من منا لا يبحث عن الكمال المسيحي؟ لعلّ شوقًا لا يُقاوَم إلى الاتحاد بالله، في مواجهة التحديات الجارفة في عالمنا، هو أمر نشترك فيه مع مسيحيي القرن الرابع. القديس العظيم باسيليوس الكبير (حوالي 330–379م) يمكن رؤيته، من خلال رسائله وأقدم النسخ الباقية من قانونه الرهباني، (Asketikon)،¹ وهو ينجذب بقوة إلى القوة الروحية للصلاة التأملية في …
من منا لا يبحث عن الكمال المسيحي؟ لعلّ شوقًا لا يُقاوَم إلى الاتحاد بالله، في مواجهة التحديات الجارفة في عالمنا، هو أمر نشترك فيه مع مسيحيي القرن الرابع. القديس العظيم باسيليوس الكبير (حوالي 330–379م) يمكن رؤيته، من خلال رسائله وأقدم النسخ الباقية من قانونه الرهباني، (Asketikon)،¹ وهو ينجذب بقوة إلى القوة الروحية للصلاة التأملية في مواجهة الأزمنة المقلقة من حوله، ويعلّمها لتلاميذه — ولك أنت أيضًا.
باسيليوس الكبير كان قديس في المسيحية المبكرة يحظى بإكرام خاص دون أن يموت ميتة الشهداء. وحتى في حياته، نال لقب التكريم “العظيم”. وبينما كان يجتاز جميع مباهج الحياة التي كانت تغريه، ومخاطر الهرطقات التي كانت تتفشّى أحيانًا في الحياة الكنسية بالمدن الكبرى، كانت رؤية أيام كاملة مكرَّسة للصلاة تشدّه بقوة بعيدًا عن كل ذلك. لقد كان صوت يسوع المسيح يخاطبه بإلحاح من خلال الكتاب المقدّس، يدعوه للانسحاب من حياة الانشغال العام، رغم أنه دُعي في النهاية ليكون أسقفًا على قيصرية.
وربما ترى نفسك أنت أيضًا باحثًا عن ملجأ في لذة الصلاة التأملية المحبة لله؟ هناك ينتظرك السمو المجيد للرب، حتى في أوقاتنا المضطربة — وهكذا، فإن نداء باسيليوس القوي إلى العمل الروحي الداخلي يرنّ من جديد بصدق في يومنا هذا. فكيف لنا أن نتعامل مع ضيق أحوالنا العالمية؟ في كتاباته، يدعونا القديس باسيليوس إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا بحياة الصلاة، وأن نسعى لاقتناء أثر مخلّصنا يسوع المسيح. ومن خلال تفسيره لتعاليم الرب الواردة في العهد الجديد، ومعاملته إيّاها. كإرشادات تدريب حياتية، رسم باسيليوس خطة عملية لعيش الحياة الفلسفية الكاملة، أي الحياة اللاهوتية بحسب اصطلاح العصور القديمة المتأخرة، وهي حياة تُقضى كثيرًا في التأمل العميق، كجزء من ممارسة روحية جماعية. إن قاعدة باسيليوس تستند إلى إرشادات روحية تعكس رسالة يسوع المسيح في الأناجيل وكتابات بولس.
بالنسبة لباسيليوس، كان تأسيس أسلوب حياة قائم على الصلاة التأملية العميقة هو استجابته للتحديات التي واجهها. فقد يئس تمامًا حين قال:
[في داخل كنيسة الله وحدها، التي مات المسيح لأجلها، رأيت انقسامًا عظيمًا وفائقًا من قِبل الكثيرين، سواء في علاقاتهم بعضهم مع بعض، أو في آرائهم بشأن الكتاب المقدس الإلهي. وإذ رأيت هذه الأمور وأشباهها، تعجبتُ أيضًا: ما هو سبب هذا الشر العظيم؟ ومن أين جاء؟]
كان باسيليوس ينحدر من أسرة مسيحية مرموقة بين الكبادوكيين؛ إذ قام والده باسيليوس الأكبر ووالدته إيميليا بتربية أولادهما العشرة، وقد أُدرج خمسة منهم في عداد القديسين فيما بعد.
تكشف رسائل باسيليوس الأولى عن إحباطه المتزايد، وفي الوقت نفسه عن تنامي حماسه للحياة النسكية أثناء دراسته، خصوصًا في أثينا. فقد استفاد باسيليوس من امتياز الحصول على أفضل تعليم يوناني ممكن، يليق بابن خطيب مرموق من كبادوكيا. وهناك، وسط رفقائه، بدأ يتأمل في أعماق قلبه، الذي كان يبتعد شيئًا فشيئًا عن رفاهية العالم، حتى وهو يتشكَّل ويتثقَّف في أحضانه.
“لقد أضعتُ وقتًا طويلًا في ملاحقة الأباطيل، وبدَّدتُ تقريبًا كل شبابي في أعمال باطلة.”
ثم جاءت الصحوة: “وأخيرًا، كمن يستيقظ من نوم عميق، نظرتُ إلى نور إنجيل الحق العجيب. وحينئذ، وأنا أندب بصوت عالٍ علي حياتي البائسة، توسلتُ أن يُمنَح لي مرشد يقدمني إلى دروس التقوى.”
(الرسالة 223: 2)
بحث باسيليوس عن مرشديه بين آباء البرية:
“فوجدتُ كثيرين في الإسكندرية، وفي سائر مصر، وآخرين في فلسطين، وفي سوريا، وفي ما بين النهرين… لقد أدهشتني مثابرتهم في الصلاة. لقد أظهروا، بحق، ما يعنيه أن يقيم المرء على الأرض بينما تكون سيرته في السماء. وقد صليتُ، بقدر ما فيَّ من قوة، أن أكون تابعًا لهؤلاء.”
(الرسالة 223: 2)
وبعد ذهابه إلى آباء البرية في الشرق، انخرط باسيليوس بحماس في حياة صلاة مكثفة في بيت العائلة المخصص للعزلة في بُنطُس، حيث انضم إليه صديقه غريغوريوس النزينزي.
“كم من الأيام،” يتذكر باسيليوس بمحبة، “كم من الأيام قضيناها في القرية المقابلة لبيت أمي، نعيش صديقًا مع صديق، ونتحادث معًا ليل نهار!”
(الرسالة 223: 5)
كان القديس باسيليوس يؤمن بأن الكتب المقدسة تحتوي في ذاتها كل ما هو ضروري لتطوير ممارسة الحياة التأملية، والحياة المسيحية الكاملة، وبالتالي يمكن استخدامها كأساس لوضع قاعدة للحياة الروحية. بل يمكن القول إنه بالنسبة لباسيليوس، العهد الجديد هو القاعدة المسيحية — وكل ما فعله هو جمع تعاليم المسيح وتطبيقها على الحياة كمرشد روحي.
كل هذا حمله باسيليوس إلى صياغة كتابه الأسكتيكون (Asketikon)، الذي اكتمل على الأرجح حوالي سنة 363م. أمّا النص اليوناني الأصلي فقد فُقد – للأسف – ما عدا ثلاثة مقاطع، وأفضل إصدار نقدي متاح لنا اليوم هو الترجمة اللاتينية التي قام بها روفينوس، وهي المعتمدة في هذه الدراسة. وتشير سيلفاس، التي ترجمته إلى الإنجليزية، إلى الإطار الذي كُتبت فيه “قانون باسيليوس”، كما يظهر من مقدمته (9–11)، وهو إطار لا يختلف كثيرًا عن ذاك الذي لدى زملائنا في ISEC، إذ: «كان باسيليوس يحضر – أو حتى يترأس – سهرة صلاة مشتركة مع مسيحيين آخرين؛ وعندما تنتهي الخدمة، تجتمع حوله جماعة أصغر من الأتقياء ليستمعوا إلى أسئلتهم ويُصغوا إلى تعليمه حتى الفجر».
وهكذا، من خلال الممارسة المستمرة للصلاة التأملية اليومية، صار باسيليوس يختبر – أكثر فأكثر – كما صرّح في قانونه، الانخطاف الشخصي برؤية الله التي تكشفها تلك الصلاة: «إن محبة الله الفائقة الوصف – كما أختبرها أنا على الأقل – هي نورٌ لا يُفسَّر. حتى لو شبّهها الكلام بوميض برق أو ببريق، فإن الأذن لا تستطيع أن تستوعب ذلك». وهكذا، فإن الوسيلة لاختبار الجمال الإلهي الذي لا يُعبَّر عنه هي التأمل العميق المتمرّس (RBas 2.20).
كانت الحياة النسكية المشتركة بين الإخوة والأخوات تُرى كتحقيق لوصية المسيح في يوحنا 15:12 («أحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم»)، إذ «من أحبّ قريبه يكون قد أكمل محبته لله، لأن الله هو الذي ينال في ذاته كل ما يُمنح للقريب» (RBas 2.69). بل إن باسيليوس ذهب إلى حد تسمية الحياة المكرَّسة للصلاة بأنها مشاركة فعلية في ألوهية الله، ملمّحًا بذلك إلى عقيدة التألّه (theosis): «لقد أعطى الله للإنسان معرفة ذاته، وجعله كائنًا عاقلاً على الأرض، وهيّأ له التمتّع ببهجة وجمال الفردوس الذي لا يُوصف… واستُعيد من الموت إلى الحياة بواسطة ربّنا يسوع المسيح. ولم يكن كافيًا أن يهب الحياة لنا – نحن الذين كنّا أمواتًا – بل منحنا أيضًا مشاركة في ألوهيته، وأغدق علينا عطية الأبدية» (RBas 2.44، 49، 53).
الصلاة غير المتشتتة، المتمركزة على شوقنا لمعرفة محبة الله بعمق متزايد، هي غاية الحياة الكاملة. لذلك يجب علينا أن نستأصل باجتهاد كل تجربة قد تُغوينا بعيدًا عن تأملنا، ذاكرين الله دائمًا:
«ينبغي لنا إذًا أن نحرس قلبنا بكل يقظة لئلا يحدث أن تطرد الرغبات الدنيئة من عقولنا رغبة الله وتزيحها. فلنطبع هذه الصورة والشكل، كما لو كانت ختمًا، في نفوسنا بعمق» (قانون باسيليوس 2:76-77).
وعلى العموم، في مسار التاريخ اللاهوتي، كان لتعليم باسيليوس و”قانون باسيليوس” تأثير بالغ:
«إذ أثّر في واضع “قانون بندكت” بتعاليم أولوية الشركة والمحبة المتبادلة كأسلوب حياة للمسيحيين، وبضرورة وجود نظام صالح مُختبَر جيدًا، مع حسّ معين بالاعتدال، وكل ذلك تحت حماية الطاعة المشتركة».
والحقيقة أن القديس باسيليوس يوصينا جميعًا في أي يأس شديد قد يتغلب علينا بسبب هذه الأزمنة المضطربة الحاضرة؛ فكما كان في زمن باسيليوس، حين واجه فساد الإمبراطورية والكنيسة على حد سواء، يسأل: كيف يمكننا الهروب من رذيلة التماس رضا الناس في هذا العالم؟
وفي النهاية، يكلّفنا باسيليوس، بأن نكون جميعًا، كل واحد منّا:
«متيقنين من حضور الله، محافظين على الصلاة غير المتشتتة والعزلة من أجل إرضاء الله، وممتلئين بشوق عظيم نحو التطويب الذي وعد به الرب» (قانون باسيليوس 60:1).
الهوامش
(1) الـ Asketikon (بالإغريقية: Ἀσκητικὸν) هو اسم يُطلق على مجموعة القوانين الرهبانية التي وضعها القديس باسيليوس الكبير، وهي أساس تنظيم الحياة النسكية في التقليد الأرثوذكسي الشرقي.
ترجمة أمير إبراهيم
لينك المقال الأصلي
https://publicorthodoxy.org/2025/01/01/basils-teaching-on-ascetical/