من المعروف لدينا أن آباء الكنيسة القبطية كانوا يكتبون باللغة اليونانية وهي لغة العهد الجديد ، ومع التغييرات السياسية والإجتماعية التي صاحبت دخول الإسلام مصر في القرن السابع الميلادي ومن ثم التحول إلى اللغة العربية ، أخذت الكنيسة في الإنفصال شيئًا فشيئًا عن تراثها وإرثها المدوَّن باليونانية. وتتعاقب الأجيال والقرون دون جسرٍ يربط حاضر الكنيسة …

من المعروف لدينا أن آباء الكنيسة القبطية كانوا يكتبون باللغة اليونانية وهي لغة العهد الجديد ، ومع التغييرات السياسية والإجتماعية التي صاحبت دخول الإسلام مصر في القرن السابع الميلادي ومن ثم التحول إلى اللغة العربية ، أخذت الكنيسة في الإنفصال شيئًا فشيئًا عن تراثها وإرثها المدوَّن باليونانية.
وتتعاقب الأجيال والقرون دون جسرٍ يربط حاضر الكنيسة بتراثها وماضيها الباهر ، اللهم إلا الليتورجيا التي حفظت لنا تعليم وروح الأرثوذكسية الحقة ، إلى أن وصلنا إلى القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين ومع دخول الإرساليات الغربية (البروتستانتية والكاثوليكية) إلى مصر والتي لم تستهدف سوى تمزيق ثوب الكنيسة القبطية وقد نجحت جهودهم بالفعل في إحداث شقوق في النسيج القبطي المصري لا تزال آثارها ممتدة إلى وقتنا هذا.
فبدأنا نرى إنقسام البيت الواحد على نفسه ، فنجد أن العديد من الأسر المسيحية قد تشظَّت من الداخل: بعض أبناء الأسرة الواحدة تمسكوا بالأرثوذكسية ، والبعض الآخر مضى يسعى خلف أوهام الفردانية والنشوة النفسانية التي تقدمها الكنائس التي تطلق على نفسها إصلاحية ! .. وحقيقة الأمر أن الإنقسام هو الثمرة المرّة للبروتستانتية ، ومن ثمارهم تعرفونهم!

نعم ندين للإرساليات بالفضل في ترجمة وإتاحة الكتاب المقدس للجميع في مصر ، لكن ترجمة فان دايك الشهيرة لم تلتزم بالأصل اليوناني أو القبطي بل كانت تنتقي تعبيرات تخدم النوايا البروتستانتية في تعضيد أركان اللاهوت الغربي في مصر!

ومع ازدياد نشاط الإرساليات ، لم يكن متاحاً امام الأقباط سوى ما تصدره الكنيسة الإنجيلية ، وهو لاهوت غربي خالص ولد من رحم ثقافة الإقطاع الأوروبية وبعيد كل البعد عن لاهوت الشرق وبالأخص آباء الإسكندرية ، ذلك اللاهوت الدخيل الذي نقوم بتفكيك بنيته في مجموعة مقالات تنشر تباعا على آليثيا بعنوان ( اللاهوت الغربي: السقوط الثاني!)

ومع اتساع جهود الترجمة لأعمال الأباء من اليونانية ، أصبحنا أكثر اطلاعًا على لاهوت كنيستنا الثري والذي هُـجـِرَ بفعل ضربات الزمن وشرور الإرساليات!
ومن المؤسف أن نجد الآن بعض الأصوات داخل الكنيسة تحاول إعادة قراءة أعمال الأباء في ضوء لاهوت الغرب الدخيل علينا ، بل ومحاولة إقحام تعبيرات وتفسيرات على القديس أثناسيوس لم تكن أصلا مطروحة في زمانه!

فمثلا ، من كتاب “تجسد الكلمة” للقديس أثناسيوس ، يحاولون إقتناص وإقتطاع وتطويع بعض النصوص لتخدم السياق اللاهوتي الغربي والإيهام بأن موت المسيح كان تنفيذاً لعقوبة قضائية في الإطار القانوني الغربي لشرح الخلاص.

فمثلاً يقتبسون من “تجسد الكلمة”:

“لأن الموت أيضًا، وكما قلت سابقًا صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدى) منذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرب من حكم الناموس، لأن االله هو الذى وضعه بسبب التعدى، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مرعبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت.” – الفصل السادس

“وإذ رأى الجنس (البشري) العاقل يهلك وأن الموت يملك عليهم بالفناء ، وإذ رأى أيضًا أن عقوبة التعدي (الموت) قد خلّدت الفناء فينا وأنه من غير اللائق أن يبطل الناموس قبل أن ينفذ” – الفصل الثامن

ولكن ماذا يعني أثناسيوس بـ”حكم الناموس”؟

يجيب أثناسيوس من الكتاب نفسه:

1-  بأن يشرح أولا نقطة البداية لتدبير الخلاص وهي الخلق من العدم

” االله صالح بل هو بالأحرى مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شيء وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا”  – الفصل الثالث

2- ثم يكمل شارحا لنقطة الخلق حسب صورة اللوغوس:

“ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء ، أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية ، حياة القديسين في الفردوس.” – الفصل الثالث

3- والآن يصل أثناسيوس إلى شرح ما عناه بالناموس فيقول:

” ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر) سبق فأمَّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه، وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا هذه النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم ، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء ، أما إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم ، ولن يحيوا بعد في الفردوس بل يموتون خارج عنه ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت” – الفصل الثالث

لم يذكر أو يلمح أثانسيوس من قريب أو بعيد لعقوبة قانونية واجبة النفاذ ، أو أن الآب غاضب على الخليقة،  بل هو يبدأ من نقطة الخلق من العدم ، والخلق حسب الصورة ، شارحًا وموضحًا أن الوصية كانت تهدف لتأمين تلك النعمة ، وأن كسرها يعني بوضوح عودة آدم إلى نقطة العدم – الموت والفساد – حين ينفصل عن مصدر حياته.
الناموس هنا ليس حكما قضائيا واجب النفاذ بل حالة وجودية (أو بالأحرى عدمية!) نتيجة الإنفصال عن الله.

النص الآخر الذي يقتنصه أنصار اللاهوت الغربي من كتاب تجسد الكلمة بقصد إقحام فكر البدلية العقابية على القديس أثناسيوس هو:

“وهكذا تم ( فى جسد المسيح ) فعلان متناقضان فى نفس الوقت: الأول هو : أن موت الجميع قد تم فى جسد الرب ( على الصليب ) والثانى : هو أن الموت والفساد قد أبيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكى يوفى الدين المستحق على الجميع”

ولهذا ـ كما ذكرتُ سابقًا – – طالما أن الكلمة كان من غير الممكن أن يموت ، إذ إنه غير مائت ، فقد أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت ، حتى يمكن أن يقدمه، كجسده الخاص نيابة عن الجميع، حتى إذا ما تألم عن الكل بإتحاده بالجسد فإنه يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس”  – الفصل العشرون

وهنا يسارع أنصار اللاهوت الغربي لإقتناص تعبيرين هنا وهما “نيابة عن الجميع” و “يوفي الدين المستحق على الجميع”

وبالعودة إلى الفصل التاسع نجد أثناسيوس يوضح:

” فلقد أدرك الكلمة جيدً أنه لم يكن ممكنًا أن يُقضى على فساد البشرية بأى طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير الممكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع ،بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. . ومن ذلك الحين فصاعدًا يُمنع الفساد من أن يسرى في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدّم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب . وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة فإنه رفع الموت فورا عن جميع نظراءه البشر.”

والفصل الثامن:
” وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا ، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً : لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت  قد استنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا : وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش.”

هنا يشرح القديس أثناسيوس أن جوهر المشكلة يكمن في الموت والفساد، ويتساءل: كيف يمكن القضاء على هذا الموت والفساد المستشري في الطبيعة البشرية؟ لا سبيل إلى ذلك إلا بأن يتخذ الكلمة جسدًا مماثلًا لأجسادنا. وهذا هو الاتحاد الأقنومي بين الكلمة والطبيعة البشرية في شخص المسيح — ذلك الاتحاد الكياني في ناسوت الرب المتحد بلاهوته.

ومن خلال هذا الاتحاد، متنا جميعًا فيه كطبيعة بشرية، إذ استنفد الموت في جسده المتحد بطبيعتنا البشرية. وعندما قام منتصرًا على الموت، قمنا نحن أيضًا فيه كطبيعة بشرية.

لم يذكر أثناسيوس أي إشارة إلى عقوبة، ومن ثم لا يوجد أساس لمزاعم البديل العقابي، إذ لم تكن هناك عقوبة أصلًا. لم يكن هناك حكم قضائي، ولا أب غاضب يطالب الابن بترضية ليصفح عن البشر، بل إن الله قد غُلِبَ من تحننه وأرسل ابنه لينقذنا من سلطان الموت، ويشفي طبيعتنا ويقدّسها فيه.

وقول أثناسيوس “نيابة عنا” يشير أيضًا إلى عجزنا أمام سلطان الموت، وأنه وحده — أي الكلمة المتجسد — كان قادرًا على إبادة هذا الموت نيابة عن جميعنا المتحدين به.

إذن ماذا يقصد أثناسيوس بـ”يوفي الدين المستحق على الجميع” ؟

مفتاح الإجابة يكمن في نقطة البداية وهي الخلق من العدم والخلق حسب صورة الكلمة ، فبسقوط آدم فقدنا هاتين النعمتين التين استودعهما الله فينا: بددنا نعمة الحياة وبإنفصالنا عن الله صرنا عائدين إلى نقطة العدم ، وهذا أيضا يعني أننا قد أضعنا نعمة الخلق حسب الصورة ، وهكذا صرنا مديونين ، وبالتجسد أبطل المسيح سلطان الموت وأعاد تقديس طبيعتنا فيه.
ولم يذكر أثناسيوس أي شيء عن دفع فديه للآب ، بل أنه قدم طبيعتنا فيه للآب بعد شفاؤها وتجديدها.

وختامًا، أؤكد أن إتاحة الفرصة لأبنائنا في الكنائس ومدارس الأحد لنهل المعرفة من “تجسد الكلمة” والتعمق في فكره، واستلهام روح كنيسة الإسكندرية من بين سطوره، سيجعل منه حجر الزاوية في نهضة التعليم اللاهوتي داخل الكنيسة. فهو لا يقدّم مجرد مفاهيم، بل يجسّد جوهر اللاهوت الأرثوذكسي كما عاشه الآباء وتناقلته الأجيال حياً ونابضاً.

..وعلى كل المحبين والمنتفعين من اللاهوت الغربي الإبتعاد عن “تجسد الكلمة” والتوقف عن إقحام لاهوت العصور الوسطى والإقطاع الاوروبي على الكتاب ، فهذا لاهوت مشوه لم يعرفه ولم يعلم به القديس أثناسيوس الرسولي.

 


 

مراجع:
1- تجسد الكلمة – القديس أثانسيوس الرسولي – مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثـوذكسى للدراسات الآبائية – ترجمة د.جوزيف موريس فلتس
2- قصد الدهور – (ابونا وديد المقاري) – إصدار مركز بناريون
3- تدبير ملء الأزمنة – د.عماد موريس اسكندر – إصدار مركز بناريون

 

 

الوسوم:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *