"عن قوة الروح القدس، والذي سيُعلن من خلاله ملكوت الإله، يُنبِئ الرب بأن "في الحاضِرينَ هُنا مَنْ لا يَذوقونَ الموتَ حتّى يُشاهِدوا مَجيءَ اَبنِ الإنسانِ في مَلكوتِهِ" (متى ١٦: ٢٨ مشتركة). في كل مكان وبكل إتجاه فالملك سيكون موجوداً، وسيكون ملكوته في كل مكان، إذ أن حلول ملكوته لا يدل على الانتقال من مكان إلى …
“عن قوة الروح القدس، والذي سيُعلن من خلاله ملكوت الإله، يُنبِئ الرب بأن “في الحاضِرينَ هُنا مَنْ لا يَذوقونَ الموتَ حتّى يُشاهِدوا مَجيءَ اَبنِ الإنسانِ في مَلكوتِهِ” (متى ١٦: ٢٨ مشتركة). في كل مكان وبكل إتجاه فالملك سيكون موجوداً، وسيكون ملكوته في كل مكان، إذ أن حلول ملكوته لا يدل على الانتقال من مكان إلى آخر، بل يكشف (حلول ملكوته) عن قوة الروح القدس. فلذلك قد قيل: “آتٍ بِقُوَّةٍ، وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ.” (إشعيا 40: 10). وهذه القوة لا تظهر للناس العاديين، بل للقائمين مع الرب، أي لمن أقروا بإيمانهم به كبطرس ويعقوب ويوحنا، وخاصةً لمن تحرروا من (ذل طبيعتنا). لذلك، ولهذا السبب تحديدًا، جَلّىَ الإله لذاته على الجبل، نازِلًا من علوه من جهة، ,رافعاً إيانا من أعماق الذل من جهة أخرى؛ إذ أن الفائق (الجوهر) يتخذ الطبيعة الفانية. وبالتأكيد فإن مثل هذا التجلي الجلي يتعالى إلى حد بعيد على أقصى حدود فهم العقل، لأنه يتم بواسطة قوة الروح الإلهي.
ولهذا، فنور تجلي الرب ليس بشيئً (ماديًّ) ما يظهر ثم يضمحل، ولا بشيء خاضع للقدرات الحسية، حتى وإن كان قد أبصرته عيونً ماديةً لبرهة على قمة جبل لا أهمية له. أما مُبتدئي (معرفة) هذا السر الذي للرب، (تلاميذه)، في هذا الوقت فقد تجاوزوا (حدود) الجسد المجرَّد إلى نحو الروح عبر حدوث تجلي لحواسهم، هذا (التجلي) الذي أتمه فيهم الروح بطريقة جعلتهم يشاهدون ما، وإلى أي مدى، قد طوَّع الروح الإلهي فيهم النعيم لرؤية النور الأقدس من أن يُوصف.
الغير مدركين لتلك النقطة قد ظنوا أن (هؤلاء) المختارين من بين الرسل قد عاينوا نور تجلي الرب بواسطة قدراتهم المحسوسة والمخلوقة، وبهذا فهم يحاولوا أن يختزلوا ليس فقط هذا النور، (وهو نور) ملكوت الإله ومجده، بل ويختزلوا أيضاً قوة الروح الإلهي، والذي بواسطته تتحين الأسرار الإلهية لتستعلن، فيختزلونهم إلى مستوى مخلوق (أي إلى شيء “مخلوق”). وعلى الأرجح، فمثل هؤلاء لم ينتبهوا إلى كلمات الرسول بولس عن هذا “الذي ما رَأَتْهُ عَينٌ ولا سَمِعَتْ بِه أذُنٌ ولا خطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ أعَدّهُ الإلهُ لِلذينَ يُحبّونَهُ وكشَفَهُ الإلهُ لَنا بالرّوحِ، لأنّ الرّوحَ يَفحَصُ كُلّ شيءٍ حتى أعماقِ الإلهِ” (رسالة كورنثوس الأولى 2:9 المشتركة)
ماذا يعني القول: “أنه قد تجلى؟” سؤال يسأله اللاهوتي ذهبي الفم، ويجيب عليه بقوله “أنه قد استَعلَن لهم قدراً من لاهوته، على قدر مقدرتهم على استيعابه، وأظهر حلول الإله فيه”. يقول لوقا الإنجيلي: “وبَينَما هوَ يُصلّي، تَغيّرَت هَيئَةُ وَجهِهِ وصارَت ثيابُهُ بَيضاءَ لامِعةً” (لوقا 9:29 المشتركة)، ومن متى الإنجيلي نقرأ: “وتَجلّى بمَشهَدٍ مِنهُم، فأشرقَ وجْهُهُ كالشّمسِ وصارَتْ ثيابُهُ بَيضاءَ كالنّورِ” (متى 17:2 المشتركة). ولكن الإنجيلي قد قال هذا، ليس في سياق أن هذا النور يمكن أن يُنظَر إليه بنظرة قائمة على الحواس (فالنطرح جانباً عمى عقل هؤلاء الذين لا يدركون شيئًا أعلى مما تُدركه الحواس)، بل بالحري لإظهار أن المسيح الإله، لمن يحيون ويتفكرون بالروح، هو مثله مثل الشمس لهؤلاء الذين يحيون بالجسد ويتأملون بواسطة الحواس، لذلك فلا ضرورة لبعض آخر من النور لمن هم ممتلئين بالعطايا الإلهية.
وهذا النور المُحَيِرُ نفسه قد أشرق وتجلي بشكل عجائبي لكلا من الرسل وأوائل الأنبياء (موسى وإيليا) في تلك اللحظة، عندما كان الرب يصلي. هذا يدل على أن ما أتى بهذه الرؤية المباركة هي الصلاة، وأن هذا التألق والبهاء قد حدث وتجلى بإتحاد العقل بالإله، وإن هذا يُمنَح لكل من هم، بمداومة ممارسة الفضيلة والصلاة، يلهجون بعقولهم ناحية الإله. فالجمال الحقيقي، في جوهره، يمكن التأمل فيه فقط بعقل نقي. أن تنظر إلى سطوعه يعني أنه يمكن اعتباره نوعاً ما من المشاركة فيه، وكأن بعض من الشعاع الساطع ينقش نفسه على الوجه.
وحتى أن وجه موسى قد استضاء من ارتباطه مع الإله، أما تعلمون أن موسى قد تجلى عندما صعد إلى الجبل وعاين هناك مجد الإله؟ ولكنه هو (موسى) لم يفعل هذا من نفسه، ولكن بالحري هو نفسه قد خضع لهذا التجلي. غير أن ربنا يسوع المسيح قد حاز هذا النور بنفسه. وفي هذا الصدد، بالفعل، هو لم يكن بحاجة للصلاة كيما يتلألأ جسده بالنور الإلهي؛ بل كان هذا فقط لإظهار من أين ينحدر هذا النور على قديسي الإله، وكيف نتفكر في هذا النور. لأنه مكتوب هذا أنه حتى القديسين “فيُشرِقونَ كالشّمسِ” (متى 13:43 المشتركة)، فيمكننا أن نقول، أنه يصبحون ممتلئين تماماً وبالكامل من النور الإلهي إذ إنهم ناظرين نحو المسيح، وبشكل إلهي وغير موصوف يشرقون بإشعاعه المتدفق من طبيعته الإلهية. على جبل ثابور، تجلّى أيضًا في جسده، بفضل الاتحاد الأقنومي (أي اتحاد الطبيعتين الكاملتين، الإلهية والإنسانية، في شخص المسيح الإلهي، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس). وقد عرّف المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية هذا الاتحاد الأقنومي لطبيعتي المسيح، الإلهية والإنسانية، بأنه “لا اختلاط، ولا تغيير، ولا انقسام، ولا انفصال”.
نحن نؤمن أنه وقت التجلي أنه لم يكن قد أظهر نوراً ما آخر بل بالحري ما كان مخفياً في ناسوته الخارجي، فهذا النور كان نور الطبيعة الإلهية، وعلى هذا، (نعرف) أنه (نورً) غير مخلوق وإلهي. وكذلك أيضاً، وفي تعاليم الآباء، (نجد) أنه في تجلي يسوع المسيح على الجبل، لم يُدخِلَ على ذاته (طبيعته) شيئاً جديداً ولا هو نفسه قد تغير إلى شيئاً آخر، ولا حتى إلى شئ لم يكن يحوزه (في طبيعته) سابقاً. بل بالحري قد كان هذا لكيما يظهر لتلاميذه ما كان هو عليه بالحقيقة، فاتحاً لأعينهم وناقلاً لهم من العمى إلى التبصر. أفلا ترى أن العيون التي تُمَيز الأمور الطبيعية تكون عمياء عن هذا النور؟
إذن فهذا النور ليس نوراً يدرك بالحواس، والمتفكرون فيه لا يروه ببساطة بحاسّة عيونهم، بل بالحري هم من تغيروا بقوة الروح الإلهي. لقد تغيروا، وفقط بهذه الطريقة قد عاينوا هذا التجلي (حتى وهُم) في وسطَ افتراضاتنا الكبيرة بفناءنا، (عاينوه) بواسطة التأله الذي بالإتحاد بكلمة الإله عوضاً عن ذلك.
وكذلك، تلك التي بأعجوبة قد حبلت وولدت (المسيح)، قد عرفت أن المولود منها هو إلهاً متجسداً، وكذا كان الأمر أيضاً لسمعان (الشيخ)، والذي قَبِلَ فقط هذا الطفل بين ذراعيه، وحَنًه (النبية) الشيخة، قد خرجت خارجاً (من معبد أورشليم) للمقابلة (مع المسيح)، إذ قد أضاءت القوة الإلهية، وكما لو كانت من نافذة زجاجية، بنورٍ على من تحمل عيون قلوبهم نقاوةً.
ولما اختار الرب، قبل بدء التجلي، متقدمي الرسل وقادهم إلى الجبل معه؟ بالطبع، كان هذا لكي يُظهر لهم أمرًا جليلًا وسرائرياً. ولكن، ما هو هذا الأمر الجليل والسرائري بالتحديد في إظهار نوراً محسوساً، نوراً يَمتَلك منه بوفرة لا متقدمي الرسل فقط بل وجميع الرسل؟ لِمَ يكونوا معوزين لتُبَدَل عيونهم بقوة الروح القدس من أجل التفكر في مثل هكذا نور، محسوس ومخلوق؟ كيف يمكن لمجد ولملكوت للآب وللروح القدس أن ينعكس في نور ما محسوس؟ بالفعل، في أي مجد وأي ملكوت يأتي المسيح الرب في أبد الدهور، حين لا يكون هناك حاجة إلى أي شيء في الهواء، ولا في الفضاء، ولا أي شيء مماثل، ولكن عندما، وكما قال الرسول (بولس) “متى خضَعَ كُلّ شيءٍ للاَبنِ، يَخضَعُ هوَ نَفسُهُ للإلهِ الذي أخضَعَ لَه كُلّ شيءٍ، فيكونُ الإلهُ كُلّ شيءٍ في كُلّ شيءٍ.” (رسالة كورنثوس الأولى 15:28 المشتركة)؟ إذا فهل هذا يعني، أنه سيغير كل شيء للكل؟ إن كان الأمر كذلك، إذا فسيتبع هذا (الاستنتاج) أن النور مُتضمّن.
لذا، فمن الجلي أن نور (جبل) تابور كان نوراً إلهياً. و الإنجيلي يوحنا، وبوحي إلهي، يقولها صراحة، أن المدينة الأبدية الباقية “… لا تَحتاجُ إلى نُورِ الشّمسِ والقَمرِ، لأنّ مَجدَ الإلهِ يُنيرُها والحَمَلَ هوَ مِصباحُها.” (رؤيا يوحنا 21:23 المشتركة). أوليس جلياً هنا أنه يُشير إلى أن هذا [الحَمَلَ] هو يسوع، وهو الذي تجلى إلهياً (كما قلنا) الآن على جبل تابور، وأن جسده المُشرق هو السراج الذي يُظهر المجد الإلهي للصاعدين معه على الجبل؟
ويوحنا اللاهوتي أيضًا يقول عن سكان هذه المدينة: “لا يَحتاجونَ إلى ضَوءِ مِصباحٍ أو شَمسٍ، لأنّ الرّبّ الإلهَ يكونُ نُورَهُم، وهُم سيَملِكونَ إلى أبَدِ الدّهورِ.” (رؤيا يوحنا 22:5 المشتركة). ولكن كيف، إن أمكننا أن نتسائل، يكون هناك هذا النور الآخر الذي فيه “لا يَتَغيّرُ ولا يَدورُ فيَرمي ظِلاّ” (رسالة يعقوب 1:17 المشتركة)؟ أيُّ نورٍ هذا ثابتٍ وعديم الإنطفاء، سوى نور الإله؟ وبالإضافة لذلك، هل يقدر كلا من موسى وإيليا (وبخاصةً الأول، (موسى) الذي كان جلياً حاضرًا بالروح لا بالجسد، فإيليا قد صعد بالجسد إلى السماء على المركبة النارية) أن يتألقا بأي نور مادي ما ومحسوس فيستطيع المرء أن يعاينهم وأن يعرفهم؟ لا سيما وإنه قد كُتِبَ عنهما: “وإذا رَجُلانِ يُكلّمانِ يَسوعَ، وهُما موسى وإيليّا، ظَهَرا في مَجدٍ سَماويّ وأخَذا يتَحَدّثانِ عَنْ موتِهِ الذي كانَ علَيهِ أنْ يُتمّمَهُ في أُورُشليمَ.” (لوقا 9:30-31 المشتركة). وكيف يستطيع الرسل أن يتعرفوا على أولئك الذين لم يرونهم من قبل، إلا إن كان هذا من خلال القوة المستيكية للنور الإلهي، التي تفتح أعينهم العقلية؟
لكن دعونا لا نشتت إنتباهنا بتفسيراتٍ مُتَعَمِقةٍ لكلمات البشارة. بل سنؤمن هكذا، كما علّمنا أنفسهم أولئك، الذين استناروا من الرب نفسه، بقدر ما هم وحدهم يعلمون هذا جيداً، أن أسرار الإله، بحسب كلمات النبي، معلومة فقط للإله، وفي الدنو الدائم منه. دعونا نتأمل لسر تجلي الرب هذا وفقاً لتعليمهم، ولنجتهد في أن نستنير بهذا النور ولنحث ذواتنا على المحبة والسعي نحو المجد والجمال الأبديّين، مُطهّرين أعيننا الروحيّة من الأفكار الدنيوية، ومُتجنبين اللذّات والجمال الزائل والوقتي الذي يُظلم ثوب الروح ويقود إلى نار جهنّم والظلام الأبديّ. فلنتحرر من هذه الأمور باستنارة ومعرفة النور الغير متجسد الذي لمخلصنا، الدائم الوجود، المتجلي على جبل تابور، في مجده، ومجد أبيه منذ الأزل، وروحه الخالق للحياة، الذي هو إشعاع واحد، وألوهية واحدة، ومجد، وملكوت، وقدرة واحدة، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
المصدر: