مقدمة لم يكن العالم المسيحي كله، يعرف الاحتفال بعيد التجسد الإلهي منفردًا قبل القرن الخامس وبالتحديد حتى مجمع أفسس 431م، فقد كانت الكنائس كلها شرقًا وغربًا تُعيّد بتذكار الإبيفانيا -أي الظهور الإلهي أو الغطاس- مع عرس قانا الجليل في يوم واحد، وكان الصوم في مصر -حيث كنيسة الإسكندرية[1]– لمدة يوم واحد، هو البرمون قبل عيد …

مقدمة

لم يكن العالم المسيحي كله، يعرف الاحتفال بعيد التجسد الإلهي منفردًا قبل القرن الخامس وبالتحديد حتى مجمع أفسس 431م، فقد كانت الكنائس كلها شرقًا وغربًا تُعيّد بتذكار الإبيفانيا -أي الظهور الإلهي أو الغطاس- مع عرس قانا الجليل في يوم واحد، وكان الصوم في مصر -حيث كنيسة الإسكندرية[1]– لمدة يوم واحد، هو البرمون قبل عيد الابيفانيا وذلك حتى نهاية ق 4 وبداية ق5، وبعد العيد، يبدأ الشعب جميعه صوم الأربعين المقدسة في اليوم التالي؛ فلم يَذكر القديس أثناسيوس الرسولي (296-373م) عيد الميلاد في قائمة أعياد كنيسة الإسكندرية. وبعد أن دخل الاحتفال بعيد التجسد الإلهي أولًا في الغرب، كان يَسبقه صومًا يَتراوح من خمسٍ لستةِ أسابيع، فلما دخل بعد ذلك إلى كنيسة الإسكندرية في ق 5، ابتدأت الكنيسة في تَعيين مدة الصوم له، والتي تَراوحت مدته من 28 يوم (مدة شهر كيهك وأربعة أحاد بأربعة مناسبات رئيسية) في صعيد مصر  وحتى أربعين يوم، ولم تكن مدته ثابتة، حتى جَلسَ البابا خريستوذولوس([2])  البطريرك 66 على الكرسي المرقسي، فقام بتَعديل طقسيٍّ كبير، منه أن قام بتحديد مدة صوم عيد الميلاد، تبعًا للعادة القديمة التي كانت سائدة من القرن الخامس، إذ جعل مدة الصوم ستة أسابيع (مدة أربعينية: 6 أسابيع× 7 أيام = 42يومًا) وأزاد عليها يوم البرمون السابق للعيد، وبذلك أصبحت مدة الصوم 43 يومًا، لتستمر بالكنيسة كما كانت عليه حتى الآن. ألحان عيد الميلاد: أما في العصر الحديث وبالتحديد أثناء حبرية البابا كيرلس الرابع([3])، كان آنذاك مشروعًا للاتحاد بين الكنيسة القبطية والكنيسة اليونانية في حبرية البطريرك كاللينيكوس([4]) كان لهذا المشروع الرائع أن يتم لَولا نياحة البابا كيرلس الرابع في ظروف غامضة. فكان المشروع قد بَدأ، بأن أَدخل البابا كيرلس الرابع (12) لحنًا (قطعة) يونانيًا جديدًا([5]) لتُرتَل في الميلاد والغطاس والقيامة وأعياد العذراء، منها قطعتين لعيد الميلاد، وقد عَدَّلَ المعلم تكلا اللحن اليوناني للقطعتين بما يتناسب وأداء اللحن القبطي، أول هذه القطع من قصيدة “إي بارثينوس ÉⲎ  – اليوم البتول ” وتَروي هذه القصيدة حادثة الميلاد في 25 قطعة، لا يُرتَل منها الآن سوى القطعة الأولى فقط، ومازال هذا اللحن يُرتَل في الكنيسة اليونانية والقبطية حتى اليوم. ويَرجع تأليف هذا اللحن لمرنم القسـطـنـطيـنـيـة الحلو الشماس ق. رومانوس المرتل وتعتبر أول قصائده بعد قصة معجزية جميلة حدثت له. هذا وللقديس رومانوس الشماس الكثير من الأشعار الدرامية المرتلة تقدر بحوالي 2000 قصيدة لم يتبقى منها الآن سوى 80 فقط تُغطي أعياد الكنيسة اليونانية، وتعتبر أشعار ق. رومانوس من مصادر مؤلِف الثيؤطوكيات القبطية، حيث يعتبر مؤلفها من دارسي نصوص هذا الشماس، وإليه -أي ق. رومانوس- ترجع بعض التعبيرات في التسبحة القبطية.

 

سيرة ق. رومانوس

وُلد هذا المرنم سنة 490م القديس بسوريا، ونمى حب الله في قلبه لخدمة الكنيسة فكان يضيء القناديل ويهتم بأيقونات القديسين، فصَار مرتلًا وقارئًا ببيروت بكنيسة القيامة، ثم انتقل إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية آنذاك، ليرتل بكاتدرائية أجيا صوفيا مع الخورس هناك، وقد كان يُحب والدة الإله ويرغب في الترتيل لها حسب عادة المرتلين المتقدمين[6] هناك، ولم تكن له من كلمات مناسبة للترتيل، وفي إحدى عشيات عيد الميلاد كان حزينًا بسببِ عدم تَمكنه من الترتيل متقدمًا، فصلى أمام أيقونة والدة الإله في الكنيسة، قائلًا هكذا: [أيتها الأم الحنون، ساعديني، فأنا لا أجد الكلمات المناسبة وشفتاي صامتتان، كيف يمكنني أن أمجّدُ ابنك المولود جديدًا؟] ثم عاد لبيته متأخرًا وعَزَّته صلاته الطويلة بالكنيسة ونام، فظَهرت له والدة الإله العذراء في حُلمٍ وأَعطتهُ لفافةً من الورق -دَرَج، قائلةً له بلطف: “افتح فمك.. خُذ هذا وكُلهُ” وبدَا لهُ ذلك فعلًا، وعندما استيقظَ من النوم، أَحسَّ بنشوة روحية كبيرة، ونَزلَ إلى كنيسة الحكمة الإلهية ليحضر قداس عيد الميلاد وفي وقت تَقدُّم المرتل، ليرتجل ترنيمة عيد الميلاد، صَعدَ إلى الإنبل -دون تردد أو خوف- وارتجل النص واللحن دون تحضير: “اليوم البتول تلد الفائق الجوهر ..” وهي قصيدة من 25 قطعة، وقد انفجرت موهبته بعد ذلك بما ألَّفَهُ ولحَّنهُ كمرتل، تنيح سنة 556م في رتبته التي ترقى لها كشماسٍ (يُعيَّد بتذكارهِ بالكنيسة اليونانية في الأول من أكتوبر).

 

 

 

أيقونة القديس رومانوس

  يظهر رومانوس بزي الشمامسة يعلو كتفه بطرشيل مكتوب عليه كلمة ” تابينوس Ⲧⲁⲡⲓⲛⲟⲥ أي الذليل” فهو أول من استعمل التوقيع بهذه الكلمة وبحرف T اختصارًا لها، وبعد ذلك تحولت لصليب عند توقيع الأساقفة. كما يجلس على متكأ للكتابة يكتب قصيدة الميلاد، وتظهر العذراء بزيها الملوكي -وهو ناظرًا لها بعين الرجاء- تعطي له لفافة الورق، ومكتوب على الأيقونة “القديس رومانوس المرتل”. أما عن القصيدة، فتختتم كل قطعة من القصيدة التي ألَّفها بهذه الجملة التي كان يرددها الشعب: “طفلًا جديدًا، الإله الذي قبل الدهور“. وحسب الترتيب المُتبع في الترتيل الآن بالكنيسة القبطية في ليلة عيد الميلاد، يرتل لحن إي بارثينوس (القطعة الأولى فقط من القصيدة) أولًا: “اليومَ البتول تَلدُ الفائقُ الجَوهر، والأرض تُقَرِّبُ مغارةً لمَنْ لا يُدنى منهُ. المــــلائــــــــــكـــــةُ مع الــــــرعــــــــاةُ يُــــمـــــــجــــــــــــدونَ، والمَــــجـــــــــــــــــــوسُ مع النـــــــــــجـــــــــــمُ يَــــســـــــيرونَ. لأنهُ مِـــــــنْ أجــــــــلـــنَا وُلــــــدَ طفــــــــــــــلًا جديدًا، وهــــــــــو الإلــــــــــهُ الــــــــــــــــذي قـــبـــلَ الــــدِهــــــــــورَ. ̀ⲏ ⲡⲁⲣⲑⲉⲛⲟⲥ ⲥⲏⲙⲉⲣⲟⲛ ⲧⲟⲛ ⲏ̇ⲡⲉⲣⲟⲩⲥⲓⲟⲛ ⲧⲓⲕ ⲧⲓ : ⲕⲉ   ̀ⲏ ⲅⲏ ⲧⲟ ⲥⲡⲏⲗⲉⲟⲛ ⲧⲱ ⲁⲡⲣⲟⲥⲓ ⲧⲱ ⲡⲣⲟⲥⲁⲅⲓ  Ⲁⲅⲅⲉⲗⲓ ⲙⲉⲧⲁ ⲡⲓⲙⲉⲛⲱⲛ ⲇⲟⲝⲗⲟⲅⲟⲥⲓ : ⲙⲁⲅⲓ ⲇⲉ ⲙⲉⲧⲁ ⲁⲥⲧⲉⲣⲟⲥ ⲟⲇⲓⲡⲟⲣⲟⲥⲓ : Ⲇⲓ ⲏ̇ⲙⲁⲥ ⲅⲁⲣ ⲉⲅⲉⲛⲛⲏⲑϩ ⲡⲉⲇⲓⲟⲛ ⲛⲉⲟⲛ : ̀ⲟ ⲡⲣⲟ ⲉⲱⲛⲱⲛ Ⲑⲉⲟⲥ. ثم قطعة أخرى من قصيدة أخرى من تأليف رومانوس أيضًا: “ميــــــــــلادك أيــــــــهـــــــا المـــســــيـــح إلــــهــــنـــــــا، قد أشرق نور المعرفة في العالم. لأن الســــــاجـــــــــديـــــن للـــــكــــــــــــــــــواكــــــــــــــب، تعلموا السجود لك يا شمس البر، وأن يعرفوا أنك من مشارق العلو أتيت. يا رب المجد لك.” ⲏ ⲅⲉⲛⲛⲏⲥⲓ ⲥⲟⲩ Ⲭⲣⲓⲥⲧⲉ : ̀ⲟ Ⲑⲉⲟⲥ ⲏⲙⲱⲛ : ⲁⲛⲉⲧⲓⲗⲉ ⲧⲱ ⲕⲟⲥⲙⲱ ⲧⲱ ⲫⲱⲥ ⲧⲱ ⲧⲏⲥ ⲅⲛⲱⲥⲉⲱⲥ : Ⲉⲛ ⲁⲩⲧⲏ ⲅⲁⲣ  ̀ⲓ ⲧⲓⲥ ⲁⲥⲧⲣⲓⲥ ⲗⲁⲧⲣⲉⲩⲟⲛⲧⲉⲥ ⲩⲡⲟ ⲁⲥⲧⲉⲣⲟⲥ ⲉⲇⲓⲇⲁⲥⲕⲟⲛⲧⲟ ⲥⲉⲡⲣⲟⲥⲕⲩⲛⲓⲛ ⲧⲟⲛ ⲏⲗⲓⲟⲛ ⲧⲏⲥ ⲇⲓⲕⲉⲟⲥⲩⲛⲏⲥ : Ⲕⲉ ⲥⲉ ⲅⲓⲛⲱⲥⲕⲓⲛ ⲉⲝ ⲩⲯⲟⲩⲥ ⲁⲛⲉⲧⲟⲗⲏⲛ. Ⲕⲩⲣⲓⲉ ⲇⲟⲝⲁ ⲥⲓ. وجدير بالذكر أن الكنيسة القبطية تحتفل في قداس البرمون صباحًا بحدث الميلاد، وذلك حسب القراءات، فتقرأ إنجيل حدث الميلاد وتتكلم عن الولادة ذاتها من خلال ذكرها للطلق الروحاني، أما في قداس الميلاد مساءً – نصف الليل، تقوم بالاحتفال بإعلان الميلاد للعالم من خلال زيارة المجوس وإعلانهم عن الملك المولود، وعلى هذا نرى الألحان السابقة تتكلم عن زيارة المجوس والنجم والظهور الإلهي الفائق لابن الله في الجسد. ومن ثم يلي هاتان القطعتان، لحنًا آخرًا قبطيًا من قطعة واحدة وهو لحن “بي جين ميسي – الميلاد البتولي Ⲡⲓϫⲓⲛⲙⲓⲥⲓ ” وهو من الألحان الطويلة التي كانت موجودة في الكنيسة القبطية واندثرت وتقال حاليًا بلحنٍ أخر وهو الوحيد الذي كان موجودًا قبل إدخال لحن إي بارثينوس حسبما ذكر القس اسحق ابن كبر في موسوعته الطقسية. “الميلاد البتولي والطلقات الروحانية، عجب عجيب كالأخبار النبوية.” Ⲡⲓϫⲓⲛⲙⲓⲥⲓ ⲙ̀ⲡⲁⲣⲑⲉⲛⲓⲕⲟⲛ : ⲟⲩⲟϩ ⲛⲓⲛⲁⲕϩⲓ ⲙ̀ⲡⲛⲉⲏⲙⲁⲧⲓⲕⲟⲛ : ⲟⲩϣ̀ⲫⲏⲣⲓ ⲙ̀ⲡⲁⲣⲁⲇⲟⲝⲟⲛ : ⲕⲁⲧⲁ ⲛⲓⲥⲙⲏⲓ ⲙ̀ⲡⲣⲟⲫⲏⲧⲏⲕⲟⲛ. ورغم قصر اللحن إلا أن عمق كلماته في معناها تشرح كيفية ميلاد ربنا يسوع على مثال الوحي والنبوة وكيف كان يتلقاها الأنبياء. ويتميز المقطع بلفظة “الطلقات([7]) الروحانية” وهي لفظ يُميز الطقس القبطي الإسكندري في ألحان البرمون وعيد الميلاد كذلك ثيؤطوكيات التسبحة مثل ثيؤطوكية الخميس – القطعة الخامسة. وهنا يمكننا أن نعقد مقارنة بين طلقات الموت التي كانت تلد بها حواء (تك3: 16) حيث كانت تلد بنيها بالوجع والتعب والخطر، وكذا كل جنسها، بينما أَتتْ العذراء بنسلها الإلهي لتلد كما تُعطى النبوة للنبي خلاصًا ومجدًا.

 

أيقونة الميلاد وزيارة المجوس

 الأيقونةُ لا يحدُّها أيُّ زمنٍ، فتربط الأحداث ببعضها بواسطة الشخصيات والألوان، فيظهر ابن الله مقمطًا مضجعًا في مزود حجري ويشرق عليه النجم مباشرة، ولعل المخلص المولود، هو من يرسل نوره غير المخلوق مباشرة إلى النجم، وتجلس خلفه العذراء متكئة على ستر أبيض رمزًا للنقاوة بزيها القرمزي الداكن رمزًا لبتوليتها، ممسكة بمنديل أبيض يرمز إلى حلول وقت دخول المسيح كذبيحة إلى العالم للتناول منها، هذا المشهد هو مركز الأيقونة الذي ينير ظلمة -سواد- المغارة التي تعتبر هدية من الأرض كلها للمخلص، ثم تجلس سالومي مع الرعاة ناظرين للحدث في اندهاش، بينما يطلُّ كل من ثورٍ وحمارٍ برأسيهما على المزود، فيرمز الثور للشعب اليهودي وهو بجانب الرعاة، بينما يرمز الحمار للأمم الذي سيعرفون المخلص فيما بعد، والذي يقابله المجوس مقدمين هداياهم من الناحية الأخرى، هذا ويتكأ ق. يوسف النجار ما بين مندهش وغير مدرك لما يحدث كقول الإنجيل، ويقف خلف العذراء إشعياء النبي فاتحًا درج نبوته وموجهًا أصبع الإشارة إلى العذراء ومولودها عمانوئيل (إش7: 14، مت 1: 23). ويظهر ملاكان من أعلى معلنين الميلاد، تحيطهما سماءً مليئة بالنجوم، هو جمع الملائكة المسبِّح أو النجوم منيرة معلنة فرحتها بميلاد خالقها.

 

____

[1] الاسم التاريخي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

[2] ترهب بدير البرموس، قُدم بطريركًا في 1046م وتنيح سنة 1077م، حبرًا رئيسًا لمدة 31 عامًا وهو أول من نقل الكرسي المرقسي من الإسكندرية إلى القاهرة.

[3] ترهب بدير أنبا أنطونيوس، سِيمَ أولًا في رتبة مطران عام على الكرازة، ثم بعد شهرين قُدم بطريركًا، وذلك عام 1854م، ويُعرف بأبي الإصلاح، لكثرة أعماله المصلحة في الكنيسة، تنيح في 1861م.

[4] كان بطريركًا تقيًا وصديقًا للبابا كيرلس الرابع، لدرجة أنه عندما كان يغادر في سفر لخارج مصر، كان يترك إدارة شئون البطريركية للبابا كيرلس حتى عودته، وُلد سنة 1800م في بيريا باليونان، قُدم بطريركًا للكنيسة اليونانية بمصر وإفريقيا سنة 1858م حتى عام 1861م وتنيح سنة 1889 بميلتيني باليونان.

[5] قام المتنيح القمص عبد المسيح صليب البرموسي بنشر هذه القطع بالطبعة الثالثة لخدمة الشماس عام 1616 ش – 1900م.

[6] كانت عادة المرتلين المتقدمين في القسطنطينية -آنذاك- في عشيات الأعياد الكبيرة -أثناء الصلاة- وفي وجود البطريرك، وبعد أن يكونوا قد أتموا دراسة الموسيقى والنصوص المقدسة سواء للكتاب المقدس أو الآباء، بالإضافة للشعر والإلقاء، أن يقوموا بارتجال القصائد الشعرية التي تعبر عن الحدث الرئيسي في العيد نصُا ولحنا في وقت العيد دون تحضير. وكان الشعب -مثلما نفعل في الكنيسة القبطية الآن- يردد الجملة الأخيرة من كل قطعة من القصيدة.

[7] طلقات = أوجاع أو آلام الولادة، التي ليست بفعل بشري. ق. إيرنيئوس أسقف ليون،

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *