في المقال السابق، واصلنا تتبع خيوط الانفصال اللاهوتي بين الشرق والغرب، وتوقفنا عند محطة فارقة في تاريخ الفكر الغربي ألا وهي تثبيت نظرية "الترضية البديلة" على يد أنسلم، ثم ترسيخها لاحقًا في في المنهج المدرسي Scholasticعلى يد توما الإكويني. رأينا كيف تحوّل الخلاص في الغرب من سرّ الاتحاد بالحياة الإلهية إلى معادلة قضائية صارمة، تُقاس …
في المقال السابق، واصلنا تتبع خيوط الانفصال اللاهوتي بين الشرق والغرب، وتوقفنا عند محطة فارقة في تاريخ الفكر الغربي ألا وهي تثبيت نظرية “الترضية البديلة” على يد أنسلم، ثم ترسيخها لاحقًا في في المنهج المدرسي Scholasticعلى يد توما الإكويني. رأينا كيف تحوّل الخلاص في الغرب من سرّ الاتحاد بالحياة الإلهية إلى معادلة قضائية صارمة، تُقاس بموازين العدل والترضية، وتُفهم بمنطق المديونية والعقاب، في ظل ثقافة إقطاعية غارقة في وحل مفاهيم الملكية والدَيْن والسلطة.
تأملنا كيف أن الإكويني لم يكتفِ ببقاءه أسيرًا للإطار نفسه الذي رسمه أنسلم، بل أنه عمّقه بلغة أرسطية ومنهج فلسفي، مبتعدًا عن الروح المستيكية التي عرفها آباء الشرق الأرثوذكسي. ووقفنا أمام مفارقة صارخة بين سردية الغرب التي ترى في الخلاص تسوية قانونية لإهانة كبرى بحق الله، وسردية الشرق التي ترى فيه شفاءًا واتحادًا، وعودةً إلى شركة الحياة.
كما ألقينا الضوء على خطورة هذا التصور، ليس فقط في تشويهه لصورة الله، بل في تهديده لوحدة جوهر الأقانيم، حين يُفترض أن الآب يطلب من الابن ثمنًا لفداء الإنسان. واستدعينا صوت القديس غريغوريوس النزينزي، الذي مزّق هذا المنطق بصرخة الحق الأرثوذكسي، مؤكدًا أن الفداء لم يكن صفقة، بل فعل محبة إلهية حرّة، تهدف إلى تقديس الإنسان وهدم سلطان الموت.
وباستكمال النظر إلى الأطروحات اللاهوتية للأكويني ، نجد أنه أمعن في إفساد الفكر المسيحي ، بتمييزه بين الطبيعة البشرية والنعمة ، وهو هنا يعيد تقديم فكرة الثنائيات وهي الفكرة التي تضرب الوعي الإنساني وتطرحه بلا حراك في حالة إنقسام!
فالإكويني يرى أن الطبيعة البشرية قادرة على البدء في طريق الخلاص ، وأن النعمة تأتي لتكملها ، وهو هنا يفهم الطبيعة البشرية ككيان مستقل له مجاله الخاص ، والنعمة تُضاف إليه كترقية من الخارج. بيد أن هذا التمييز يخلق نوعًا من الانفصال بين ما هو طبيعي وما هو إلهي، ويجعل النعمة وكأنها “مكافأة” تُعطى للإنسان، لا شركة تُستعاد.
بينما في اللاهوت الأرثوذكسي، النعمة ليست “شيئًا يُضاف” للطبيعة البشرية، بل هي الله نفسه الذي يشترك فيه الإنسان. فالطبيعة البشرية منذ لحظة الخلق كانت مؤلهة بالنعمة ، والسقوط لم يجعل الطبيعة مستقلة ولها قوانينها الخاصة ، وإنما السقوط تسبب في مرض وفساد هذه الطبيعة التي باتت مدعوة إلى شركة الحياة الإلهية كي يتكمل شفاؤها وتأليهها.
ولا يوجد انفصال بين الطبيعة والنعمة، بل هناك تداخل حيوي، حيث النعمة تُعيد الإنسان إلى مجده الأول والإنسان مدعو إلى السينيرجيا συνεργία (synergia) بأن يتجاوب بحرية مع النعمة، في مسيرة مستمرة نحو التأله (theosis).
يقول الإكويني في “الخلاصة ضد الوثنيين” :
“وهكذا، إذا وُجِّه الإنسان إلى غايةٍ تتجاوز قدرته الطبيعية، فإنه يحتاج إلى عونٍ خارقٍ من الله يُمكِّنه من تحقيقها. لا يمكن لشيء ذي طبيعة أدنى أن يبلغ ما هو خاص بطبيعة عليا إلا بفضل تلك الطبيعة العليا. وهكذا، فإن القمر، الذي لا يضيء من تلقاء نفسه، يُجعل يضيء بقوة الشمس وفعلها؛ وبالمثل، فإن الماء الذي ليس ساخنًا من تلقاء نفسه يسخن بقوة النار وفعلها. والآن، فإن رؤية الحقيقة الأولى نفسها في حد ذاتها تتجاوز إلى حد كبير قدرة الطبيعة البشرية على أنها تنتمي إلى الله وحده، كما أوضحنا أعلاه. لذلك، يحتاج الإنسان إلى المساعدة الإلهية من أجل تحقيق تلك الغاية.”.
— Summa Contra Gentiles III, ch. 147
“كذلك، كل شيء مُوَجَّه إلى غاية مُناسبة تتناسب مع شكله، لأن لكل نوع غايات مُختلفة. والغاية التي يُوَجَّه إليها الإنسان بمعونة النعمة الإلهية هي فوق الطبيعة البشرية. لذلك، يحتاج الإنسان إلى شكل وكمال خارقين يُضافان إلى طبيعته، ليُوَجَّه إلى تلك الغاية نفسها على نحوٍ مُناسب.”
— Summa Contra Gentiles III, ch. 150
وهذه الثنائية التي يطرحها الإكويني (الطبيعة البشرية الدنيا و النعمة العليا) كما شرحنا تمهد إلى انقسام الوعي ، وهو ما لم يعرفه الشرق الأرثوذكسي ، فالنعمة ليست إضافة خارجية وإنما هي شركة الحياة الإلهية ، وهي السينيرجيا/التآزر/التعاون بين نعمة الله وإرادة الإنسان ، ونجد أن الآباء قد شددوا على هذه النقطة في عدة مواضع ، نذكر منها:
“فالإنسان إن حاول وحده، مكافحًا لنوال الحرية من الأهواء، لا يبلغ شيئًا. ولكن إن أظهر رغبة صادقة وجدّية عظيمة، ينال ذلك بقوة الله المعطاة له. لأن الله يعمل مع النفوس التي تريد. أما إذا تراخت هذه النفوس، فإن الروح الممنوح من الله يُكفّ عن العمل فيها. لأن أن يخلّص الله الإنسان بغير إرادته هو قسر، أما أن يخلّصه بإرادته الحرة فهو نعمة.”
كليمنضس السكندري —من هو الغني الذي يخلُص؟، فصل 21
“ادخلوا في الجهاد بشوقٍ، لأن عطيّة النعمة تُقاس بجهود من يقبلها. فعندما يلتقي العمل البار مع نعمة الروح القدس، يملآن النفس التي يقبلانها بحياةٍ مطوّبة ولكن إن انفصلا أحدهما عن الآخر، لا يكون للنفس منفعة. لأن نعمة الله لا تسكن بطبيعتها في النفوس الهاربة من الخلاص، والفضيلة الإنسانية وحدها لا تكفي بذاتها لترفع النفس غير المشاركة في النعمة إلى بهاء الحياة. … ‘إن لم يبنِ الرب البيت فباطلًا يتعب البنّاؤون.’”
غريغوريوس النيسي — Ascetical Works (The Fathers of the Church, Volume 58)
والنص اليوناني لرسالة كورنثوس الأولى (الإصحاح الثالث، الآية 9) يكشف لنا قول الرسول بولس:
«فإننا نحن شركاء العمل مع الله – Synergoi».
وهذه الشراكة السامية لا يمكن أن تتحقق إلا بالنعمة الإلهية، غير أنّ النعمة وحدها لا تكفي ما لم يقابلها تجاوب بشري حيّ، يترجم إرادة الإنسان وعمله ومساهمته في الانفتاح على هذه العطية الإلهية. وأعظم شاهد على هذه “السينرجية” المباركة هو المثال الفريد للقديسة مريم العذراء، والدة الإله، التي تجاوبت بكامل حريتها مع عمل النعمة، فصار منها سرّ التجسد المهيب.
والكنيسة، إذ تضع سرّ التجسد نصب عينيها على الدوام، تذكّرنا بحقيقة الاتحاد العجيب بين اللاهوت والناسوت، ذاك الاتحاد الذي هو ذاته جوهر وحقيقة خلاصنا، إذ هو شفاء لأعماقنا ونموّنا الداخلي نحو التألّه. وفي هذا الطريق، تتجلّى لنا الأسرار الإلهية على قدر ما تنفتح إرادتنا للتجاوب مع النعمة، حتى نبلغ غاية الغايات: التألّه.
و إذا تأملنا في صلاة الخضوع للآب في القداس الكيرلسي ، والتي يصليها الكاهن قبل أن نتقدم للتناول والشركة في الأسرار غير المائتة:
” يا الله الذي أحبنا هكذا وأنعم علينا برتبة البنوة لكي ندعى أبناء الله
وهكذا فإننا حقا وارثون لك يا الله الآب وشركاء وارثون لمسيحك ”
فنحن نعلن شركتنا في الحياة الإلهية ، وإننا قد صرنا أبناء وشركاء ووارثون لله ، لأنه المسيح قد اتحد بطبيعتنا ليشفها ويرتقي بها، والكنيسة – بحساسية مفرطة ووعي شديد – تدرك أن في سر الاتحاد الأقنومي قد صار مذخوراً لنا كل الأعمال الخلاصية والشفائية التي قام بها المسيح لحساب طبيعتنا
ويكمل الكاهن:
” أمل أذنك يارب واسمعنا نحن الخاضعين لك وطهر إنساننا الداخلي كطهر إبنك الوحيد، هذا الذي ننوي أن نتناوله.
فليهرب عنا الزنا وكل فكر نجس.. من أجل الله الذي من العذراء ..
اللإفتخار والشر الأول الذي هو الكبرياء ..من أجل الذي اتضع وحده من أجلنا ..
الخوف .. من أجل الذي تألم بالجسد عنا وأقام غلبة الصليب
المجد الباطل .. من أجل الذي لُطم وجُلد من أجلنا ولم يرد وجهه عن خزي البصاق
الحسد والقتل والانقسام والبغضة .. من أجل حمل الله حامل خطية العالم ……”
والكنيسة هنا شاخصة في المسيح وفي سر التجسد ، تطلب وتسير مسيرة الشفاء لطبيعتنا البشرية، وتسأل لتأخذ مما هو محفوظٌ لها من نعمة في سر المسيح ، وهي ليست هبة تأتي من فوق كترقية كما رأها الإكويني وإنما هي شركة العمل والسينرجيا.
فإرادة الإنسان وحدها لا تبلغ به الشفاء ، والنعمة وحدها لا تقدر على رفع الإنسان دون أن يتجاوب معها ، وهنا الكنيسة تلفت إنتباهنا بحتمية التجاوب مع هذه النعمة لنأخذ مما لنا في المسيح.
يكمل الكاهن:
” اذ نصير شركاء الجسد .. وشركاء في الشكل .. وشركاء في خلافة مسيحك هذا الذي أنت مبارك معه مع الروح القدس المحيي المساوي لك ”
وهكذا تتفجّر من قلب الكنيسة صرخة حيّة، صرخة البشرية وقد استعادت الحياة بعد الشفاء .. سائرة بالنعمة في طريقها نحو غايتها العظمى: التألّه.
وللحديث بقية