ديونيسيوس الأريوباغي نأتي إلى ديونيسيوس الأريوباغي الذي يُعتبر الأب الحقيقي للاهوت السلبي في الفلسفة والروحانية المسيحية. ديونيسيوس هو كاتب غامض، يتم التأريخ له عادةً نحو مطلع القرن الخامس، وينسب التقليد كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغي، وهو رجل من العصر الرسولي، تحول إلى المسيحية عن طريق بولس الرسول في أثينا. قوام كتاب ”الأسماء الإلهية“ له دلالة ومغزى …

ديونيسيوس الأريوباغي

نأتي إلى ديونيسيوس الأريوباغي الذي يُعتبر الأب الحقيقي للاهوت السلبي في الفلسفة والروحانية المسيحية. ديونيسيوس هو كاتب غامض، يتم التأريخ له عادةً نحو مطلع القرن الخامس، وينسب التقليد كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغي، وهو رجل من العصر الرسولي، تحول إلى المسيحية عن طريق بولس الرسول في أثينا. قوام كتاب ”الأسماء الإلهية“ له دلالة ومغزى خاص متمثل في أنه أحد قمم التأمل المستيكي (السرائري).

بالوقوف عند التأثير المباشر للأريوباغي على مفكر مثل مكسيموس المعترف (القرن ٧) الذي كتب شرح وتعليقات على مؤلفاته، وصولاً إلى تأثير الأريوباغي الملحوظ على جون سكوت أريوجينا (لاهوتي لاتيني مدرسي)، وعلى سباستيان فرانك، ومايستر إيكهارت (لاهوتي متصوف ألماني) ومدرسته وآخرين.

كُتبت مؤلفات الأريوباغي بحماسة هائلة، بالرغم من أنها ليست خالية من البلاغة. أداته الأدبية المفضّلة هي المبالغة، حيث يرى الأريوباغي أنه يتم تعريف مناقشة الأمور اللاهوتية عادةً على أنه تسبيح، حيث ترتبط المفاهيم على نحو ثابت بالفائق، والأول (الألفا)، والنفي (السلب) بلا، والذاتي … إلخ. الجوهر الفائق الجوهرية، والألوهة الفائقة الألوهية، والخير الفائق الخيرية، والألوهة غير المعلولة عينها … إلخ.

الفكرة الرئيسية المتطورة في كتاب ”الأسماء الإلهية“ هي التسامي المطلق، وعدم إمكانية إدراك الألوهة بالنسبة لنا. يستطيع العقل الموهوب قواه الخاصة، ولا بد أن يسير فقط بمحاذاة الطريق الأبوفاتيك (السلبي): حيث يمكن أن تشكل التعريفات الإيجابية للألوهة موضوع الإعلان، وهي متضمنة ومحوية في كلمة الله (الأقنوم)، لأن أسماء الله المختلفة متصلة بعضها ببعض. فالمقالة عن الأسماء الإلهية مخصصة لتحليل معنى تلك الأسماء. لذا يتم التعبير عن اللحظة الأبوفاتيك (السلبية) عند ديونيسيوس بقوة وتركيز لا مثيل لهما. حيث يقول:

”في الواحد العام، لا يجب التفكير، أو قول أي شيء عن الألوهة الفائقة الجوهر والمستيكية (السرائرية)، إلا ما هو معلن لنا على نحو إلهي في كلمة الله“. [1]

حيث يتم الإعلان عن الألوهة بالنعمة إلى الجنس البشري بمقدار وقياس قدرة كل روح منفردة، لذا يقول التالي:

”اللا محدودية الفائقة الجوهر نفسها هي أعلى من الجوهر (فهي مفارقة له)، والأسمى من العقول هو العقل الفائق الوحدة، وغير المقترب منه لكل فكر هو الذي يفوق الفكر، وغير المنطوق لكل كلمة هو الصالح الذي يفوق الكلمة، هو الوحدانية التي توحد كل وحدانية، والجوهر الفائق الجوهر، والعقل الصعب المنال للعقل، والكلمة غير المنطوقة، وعدم الكلام، وغياب العقل، وعدم التسمية، لا يتطابق مع أي شيء كائن، علة كل كينونة، بالرغم من أنه هو نفسه ليس كينونة، المفارق لكل جوهر“. [2]

كما يؤكد الأريوباغي على أنه من أجل التعبير عن أفكارنا بخصوص الإلهي، نستخدم الرموز والتشبيهات (القياسات)، حيث يقول التالي:

”الواحد، غير المعروف، الفائق الجوهر، الصلاح الذاتي، المسمَى بالوحدانية المثلثة، والإلهي الواحدي، والصلاح الواحدي، يستحيل التعبير عنه بكلمة، أو إدراكه بالذهن“. [3]

يقول الأريوباغي أيضًا أنه لا بد من تحقيق التقريب للفهم عن طريق التجريد (تجريد التصورات المادية والحسية عن الألوهة) عن كل كينونة. وهكذا بالسير بمحاذاة هذا الطريق، نصل حتمًا إلى التعريف الأبوفاتيك (السلبي) الذي يكون بلغة الماهية، فالألوهة هي لا شيء حقًا، حيث يقول:

”لأنها ما هو منفصل عن كل كائن، ولأنها أسمى من كل كيف، وحركة، وحياة، وتخيل، وفكرة، واسم، وكلام، وعقل، وانعكاس، وجوهر، وحالة، ووضع، ووحدة، وحد، ولا محدودية، وكل موجود“. [4]

وهكذا بالاتساق والتماسك المنطقي، يؤسّس وينشئ ديونيسيوس تناقض الوعي الديني النابع من ذلك الاتساق المنطقي، حيث يقول:

”يسبّح اللاهوتيون الألوهة كأنها بلا اسم، ولها كل اسم“. [5]

كما يستطرد موضحًا كيف يمكننا الوصول إلى معرفة الله كالتالي:

”كيف يمكننا الحصول على معرفة الله، غير المتصور، ولا يمكن تخيله بالحواس، ولا يتشكل في العموم من أي شيء مما هو كائن؟ ننال معرفة الله بالصعود من نظام الخليقة التي أسسها، والتي تعلن صور وشبه النماذج الإلهية، بالصعود تجاه ما هو موجود أعلى كل شيء عن طريق التجرد من كل شيء، والتسامي فوق كل شيء. لذا الله معروف في كل شيء، وخارج كل شيء، والله معروف بالمعرفة وبعدم المعرفة، يلازمه التفكير، والعقل، والمعرفة، واللمس، والحس، والتمثيل، والخيال، والاسم، وكل الباقي. وفي نفس الوقت، لا يمكن التفكير فيه، ولا يمكن التعبير عنه، ولا يمكن تسميته، وهو ليس شيئًا مما هو كائن، وهو غير معروف بأي شيء كائن، وفي كل شيء هو كل شيء، وفي اللا شيء هو لا شيء، وفي كل شيء هو معروف بكل شيء، وفي اللا شيء باللا شيء“. [6]

نستكمل مع ديونيسيوس موضوع التعارض والتناقض عند التعبير عن الله، بمعنى أننا من الممكن أن نصف الله بأي اسم من الأسماء، وننفي عنه نفس الاسم في نفس الوقت، وهذا ما يوضحه ديونيسيوس قائلاً:

”فهو ليس هذا ولا ذاك أيضًا، وليس بموضع، ولكنه ليس بموضع ما في موضع آخر، بل هو الكل، لأنه علة الكل […] فهو أعلى من الكل كمجاوز فائق الوجود عن الكل. لهذا السبب، كل الأشياء تقال عنه في الحال، وهو لا شيء من كل الأشياء“. [7]

كما يؤكد ديونيسيوس على إمكانية معرفة الألوهة للإنسان، ولرتب الملائكة كذلك، ولكل مخلوق فقط عن طريق تعطف وتنازل الألوهة، والصعود المقابل للمخلوق من خلال الشركة فقط، بالرغم من سمو الألوهة فوق العقل، والجواهر، والمعرفة، حيث يقول التالي:

”فهي نفسها (أي الألوهة) بحسب ما هي في ذاتها، بالحفاظ على مبدأها وخاصيتها اللائقة أعلى من العقل، والجواهر، والمعرفة“، [8] فبالرغم من أن الثالوث القدوس: ”نفسه موجود في كل شيء، ولكن ليس كل شيء فيه“، [9] بل ”حينما نتضرع إليه بصلاة مقدسة، وذهن نقي مستعد للاتحاد بالألوهة، فمن ثم نكون موجودين أيضًا فيها، لأنها لا توجد في الفراغ كي ما تكون بعيدةً عن شيء ما، أو ستعبر من شيء لآخر“. [10]

يتحدث ديونيسيوس أيضًا عن انجذاب الحب والعشق لله والجمال (الحب المدرَك شعوريًا وإدراكيًا) كالتالي:

”العشق الإلهي للصلاح هو صالح، ويوجد (أي العشق) من خلال الصلاح. العشق نفسه لما هو موجود هو محسن وفائق السيطرة في الصلاح على نحو فائق الوفرة“. [11]

ثم يستطرد قائلاً:

”التعبير عن الحب الإلهي في الوجد (أي النشوة الروحية)، وهؤلاء المحبون لا ينتمون إلى أنفسهم، بل إلى المحبوب“. [12]

لذا يؤكد ديونيسيوس أنه على أجنحة العشق، وفي تدفق الوجد (الاختطاف)، تحدث الشركة في الله وتصوره. يا لها من فكرة جريئة على نحو مفاجئ عند كاتب كنسي له سلطة، ومثل هذا هو الأساس لعشق المعرفة أو الغنوسية المعشوقة عند ديونيسيوس.

بينما في اللاهوت الإيجابي، أي عندما يحلل دلالة ومعنى الأسماء الإلهية، يشير ديونيسيوس دائمًا إلى طبيعة الألوهة الفائقة والمتسامية على كل جوهر من إعلانها والكشف عنها في اسم معطَى لله، وبالتالي يسلم أسلوب النفي (أو السلب أو التجريد) هنا مكانه للقب ”الفائق“، أي تسلم طريقة النفي أو السلب مكانها لطريقة المبالغة. وهكذا يرى ديونيسيوس أن التعريف الأساسي للألوهة على أنها الصلاح يرافق الشرح التالي:

”تكون (الألوهة) فقط في ذاتها، لا تملك جوهرًا، وتفوق الجوهر إلى أبعد حد. إنها غير حية، لأنها تفوق الحياة، ولكونها غير عقلية، فإنها تفوق الحكمة“، [13] وبنفس الطريقة مثل الجمال، فالألوهة: ”كالجمال كله هي فوق الجمال“، [14] كذلك ”الله له كينونة فائقة، وفوق الكينونة بفيض فائق من خلال مفارقة كل كينونة“، [15] وبالتالي: ”تتدفق كل كينونة من الصلاح الفائق ذاته كذلك“. [16]

وبالتالي، الأول، ومتعدد الأوجه، وغير المحدود هو مضمون اللاهوت الأبوفاتيك (السلبي) عند ديونيسيوس الأريوباغي، وبالرغم من أنه قريب بوضوح من الأفلاطونية المحدثة، إلا أنه يذهب لأبعد من ذلك، ويحكم بأكثر أصولية عن أفلوطين، لأننا كما نعرف بالفعل، بالنزول أسفل بالطريق الأبوفاتيك (السلبي)، ينحو أفلوطين على كل حال إلى فكرة الواحد كتعريف للمطلق (أي الله)، بينما عند ديونيسيوس، في منحدره الأبوفاتيك (السلبي)، لا يكون المطلق (أي الله) واحد ولا وحدة، بل يكون على نحو كامل وحاسم، ليس مَن، وليس ما.

 

[1] الأسماء الإلهية ١: ١.

[2] المرجع السابق.

[3] المرجع السابق.

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق ١: ٦.

[6] المرجع السابق ٧: ٣.

[7] المرجع السابق ٥: ٨.

[8] المرجع السابق ٢: ٤.

[9] المرجع السابق ٣: ٢.

[10] المرجع السابق.

[11] المرجع السابق ٤: ٧.

[12] المرجع السابق ٤: ١٣.

[13] المرجع السابق ٤: ٣.

[14] المرجع السابق ٤: ٧.

[15] المرجع السابق ٥: ٥.

[16] المرجع السابق ٥: ٦.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *