في عصرنا الحالي، وفي جيل يعلو فيه صوت الضجيج وتتسارع فيه العجلة والانقطاع، نجد الرؤية الروحية الفريدة لهذا القديس، بل هي النداء إلى السكون الداخلي والاتحاد الإلهي. وبما أنه لاهوتي ورئيس أساقفة تسالونيكي في القرن الرابع عشر، استطاع الوصول إلى المعرفة التجريبية بالله؛ فبينما نجد جوهر الله متسامياً تماماً، تشارك نعمته الإلهية مع البشرية …
في عصرنا الحالي، وفي جيل يعلو فيه صوت الضجيج وتتسارع فيه العجلة والانقطاع، نجد الرؤية الروحية الفريدة لهذا القديس، بل هي النداء إلى السكون الداخلي والاتحاد الإلهي.
وبما أنه لاهوتي ورئيس أساقفة تسالونيكي في القرن الرابع عشر، استطاع الوصول إلى المعرفة التجريبية بالله؛ فبينما نجد جوهر الله متسامياً تماماً، تشارك نعمته الإلهية مع البشرية يجعلنا نصل إلى اتحاد حقيقي معه، وليس ذلك ممكناً فحسب، بل هو غاية وجودنا البشري.
1- ما الذي يعيقنا عن قبول تلك النعمة؟
إذا كنا نقول إن هذا الاتحاد بالله هو دعوتنا الحقيقية، وهو سر كياننا للوصول إلى الحقيقة، فلماذا لا يدركه إلا القليل، ويبقى القلب مبتعداً، والعقل في حالة تشتيت؟
ببساطة، الإنسان قد خُلق للتواصل، ولكن بعد السقوط انصرفنا إلى الخارج نطارد الظلال ونبحث عن المعنى خارج دائرته، بدلاً من أن نسعى للقاء النور الحقيقي.
بسبب هذا، جعلنا عقولنا تنفي هذه الطبيعة وهذه الحقيقة، فوصل بنا الحال إلى الشلل الروحي، وأصبحت الإرادة الذاتية حجر عثرة على الروح، وجسراً مكسوراً، على عكس النعمة التي تتدفق باستمرار من الله.
يرى القديس أن طريق العودة ليس بمجرد جهد فكري أو انضباط أخلاقي، بل بأن يتطهر قلب الإنسان ويهيئ عقله لحقيقة النعمة غير المخلوقة. هذا هو سلّم صعودنا، لاستعادة الوحدة بين القلب والعقل. بتلك الاستنارة ينبثق النور داخلنا، فبالتالي، هذا هو نبض حياة الإنسان: أن يسعى لطريق التألّه.
2- نبض الحياة الحقيقي هو التألّه كتعبير عن جوهر الخلاص
إن فهمنا التقليدي للخلاص هو فقط مغفرة الخطايا، لكن هذا ليس كل شيء.
ليس هذا الهدف إن لم يدخل الإنسان عمق التجسد، وإن الله صار إنساناً ليصير الإنسان ابناً حقيقياً لله. فتصبح علاقتنا معه سطحية وهشّة، مبنية على المصالح، إن أردنا فقط النجاة بأنفسنا.
فنَبض حياة التألّه هو الدعوة إلى الحياة، أيها الإنسان، يدعوك أن تصير مثله، فلماذا تهرب من تلك الشركة؟
بحسب فيلاديمير لوسكي، إن الاتحاد الإلهي يبدأ من هذه اللحظة، من خلال أن تتحول طبيعتنا الفاسدة إلى طبيعة تتهيأ لقبول النعمة غير المخلوقة للحياة الأبدية، أي يتعاون الإنسان مع هذه الحقيقة، وهذا هو جوهر الحياة المسيحية.
3- الدعوة الداخلية
هي ببساطة نداء القلب نحو النور الإلهي، فبحسب بالاماس، لا تنشأ كصوت خارجي أو وصايا أخلاقية، بل هي النداء الخفي الذي ينشأ من أعماق الكيان البشري، حيث يسكن الله بذاته. ليست للانغلاق، بل لكي يجد الحضور الإلهي، ويتنسم رائحة المسيح الداخلية.
ويكمل أنها ليست مجرد حالة لحظية أو اندفاعاً عاطفياً، بل هي دعوة إلى الوجود الدائم والسير في طريق التجدد، فالتألّه يبدأ باختبار النور غير المخلوق، الذي هو عربون التألّه وشركة حقيقية في حياة الثالوث.
4- إنها الدعوة الثالوثية
هي حركة الحب الإلهية اللامتناهية. ليست مجرد حنين الإنسان إلى المطلق، بل هي نداء يصدر من قلب الله الواحد المثلث الأقانيم. فيرى القديس أنه كما أن الثالوث هو حركة المحبة الدائمة بين الآب والابن والروح القدس، فهي أيضاً دعوة للدخول في هذه الدينامية الإلهية، بدون أن يُلغى الإرادة، بل إن الثالوث ينتظر أن يرفعك إلى مسيرة التألّه بشركة الحب التي تلامس أعماق الوجود.
إنها دعوة انبثاق الروح القدس، ليس كخليقة، بل كأنسَمة الحياة الإلهية. مع الثالوث، يعيش الإنسان ليتورجيا أبدية. فبدون تلك المحبة الأزلية تصبح العلاقة مفككة كالرمل المتناثر.
أنت، أيها الإنسان، لم تُخلق معزولاً خارج دائرة الحب الأزلي. تلك الحركة الدائرية: الآب يعلن ذاته في صورة الابن، ويحيا في القوة الخلّاقة للروح القدس، وتشترك أنت في تلك العلاقة بالنعمة غير المخلوقة.
يخبرنا المطران نيكولاوس تشاتزينيكولا:
“إن روحانية التألّه هي الحياة الوجودية في حياة الثالوث الأقدس؛ ففيها استنارة القلب، لا مجرد تهذيب السلوك، إنما لقاء شخصي بالمسيح الحي. وإن هويتنا كأرثوذكس تتجلى في الاتحاد الحقيقي بالله، لا فكرياً بل كيانياً وكونياً، وإنها اختبار للنور غير المخلوق، وهو أيضاً نور الله نفسه.”
إذن، أيها الإنسان، عليك أن تفهم أن النور الإلهي ليس ناراً تحرق، إنما هو إشعاع يكشف صدى الحكمة اللامتناهية التي تتلألأ من خلال حجاب الوجود. إنه لا يُعمي بل يُوقظ، ولا يَفرض بل يَدعو. من يسعى إليه بجوع الروح لا يرى النور فحسب، بل يُصبحه، ذائباً في ذات الله الأبدية، حيث لا يوجد وقت، والحقيقة الإلهية لا تُنطق، بل تُعرف.
فيرى قديسنا أن الوصول إلى تلك الحقيقة يملأ الإنسان بإشعاع المجد السماوي.
لذلك، فإن التألّه هو شبع الروحانية والجمال العميق الذي نتوق جميعاً للذوبان فيه، لنصبح واحداً مع الإيقاع الأبدي والمحبة اللامحدودة.
وفي النهاية، يقول قديسنا إن تلك القدرة الخارقة على رؤية الله منحنا إياها حضور الروح القدس فينا. وهي أن نصبح نحن أنفسنا نوراً، لنصل إلى الاتحاد الحقيقي. نصبح نوراً مميزاً عن أي شيء آخر، ويستنير الكيان كله، ويصبح الإنسان “إلهاً بالنعمة”، إناءً يشع بالنور الذي ليس من هذا العالم.
فبهذا المعنى، يصبح الإنسان مخلوقاً مستنيراً، مشاركاً في حياة الله ونوره، ليس من قوة الإنسان، بل بالسعي إلى الاتحاد بهذا النور الذي يجعله إشراقاً لصورة الكيان الإلهي الذي يشرق في كل كيانه.
مراجع:
– The Pillar and Ground of the Truth – Pavel Florensky
– St. Gregory Palamas: The Triads – Fr. Peter A. Chamberas
– اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق – فيلاديمير لوسكي
– Orthodox
Christianity Then and Now – Fr. Nikolaos Hatzinikolaou