ق. باسيليوس الكبير ننتقل الآن إلى الآباء الكبادوك الذين يمثلون حالة وسط في السؤال حول إدراك وعدم إدراك الله، وبعد إخضاع السؤال لتحليل فلسفي أعمق، وبفحصه بشكل أولي من الجانب الديني العملي، يعتبرون أن فكرة اللاهوت السلبي هي فكرة حقيقية تمامًا (لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو شرح). لذا يطوّر ق. باسيليوس الكبير آرائه …
ق. باسيليوس الكبير
ننتقل الآن إلى الآباء الكبادوك الذين يمثلون حالة وسط في السؤال حول إدراك وعدم إدراك الله، وبعد إخضاع السؤال لتحليل فلسفي أعمق، وبفحصه بشكل أولي من الجانب الديني العملي، يعتبرون أن فكرة اللاهوت السلبي هي فكرة حقيقية تمامًا (لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو شرح).
لذا يطوّر ق. باسيليوس الكبير آرائه عن هذا السؤال في جداله مع أفنوميوس، الذي أكد على المعرفة الكاملة بجوهر الألوهة من خلال الأفكار، أو كما هو معتاد التعبير عنهم في الجدال حول أسماء الله التي تتناسب مع هذه الأفكار. [1]
يعتبر أفنوميوس اسم ”غير المولود“ أو عدم المولودية هي مثل هذا التعريف للجوهر الإلهي، مطبقًا إياه فقط على الأقنوم الأول (الآب)، ويؤدي هذا إلى الاستنتاجات الأفنومية الآريوسية بخصوص الأقنوم الثاني الذي ليس له هذه الخاصية (أي عدم المولودية).
لذا في الجدال ضد تعليم أفنوميوس، يقدم ق. باسيليوس الكبير مسلمة عامة، على الرغم من عدم موافقة أفنوميوس على شرح الأسماء السلبية لله عند ق. باسيليوس الكبير، واعترض (أفنوميوس) عليه ليس بدون أساس محدد:
”لا أعلم كيف من خلال نفي ذاك الذي لا يليق بالله، سوف يتفوق على الخليقة؟! […] لا بد أن يكون واضحًا لكل جوهر عاقل أن جوهر الواحد لا يستطيع مفارقة جوهر الآخر بما ليس له“. [2]
يرد ق. باسيليوس الكبير على اتهامات أفنوميوس والأفنوميين له باللا أدرية بسبب استخدامه اللاهوت السلبي في التعبير عن الله في ذاته وجوهره كالتالي:
”إذا أجبت، أنا أعبد مَن أعرف، قالوا لي على الفور، ما هو جوهر الذي تعبده؟ عند ذلك، إذا اعترفت وقلت أنا أجهل الجوهر، يقولون لي: إذًا، أنت تعبد مَن لا تعرف. وأنا أجيب بأن فعل (أعرف) له عدة معاني: نحن نقول إننا نعرف عظمة الله، وسلطانه، وحكمته، وصلاحه، وعنايته بنا، وعدالة حكمه، لكن ليس جوهره ذاته […] إن الطاقات تتنوع أما الجوهر فبسيط، لكننا نقول إننا نعرف الله من طاقاته، على أننا لا نشرع في الاقتراب من جوهره […] إن طاقاته تأتي إلينا من فوق أما جوهره فيظل بعيدًا عن منالنا […] إذًا، معرفة الجوهر الإلهي تتضمن إدراك أنه لا يسبر غوره، وموضوع عبادتنا ليس هو أن نفهم الجوهر، لكن أن نفهم أن هذا الجوهر كائن“. [3]
ينفي ق. باسيليوس الكبير إدراك الجوهر الإلهي بالذهن ردًا على ادعاءات أفنوميوس بإدراك الجوهر الإلهي بشكل كامل كالتالي:
”إدراك الجوهر بواسطة الذهن، لم يقل به أحد من الرجال الحكماء المعروفين“. [4]
ويفاجئنا ق. باسيليوس بأنه حتى كلمة جوهر لا تعبر عن الله في ذاته، بل تعلن فقط المفهوم الخاص بوجود الله كالتالي:
”إن الجوهر يعلن فقط عن المفهوم الخاص بوجود الله، لكنه لا يقول لنا مَن هو الله بحسب جوهره“. [5]
كما ينفي ق. باسيليوس أن الأسماء التي تُطلق على الله تعبر عن الاختلاف في جوهره كالتالي:
”فإن هذا (أي أفنوميوس) الذي يسفسط ويقول بأن اختلاف الأسماء، يتبعه اختلاف الجوهر، يكذب. لأن طبيعة الأشياء، لا تتبع الأسماء، بل الأسماء وُجِدت بعد الأشياء“. [6]
يؤكد ق. باسيليوس أن الأسماء الإيجابية أو السلبية التي تُطلق على الله لا تعبر عن الله في ذاته، بل عن سمات قريبة من الله، حيث يقول التالي:
”نحن نسمي الله أيضًا، صالحًا، وبارًا، وخالقًا، وديانًا، وأسماء أخرى مماثلة (اللاهوت الإيجابي)، وكما في الأسماء السابقة، الكلمات التي تعني رفض ونفي العناصر الغريبة عن الله (لاهوت النفي)، هكذا هنا أيضًا فإن الكلمات تعني وجود السمات القريبة لله، ويليق أن تُنسب له، إذًا، فإننا نعرف من خلال هذه الأسماء سواء من حيث العناصر الموجودة (لاهوت الإيجاب)، أنها موجودة بالفعل، ومن خلال تلك الغير موجودة، أنها بالتأكيد غير موجودة (لاهوت السلب)“. [7]
ويؤكد ق. باسيليوس على أننا نكوّن فكرة عن الله من خلال كل من اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:
”لكنه بالنسبة لنا هو كافٍ. إذ هناك أسماء من بين الأسماء التي نقولها عن الله، ما يوضح السمات والملامح التي في الله (اللاهوت الإيجابي)، بل والسمات التي ليست فيه (اللاهوت السلبي)، ومن خلال هاتين المجموعتين، نكوِّن فكرة عن الله“. [8]
أود الإشارة إلى ق. أثناسيوس الرسولي وموقفه من اللاهوت السلبي والإيجابي، حيث يرى أثناسيوس استحالة فهم ماهية جوهر الله، ولكن الأسماء والألقاب المكتوبة عنه في الأسفار المقدسة هي لتوضيح حقيقة أنه كائن وموجود كالتالي:
”فإذ رغم أنه يستحيل أن نفهم ماهية جوهر الله، إلا أننا إذا فهمنا فقط أن الله موجود*، وإذا أشارت الأسفار المقدسة إليه عن طريق هذه الألقاب، فأننا بقصد الإشارة إليه وليس غيره، ندعوه الله وآب ورب. عندئذ عندما يقول: أهيه الذي أهيه وأنا الرب الإله (خر٣: ١٤، ١٥)، أو عندما يقول الكتاب المقدس (الله) لا نفهم شيئًا آخر بذلك إلا الإشارة إلى جوهره غير المدرك ذاته، وأن ذلك الذي الحديث عنه هو كائن“. [9]
كما يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَب بأثناسيوس الغرب على ضعف اللغة في الحديث عن الله سواء باللاهوت السلبي أو اللاهوت الإيجابي، وأن الإعلان الوحيد الحقيقي والمصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:
”لا بد أن نشعر بأنه غير مرئي، وغير مدرك، وأبدي. لكن القول بأنه ذاتي الوجود، وذاتي المنشأ، وذاتي البقاء، وأنه غير مرئي، وغير مدرك، وغير مائت، هو اعتراف بمجده، وتلميح لما نعنيه، ورسم تخطيطي لأفكارنا، لكن اللغة أضعف من أن تخبرنا بما هو الله، والكلمات لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة“. [10]
ويؤكد كما أكد قبله وبعده من الآباء أن المصدر الوحيد للمعرفة عن الله هو الابن المتجسد كالتالي:
”بما أنه لا أحد يعرف الآب إلا الابن، فلتكن أفكارنا عن الآب موافقةً لأفكار الابن، الشاهد الوحيد المخلِص، الذي أعلنه لنا“. [11]
ولكن يؤكد ق. أوغسطينوس على أن أفضل طريقة لمعرفة الله هي بعدم معرفته، أي عن طريق اللاهوت السلبي، حيث يقول:
”أفضل طريقة لمعرفة الله هي عدم معرفته“. [12]
ق. غريغوريوس اللاهوتي
نعود مرةً أخرى إلى الآباء الكبادوك؛ حيث يعبر ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الفكرة العامة بعدم إدراك الله في شعره اللاهوتي، حيث نقرأ في أنشودته الأولى إلى الله التالي:
”إذ أنك الأعلى من الكل! لأنه لأي شيء آخر مسموح لي أن أتحدث عنك؟ وكيف يمكنني أنا أسبح بكلمة عنك؟ لأنه لا يمكن التعبير عنك بأي كلمة، وكيف يمكن للعقل أن ينظر إليك؟ لأنك صعب المنال لأي عقل، فأنت وحدك غير المعبَّر عنه، لأنك قد صنعت كل شيء لا يمكن التعبير عنه بكلمة، أنت وحدك غير المدرَك، لأنك قد أحدثت كل شيء مفهوم بالفكر، وكل شيء موهوب وغير موهوب للعقل يعود بالكرامة لك، أنك نهاية كل شيء، أنت وحدك الكل. أنك لست واحدًا، ولست وحيدًا، ولست الكل، أيها الواحد المُسمى بالكل! كيف سأسميك، يا مَن لا يمكن تسميته؟ وأي عقل سماوي ينفذ خلال الحجاب فوق السحاب؟ كن رحيمًا، يا مَن هو أعلى الكل، لأنه لأي شيء مسموح لي أن أتحدث عنك؟“. [13]
وهكذا يؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي في موضع آخر مثله مثل كل الآباء السابقين واللاحقين عليه على عدم إدراك جوهر وطبيعة الله كالتالي:
”الله في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط، ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه“. [14]
ويؤكد على أن أفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره وذاته هي اللاهوت السلبي كالتالي:
”فكيف تعبر عن جوهر الله من غير أن تبين ما هو، فنكتفي بإسقاط ما ليس هو؟“. [15]
كما يؤكد على حقيقة اللاهوت السلبي كأفضل طريقة للتعبير عن الله في جوهره بانتزاع ونفي التعاليم المادية والأرضية عن الله، والتسامي والارتقاء مع الألوهية، وترك الأرضيات، والصعود إلى الروحيات، ويميز أيضًا بين الحديث عن طبيعة الله (اللاهوت السلبي)، والحديث عن التدبير الإلهي (اللاهوت الإيجابي) كالتالي:
”لكي تنتزع أنت من تعاليمك ما هو مادي وأرضي، ولكي تتعلم التسامي فوق ذلك، والارتقاء مع الألوهة، فلا تظل في غمرة الأشياء المرئية، بل تصعد لكي تكون مع الروحيات، وتدرك ما قيل في الطبيعة الإلهية، وما قيل في التدبير الإلهي“. [16]
يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا أن الأسماء الإيجابية عن الله مثل: روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، لا تعبر عن جوهر وماهية الله في ذاته، ويفند كل اسم منها، موضحًا ملامح القصور والنقص في كل اسم إيجابي، ويطلق تعبير الابتداع على مَن يتصورون ويطبقون هذه الأسماء ولو جزئيًا على الألوهة كالتالي:
”روح، ونار، ونور، ومحبة، وحكمة، وعدل، وعقل، وكلمة، أليست هذه الألفاظ، وما شابهها أسماءً للطبيعة الأولى؟ وماذا؟ هل نتصور الله روحًا بدون انطلاق وانتشار؟ ونارًا في خارج المادة وبدون تشبب إلى فوق، وبلا لون ولا شكل؟ ونورًا غير ممتزج بالهواء، ومنفصلاً نوعًا ما عن مصدره وباعثه؟ وعقلاً وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، أم عقل تصوره حركة، أم عقل ساكن، أم متدفق إلى الخارج؟ كلمة وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أم المنتشر – ولا أجرؤ أن أقول المتبدِّد؟ وإن كان حكمة فأي حكمة هي؟ […] أم ترى هل يجب أن نزرع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع! أ فيكون من هذا، ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا، وكيف يكون كل شيء من هذا الأشياء على نحو كامل*، فهو الواحد بطبيعته بدون تركيب ولا مماثلة لأحد؟“. [17]
كذلك يرى ق. غريغوريوس اللاهوتي أنه الأسماء الإلهية سواء الإيجابية أو السلبية لا تعبر بشكل كامل عن جوهر الله، وإلا كان لله عدة جواهر، وليس جوهر واحد كالتالي:
”كذلك اللا زوال، واللا خطيئة، واللا تحول، فهل هي جوهر الله؟ إذا كان الأمر كذلك، كان لله عدة جواهر لا جوهر واحد، أو كانت الألوهة من مجموعة هذه الأشياء، ولا بد لهذه الأشياء من أن تكون غير مركبة في مجموعة إذا كانت جواهر“. [18]
ويفرق ق. غريغوريوس اللاهوتي بين مقولتي علاقة وجوهر في الله، حيث مقولة علاقة نسبية أو علائقية، بينما مقولة جوهر في غير تحديد كالتالي:
”أو إذا شئت فهكذا: الله جوهر، والحال أن الجوهر ليس الله بنوع مطلق، استخرج النتيجة بنفسك أنت: الله ليس الله بنوع مطلق، وأنا أرى أن هذا القياس الفاسد يتناول المقولة نسبيًا، والمقولة في غير تحديد“. [19]
ويعلق اللاهوتي على الأسماء الإيجابية أنها لا يمكن أن تحوي الله احتواءً كاملاً حقيقيًا، بل تقترب مما حوله لتكوّن صورة غامضة ضعيفة عنه كالتالي:
”وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوّره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقًا إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة ضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها“. [20]
كما يؤكد اللاهوتي على أن اللفظة لها دلالة نسبية وليست مطلقة في الحديث عن الله كالتالي:
”اللفظة على كل حال لها دلالة نسبية لا مطلقة“. [21]
يعلق ق. غريغوريوس اللاهوتي على أن اللاهوت السلبي معناه أن الله لا يمكن إدراكه إدراكًا كاملاً، بل هو متروك لتبحر من عنده فكر الله كالتالي:
”كما لا تكفي التعبيرات: غير المولود، ولا مبدأ له، وغير قابل للتغيير، وغير قابل للفساد، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني في موضوع طبيعته، أن يقال: ليس له مبدأ، ولا يتغير، ولا تحده حدود؟ إن إدراكه إدراكًا كاملاً متروك لتبحر من عنده فكر الله“. [22]
ويعلق الباحث الشهير توماس تورانس على الفرق بين اللاهوت السلبي واللاهوت الإيجابي كالتالي:
”فإننا نستطيع فقط أن نفكر ونتحدث عن الله بعبارات نفي عامة وغامضة، لأنه بسبب المسافة غير المحدودة التي بين المخلوق والخالق، فإننا لا نستطيع أن نعرف الله وفقًا لما هو في ذاته، أو حسب طبيعته الإلهية، بل نعرفه فقط في انفصاله التام عنا، بوصفه الأبدي والمطلق وغير الموصوف. ومن هذا المدخل لا يمكننا أن نفعل شيئًا أكثر من محاولة التحدث عن الله من خلال أعماله التي أوجدها بمشيئته وبواسطة كلمته، أي من خلال ما يتعلق بالله من خارج، الأمر الذي لا يستطيع في الواقع أن يعرّفنا أي شيء عمَن هو الله، أو ماذا يشبّه في طبيعته الذاتية“. [23]
[1] Socrates, Hist. Eccles. Lib. 4.
[2] Nesmelov, Viktor, The dogmatic system of Gregory of Nyssa, (Kazan, 1887), p. 135.
[3] الرسالة ٢٣٤ إلى أمفلوخيوس : ١، ٢.
[4] ضد أفنوميوس ١: ١٣.
[5] المرجع السابق، ١: ١٢.
[6] المرجع السابق، ٢: ٤.
[7] المرجع السابق، 1: 10.
[8] المرجع السابق، 1: 10.
[9] الدفاع عن قانون إيمان نيقية، ٢٢.
[10] عن الثالوث ٢: ٧.
[11] المرجع السابق، ٢: ٦.
[12] De ordine 2: 6.
[13] Hymn 5: 5
[14] عظة ٢٨: ١٧.
[15] عظة ٢٩: ١١.
[16] عظة ٢٩: ١٨.
[17] عظة ٢٨: ١٣.
[18] عظة ٢٩: ١٠.
[19] عظة ٢٩: ١٥.
[20] عظة ٣٠: ١٧.
[21] عظة ٣٠: ١٦.
[22] عظة ٢٨: ٩.
[23] الإيمان بالثالوث، ص٦٩.







