوك في تجربتهم اللاهوتية، الناس اللي عانوا من نفس مرارة تفسيرات الحرق والشوي وخرجوا بعدها لجمال المنظور الأرثوذكسي، وإذا كنت عايز تفلح فعلًا، لازم استعارتك من آباء القرون الأولى يمر على التجربة الأرثوذكسية في القرن العشرين، بكل ألوانها وتنوعاتها، وفي كونيتها، وفي كاثوليكيتها!! وانك لازم تاخد خلاصتها، بدل أسلوب اللف في دواير واعادة اختراع العجلة كل يوم من جديد!
…
إليكم مشاركتي في تحقيق صحفي حول د. هاني، الله ينيح روحه وينفعنا بصلواته:
قصة هاني مينا ميخائيل.. اللاهوتي الهادئ الذي حرمه البابا شنودة