إجهاض التقسيمات والتصنيفات والثنائيات من ذهنك، دا من أهم الأمور لتكوين ذهنية أرثوذكسية تقدر من خلالها تشوف الكنيسة، ونفسك، والآخر، والله بشكل متزن، وكمان تشوف الحياة والأحداث حواليك بشكل مُشفي، يبقى دايمًا عندك تصور وقراءة لاهوتية لكل شيء في الحياة. يعني مثلًا، دايمًا الكنيسة بتأكد على الوحدة دي في كل مصطلحاتها وتحديداتها الدوجماتية، فبتقول: "الثالوث …
إجهاض التقسيمات والتصنيفات والثنائيات من ذهنك، دا من أهم الأمور لتكوين ذهنية أرثوذكسية تقدر من خلالها تشوف الكنيسة، ونفسك، والآخر، والله بشكل متزن، وكمان تشوف الحياة والأحداث حواليك بشكل مُشفي، يبقى دايمًا عندك تصور وقراءة لاهوتية لكل شيء في الحياة.
يعني مثلًا، دايمًا الكنيسة بتأكد على الوحدة دي في كل مصطلحاتها وتحديداتها الدوجماتية، فبتقول: “الثالوث الواحد غير المنقسم“، وبتقول: “كنيسة واحدة جامعة رسولية“، وبتقول: “المسيح واحد“… إلخ. عشان تظبط وعيك وما تغيبش الوحدة دي عن ذهنك وحياتك، لأن الوحدة دي هي الشفاء لكل الانقسامات والثنائيات الموجودة في كيانك وطريقة تفكيرك وتصورك للحياة.
تعالى ناخد مثال عن الشفاعة.
الشفاعة هنا، في الوعي بالثالوث الواحد غير المنقسم، هنفهم منها إنه مش هيبقى في فروقات ولا تقسيم بين شفاعة الابن وشفاعة الآب وشفاعة الروح القدس، بل وشفاعة القديسين. وما يجيش حد يقولي: “خليت القديسين أقنوم رابع”، لا، أنا أكدت أن القديسين في الثالوث، وأكدت على التجسد، وأنه في التجسد أقنوم الابن أدخلنا لدائرة الثالوث، وصار لنا شفاعة وعمل وتدبير لا ينفصل عن شفاعة وعمل وتدبير الابن المتجسد من أجلنا، بل فيه اشتركت إنسانيتنا في تدبيره الخلاصي، وإلا يبقى التجسد أصبح بلا معنى ومالوش علاقة بينا، وكأن المسيح أخذ حاجة تانية في تجسده غير إنسانيتنا. ودا بيأكد أن المسيح واحد، وأن جسده واحد أي كنيسته.
هنا بقى، تعالى نعي أبعاد جديدة تمامًا للشفاعة غير اللي اتعلمناها من زمان، واللي أغلبها مغلوط وبتصور القديسين كوسطاء بينا وبين الثالوث، ودا مش حقيقي لأننا إحنا كمان في الثالوث.
طيب، أبعاد زي إيه؟!
الوعي بالشفاعة هو الوعي بحضور إنسانيتك في وحدة مع اللاهوت في شخص المسيح، أي وعي بالتجسد، ووعي بالسينرجيا، بمعنى أن اللاهوت لا يعمل وحده بدونك، ولا يخلصك بدونك أو غصب عنك، وأن الإنسانية أيضًا لا تعمل دون نعمة اللاهوت، والنعمة هي الرب يسوع نفسه.
الوعي بالشفاعة هو الوعي بالقيامة، بما أن المسيح واحد، لاهوت متحد بناسوت، والمسيح الواحد حطم الجحيم وأباد الموت، وقام وصعد بطبيعتك الإنسانية المتحدة بلاهوته في شخصه الخاص، يبقى ما عندناش أموات، ما عندناش ناس بتنتهي حياتها بالموت البيولوجي. كل المنتقلين هم أحياء في المسيح، ومعانا في الجسد الواحد، بيصلّوا لينا وبنصلّي ليهم. وحدتهم العضوية معانا لم تتفسخ بالموت البيولوجي، وإلا ما يبقاش المسيح قام، أو قام وساب إنسانيته في الجحيم، ويبقى المسيح مش واحد (يا نساطرة)، أو المسيح قام وذاب إنسانيته في لاهوته ومبقاش في مكان للإنسان فيه (يا أوطاخيين).
فكل منتقلينا اللي فارقوا الزمن الدهري، هم أحياء في المسيح وقياميون فيه، ومعانا في الكنيسة، ودا يأكد وحدة الكنيسة، وأنه ما فيش حاجة اسمها “كنيسة مجاهدة” و”كنيسة منتصرة”، إحنا كنيسة واحدة هي جسد المسيح.
عندما يبقى الذهن أسير التقسيمات والثنائيات بين ما يُسمى “شفاعة المسيح” و”شفاعة الكنيسة” (أي جميع أعضاء الجسد)، أو بين شفاعة الأحياء في الزمن الحاضر وشفاعة المنتقلين الذين سبقونا إلى المجد الإلهي، فهذا علامة أن ذهنك لم يُشفَ بعد. أعراض هذا الانقسام في الذهن تظهر كامتداد لذهنية اللاهوت الغربي الذي يفصل بين الله والإنسان حتى بعد التجسد الإلهي، ويحافظ على الانقسام في التصور الداخلي. ومن مظاهر هذه العقلية المنقسمة، التقسيم بين “الشفاعة الكفارية” و”الشفاعة التوسلية” — وهو تقسيم لم تعرفه الأرثوذكسية، بل هو ثمرة ذلك الفكر الغربي المزدوج، وقد تسرّب للأسف إلى تعليمنا الكنسي، حتى صرنا ندرسه لسنوات ونضعه في مسابقات الكنيسة ومهرجان الكرازة، بل ونردّ على البروتستانت بنفس العقلية اللاهوتية المنقسمة التي ننقدها فيهم.
التعليقات
مجدي عزيز
رائع ربنا يبارك خدمتكم وتبقي إنارة للكنيسة الأرثوذكسية