كلمة تصوف/صوفي بتسبب التباس عند البعض. ولما بنستخدم المصطلح المسيحي ونعربه زي ما هو بدون ترجمة ونقول "مستيكي" بدل "صوفي" بيكون مش مفهوم بردو. هو الحقيقة، في رأيي، اننا لو عاوزين نشرح اللفظة المسيحية أو الإسلامية فالمفروض نتتبع الجذر اللغوي للمصطلح المسيحي لإنه هيوضح الاتنين بشكل أفضل. مستيكي واللي هي بالإنجليزي mystical واللي من اليوناني …
كلمة تصوف/صوفي بتسبب التباس عند البعض. ولما بنستخدم المصطلح المسيحي ونعربه زي ما هو بدون ترجمة ونقول “مستيكي” بدل “صوفي” بيكون مش مفهوم بردو. هو الحقيقة، في رأيي، اننا لو عاوزين نشرح اللفظة المسيحية أو الإسلامية فالمفروض نتتبع الجذر اللغوي للمصطلح المسيحي لإنه هيوضح الاتنين بشكل أفضل.
مستيكي واللي هي بالإنجليزي mystical واللي من اليوناني μυστικός بتتنطق mystikos ومعناها: سِرّي، مخفي، باطني، جُوّاني. سِرّي أدق واحدة لانها الأقرب لمفهوم السر المسيحي.
فلما نقول معرفة صوفية أو مستيكية أو باطنية فكل دا بمعنى واحد. والمقصود بيها نوع من المعرفة اللي مش بتنتج من التفكير العقلاني المجرد ولا بالاستطراد أو الاستنتاج العقلي. يعني ببساطة مش معرفة انت بتنتجها بدماغك لكن معرفة بتستقبلها بالاستنارة بالروح القدس.
عشان كدا الجذر اللغوي المسيحي بيشير ليها انها معرفة “سرية”. وسرية مش لإنك لما تعرفها مش هتقولها لحد. لكن لإنك أصلا مش هتعرف تنقلها أو توصلها بحد. مش هتعرف تحط نوع المعرفة دا في “لغة”. لإنها مش معرفة مفهومية. مش فكرة في الدماغ. دي حدث لما بيحصل بيشقلب كيانك كله. هتوصفه إزاي دا؟ كل اللي هتقدر تعمله انك تشاور عليها لكن كلامك دايما هيفضل باهت بالنسبة للحقيقة اللي جواك.
لما بييجوا يترجموا mystical للعربي بيبقى فيه طريقين يا تتعرب زي ما هي “مستيكي” يا بتترجم للكلمة اللي بتقابلها بالعربي وهي “صوفي”
أما التصوف فجاي من “الصوف”: لأن المتصوفين الأوائل كانوا بيلبسوا الصوف إشارة إلى الزهد والتقشّف. وفيه كذا شرح تاني للمصطلح الإسلامي بس دي الأكثر شيوعا: أن التصوف من الصوف إشارة للزهد. والمتصوفة المسلمين دول أقرب للرهبان عندنا. ولإن الاتنين بيحاولوا يوصلوا لربنا عن طريق الاتحاد بيه فعشان كدا بتترجم بالطريقة دي. لكن في رأيي الشخصي مستيكي أدق، زي ما شرحنا، وإن كنت أنا نفسي بستعمل الاتنين عادي.
الأيقونة المرفقة كغلاف خارجي للمقال هي للشيروبيم رمز المعرفة الكيانية في الفكر الأرثوذكسي. والعين رمز للاستنارة والمعرفة واليقظة الروحية “nepsis”. وكثرة العيون للدلالة على انهم محاطون تماما بالنور الإلهي من كل اتجاه. ومملوؤن من نور الله نفسه.
بيقول القديس أبو مقار في العظة الأولى من عظاته الخمسين عن الاستنارة والمعرفة المستيكية والاتحاد بالله: “هكذا أيضا النفس التي تتشبع بالجمال الذي لا يوصف، جمال مجد نور وجه المسيح. وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الإمتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له، فإنها تصير كلها عينًا، وكلها نورًا، وكلها وجهًا، وكلها مجدًا، وكلها روحًا، والمسيح الذي يقودها، ويرشدها، ويحملها، ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني”.
وعلى عكس الإسلام، فالمسيحية مكانش فيها شوية فرق أو مذاهب صوفية. لكن مسيحية الآباء هي صوفية/مستيكية حتى النخاع. في المسيحية، المسيح لا يُعرف إلا بعمله السري في القلب؛ بإشراق نوره والاتحاد بيه. ملكوت الله داخلكم. ومفيش طريق تاني.