ترددت طويلاً قبل أن أكتب كلمة واحدة في هذا الموضوع نظراً لحساسيته الشديدة ، ولأن الحديث عن الألم يدخل في صميم واقع وجودنا الإنساني وما يطرحه هذا الوجود من تحدياتٍ بالغة الأثر تطال الجميع دون استثناء. إن معضلة الألم تكمن في حصاره للعقل وللإرادة ، مما يشل حركة الإنسان ، ويحكم تقييده مانعاً إياه من …
ترددت طويلاً قبل أن أكتب كلمة واحدة في هذا الموضوع نظراً لحساسيته الشديدة ، ولأن الحديث عن الألم يدخل في صميم واقع وجودنا الإنساني وما يطرحه هذا الوجود من تحدياتٍ بالغة الأثر تطال الجميع دون استثناء.
إن معضلة الألم تكمن في حصاره للعقل وللإرادة ، مما يشل حركة الإنسان ، ويحكم تقييده مانعاً إياه من من أن يحيا بصورة طبيعية ، لأن الوجود تحت تهديد الألم – النفسي أو الجسدي – يبطل قدرة الإنسان على التفكير ويضرب البصر والبصيرة مسببًا خللًا في الرؤية ومن ثم تتراجع قدرة الإنسان على الفعل ويفشل في الإفتكاك من هذا الحصار.
الألم يرافقنا في هذه الحياة ، يظهر على وجوهنا في صورة تجاعيدٍ أو في رؤوسٍ اشتعلت بالشيب ، أو أعين ذبلت بالبكاءِ. الألم يصيبنا بالخوف فيهدد شجاعتنا وينهكها ، يحاصرنا في تضييقات المعاندين لنا ويسخر منا حين تلطمنا أمواج هذا العالم وأتعابه. والبعض قد يعاني ألمًا يوميًّا – غالبا مدى الحياة – فيكون بمثابة حالة استشهاد تعيد تكرار نفسها عند كل صباحٍ!
ولوضع الأمور في نصابها الصحيح ينبغي علينا أن نتفق حول قضية جوهرية ، وهي أن الله ليس مصدراً للألم او الشر ، أو على حد تعبير القديس أثناسيوس في “تجسد الكلمة” :
[كل ما هو شر فهو عدم .. وكل ما هو خير فهو موجود]
لذلك فإن كل تعليم يصور الله وكأنه يجلب الآلام على الإنسان ، فهو تعليم غير سليم .. بل أقول غير سوي!
يقول القديس باسيليوس الكبير:
[من الخطأ روحيًا أن يقال أن الشر استمد وجوده من الله ، ﻷن الضد لا ينتج مما هو ضده، الحياة لا تلد موتًا والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض]
إذًا، فما هو مصدر التعليم المشوه القائل بأن الله هو مصدر الألم؟
بكل أسف هذه الأفكار تقع ضمن دائرة التعليم الغربي الذي ينتمي للبروتستانتية، فعلى سبيل المثال نجد لوثر يكتب في رسالته حول الطاعون 1527م
[إن كانت مشيئة الله ان يأتي علينا الشر ويهكلنا فلن تنفعنا أيٌّ من احتياطاتنا.. أيها الرب ها أنا في يديك ، لقد أبقيتني هنا ، لتكن مشيئتك، أنا مخلوقك الحقير. أنت قادر أن تقتلني أو تحفظني في هذا الوباء، كما لو كنت في النار أو الماء أو الجفاف أو أي خطر آخر]
ثم نجد أن كالفن في كتابه مبادي الإيمان المسيحي يذكر:
[أنهم لا يتألمون بأي شدة إلا بأمر الله وتعيينه]
ويقول في موضع آخر في الكتاب نفسه:
[ أقر بأكثر من ذلك ــ أن اللصوص والقتلة- وغيرهم من فاعلي الشر، هم أدوات للعناية الإلهية، يستخدمهم الرب نفسه لتنفيذ الأحكام التي عزم على إنزالها]
بينما أرثوذكسيًا يُفهم الألم كجزء من واقع الفساد والتفكك الذي ضرب طبيعتنا جراء السقوط والإنفصال عن شركة الحياة الإلهية التي كان آدم وحواء معدان لها:
[وقال للمرأة: تكثيرا أكثر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولاداً.
وقال لآدم: “…ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزك، حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها ، لأنك تراب وإلى تراب تعود.]
سفر التكوين إصحاح ٣
إذًا فالألم قد صار جزءًا من واقعنا ووجودنا بعد السقوط شئنا أم أبينا ، فَقَدَ الإنسان الصورة الإلهية وتعطلت روح التمييز وإنفصل عن النعمة ، وإنقسم القلب فصار ساحة لمعركة بين الخير والشر كما عبر عنها بولس في رومية، فالسقوط أوقف تدفق النعمة وأفقدنا إمكانية المشابهة , ومرضت طبيعتنا البشرية وساد عليها الموت والفساد، وهكذا تضفرت الآلام بطبيعتنا.
هذا التفكك الذي ضرب طبيعتنا جرَّاء السقوط قد أدخل عنصر الألم في صميم كياننا الإنساني ، وقد أتخذ ذلك الألم أشكالا متنوعة – نفسيةوجسدية – كالاحتياج، والجوع و العطش ، التعب والمرض. وهكذا فإن السقوط لم يُبقِ على الجسد في حالته التي خلق عليها وكان مُعدا لها ، فأصبح الألم والمرض جزءًا من طبيعتنا.
ولمن يسأل: لماذا يسمح الله بالآلام؟ ، نجد جوابا فيما دونه أوريجينوس ضد سيلسوس:
[كل الأشياء مرتبة حسب مشيئة الله، وأن كل الذين يفعلون الشر لا يخرجون عن حٌكمه..ولكن من يفحص المسألة حقا سيرى أن الله لا يرتب الخطيئة، إنما يرتب عواقبها وتكييفات الأمور، لا إرادة الخطية في نفوس البشر.
ولا يلزم – لأن الله يسمح لأمر ما أن يحدث – أنه يريده مباشرة، بل يسمح ببعض الأمور ليحصل منها خير أعظم أو للتأديب والتصحيح]
Origen – Contra Celsius Book VII, 56,68
إذن فالآلام الناتجة عن شرور البشر ليست من الله بل هي ناتج الإختيار الحر لمرتكبي هذه الشرور ، بينما النتائج تظل ضمن ترتيب الله يستخدمها – أي النتائج – وفق مشيئته الصالح.
وهناك أيضا هذا النص، والذي لا ينبغي علينا فهمه خارج إطار الفيرونيما/الذهنية الأرثوذكسية، وهو ما دونه ترتليان ضد مرقيون:
[الشر من نوعين – عقابي وجنائي – وليس الله مبدعا للشر الجنائي، بل إنما يتعرض الناس لعقوبات تندرج في عدالته.
ما هو إذن أصل الشر من الكذب والخديعة الموجه ضد الرجل والمرأة، ومن الاتهام الباطل ضد الله؟
بالتأكيد لم يكن من الله، فقد خلق ذلك الملاك صالحا، وأصبح شريرا بإرادته الخاصة]
Tertullian- Against Marcion, Book II ch.13-15
إذن ترتليان يؤكد أن الله ليس مصدرا للشرور ، لأنها هي نتاج الإرادة والإختيارات الحرة، وهكذا يفهم الشر العقابي كما فهمه بولس أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا، وهذا قطعا يعني أن عواقب الأفعال غير السليمة – ومن ثم الآلام الناتجة عنها – هي ثمرة الشر الذي يزرعه الإنسان بإرادة حرة، وهذا يدخل ضمن إطار العدالة حسب فهم ترتليان.
وكان أوريجينوس يرى أن الكوارث الطبيعية هي جزء من الثورة الشيطانية ضد الله وهكذا وضع أوريجينوس الشر الطبيعي في صورة شر أخلاقي ، لأن السقوط أدخل الاضطراب والموت والفساد إلى العالم.
وبالرغم من إختلاف الشر الأخلاقي عن الشر الطبيعي ، إلا أنهما يشتركان في نقطة واحدة جوهرية ، وهي أن الأنواع المختلفة للشر الأخلاقي والطبيعي لهما بعد أنطولوجي يتمثل في الفساد الجسدي ، والفوضى والموت. لأن هذا الشر الأخلاقي – ثمرة الاختيار الحر – لا يقتصر تأثيره على مرتكب الفعل ، بل يمتد ليطال من حوله. فالحروب والجرائم اليومية – على سبيل المثال – تخلف ملايين المعذبين والمتألمين جسديا ونفسيا.
ولتحليل الألم الجسدي ينبغي علينا التشديد أن الأرثوذكسية لا ترى في الجسد شرا بالطبيعة كما في بعض الفلسفات ، فالأفلاطونية مثلا ترى الجسد سجنا للروح ومصدرا للشرور، إلا أن الأنثروبولوجيا المسيحية ترى في الجسد البشري قيمة عظيمة لكونه عمل الله وصنع يديه ، وتتجلى هذه القيمة لاهوتيا في تجسد المسيح ، الذي هو بحق ضربة قاسمة لهذه الفلسفات والأفكار التي تحط من قيمة الجسد.
القديس غريغوروس بالاماس يوضح أن الجسد بريء بذاته :
[ نحن لا نجعل الجسد مذنبًا عن المشاعر وللأفعال ، بل العقل. لأنه لا شر في الجسد ، إذ الجسد من ذاته لا يفعل شيئًا، لأنه ليس شريراً – هو معبد الله]
P. G. Fougia, The teachings of Orthodox Christian sources on the human body, Athens, 1977, p. 145.
هنا لا يسعنا سوى التأمل في ما دونه الآباء ، ما كتبوه عن الآلام وقد إختلطت كلماتهم بدموعهم وآنينهم. فمثلا نجد أصدق التعبيرات عن الألم الجسدي فيما دونه القديس باسيليوس الكبير، الذى عانى ألما شديدا عبر عنه في رسالته لأوسابيوس الساموساطي:
[لقد فشلت قوتي الجسدية تماما، حتى أنني لم أعد أتحمل أدنى حركة دون ألم، ومع ذلك أصلي أن تنجز رغبتي بمساعدة صلواتك، رغم أن هذا الفشل في جسدي سبب لي صعوبات عظيمة]
ويقول في رسالته لكبير الأطباء ميليتيوس:
[أنا منقض، ومستنفذ بالحمى. فليس هناك ما يمكنها أن تتغذى عليه ، فتستمر في هذا اللحم اليابس كما في فتيل منتهي الصلاحية، فجلبت عليَّ هذا المرض المزمن الممل والمهلك، ثم تأتي أوجاع كبدي القديمة فتمنعني من الطعام وتحرمني من النوم وتضعني على حافة الحياة والموت]
وفي رسالة أخرى لميليتيوس يقول:
[ أولا أُحبَس بأمور دنيوية، ثم استُهلِكت بهجمات الحمى المستمرة والعنيفة حتى بدا جسدي أنحف مما أتصور- أنا أنخف من أي وقت مضى. بالإضافة إلى ذلك استمرت نوبات الملاريا لأكثر من عشرين مرة.
الآن أبدو خاليا من الحمى، لكني لست أقوى من خيط عنكبوت. لذا أقصر رحلة تبدو عيدة جدا ، وكل نسمة ريح أخطر عليَّ من أمواج عاتية لبحارة البحر. ليس بد من الإختباء في كوخي وانتظار الربيع، اذا استطعت أن أصمد حتى ذلك الحين، ولا يفتك بي المرض الداخلي الذي لم أغلبه قط. إن أنقذني الرب بيده القوية فسأفرح أن أهب إلى منطقتك النائية واحتضن صديقا عزيزا. فقط صلِّ من أجل أن ينظم حياتي كما يكون أفضل لصالحي الروحي.]
ولنا أيضا مثلا شديد التعبير في رسائل ذهبي الفم للشماسة أوليمباس ، يكتب إليها من منفاه ، موثقا معاناته وآلامه في جبال أرمينيا :
[ من أبواب الموت، أكتب إلى تواضعك ما يلي، كان الشتاء قارصا اكثر من المعتاد مما جعل معدتي تزداد سوءا، لقد عبرت هذين الشهرين وأنا لست أفضل من الميت. كل شيء كان كالليل بالنسبة لي. الليل والنهار ، الصباح والظهيرة كانوا عسيرين عليَّ، وبقيت محصورا في الفراش طيلة اليوم ، أتأمل آلاف الأمور ، لكني لم أتمكن في التخلص من أذى البرد.]
وكان غريغوريوس النيزينزي أيضا يعاني أتعابا جسدية مريرة ، وفي لحظة ألم عظيم خاطب المسيح:
[ آه يا مسيحي، لقد تعبت، أنت يا من هو نسمة البشر. آه لقد تعبت من القتال والدوار الذي يخلقه لي جسدي المعذب المتألم، الذي هو متحد مع نفسي. آه حياتي ومعانتها الطويلة ، واستمرار وجودي على الأرض أنهكني. حتى أوجاعي الداخلية وسهام الألم. أي شجرة سنديان تستطيع أن تصمد أمام هذه القوة من الرياح؟ وأي سفينة تصمد أمام هذا العدد من الامواج قبل أن تتشقق؟]
Migne, Patrologia Graeca 37,33, 1305
وكيف لنا أن ننسى آلام بولس، وشوكة الجسد، وما لاقاه من أهوالٍ لازمته في حياته حتى استشهاده؟
وإذا أدرنا دفة الحديث صوب الألم النفسي ، فلن تسعفنا الكلمات للتعبير عما يلاقيه المتألمون نفسيا ، وفي حقيقة الأمر أن الألم النفسي يرتبط ارتباطا عضويا بالألم الجسدي فالواحد منهما يقود إلى الآخر. وهنا لا يتسع لنا المجال لضرب أمثلة عن هذه الآلام لكن يمكنك عزيزي القاريء أن تفتح عينيك وتمعن النظر فيمن حولك لتبصر عواصف الوجع النفسي وقد طالت الجميع بصورة أو بأخرى ، والأصعب هو أن تنفتح على نفسك لترى ألمك الخاص وما هي مسبباته وما تركه من جروحٍ وندوبٍ في النفس!
وقد عبَّر القديس غريغوريوس النيزينزي بمرارة وصدقٍ شديدين عن الألم النفسي في رسالته إلى الخطيب أودوكسيوس:
[تسأل عن حالي؟ الأمور مُرّة جداً. باسيليوس ليس هنا ، ولا قيصريوس أخي الروحي والجسدي. تركني أبواي فأبكي مع داود. جسدي في حالة يرثى لها، الشيب فوق الرأس، أموري معقدة، هموم متداخلة، خيانة الأصحاب، كنيسة بلا رعاة. الخير نادر، الشر منتشر، أبحر في الظلمة ولا منارة في الأفق. المسيح نائم. ماذا سيكون مصيري؟ لي حل واحد ونجاة من الشر ـــ الموت!]
Migne, Patrologia Graece 37, 153.
وتختلف مسببات الألم النفسي ، قبعضها يكون الثمار المرة لإختياراتنا الحرة ، وبعضها يكون نتيجة لأفعال المحيطين بنا – الأهل والأصدقاء والزملاء- فنجني معهم الثمار المرة لإختياراتهم الحرة وأفعالهم التي تسوق علينا الألم النفسي!
وعلينا ألا نغفل ما تقوم به الشياطين وقوات الظلمة ضدنا ، فنجد ان ذهبي الفم يؤكد:
[هو العدو الذي لا يغير موقفه تجاه طبيعة الإنسان بل يقاتل بلا هوادة ويقيم حرباً غير معلنة ضد الجنس البشري.]
وقد علمنا المسيح ان نصلي ضمن الصلاة الربانية طلبًا للنجاة من الشرير.
إذاً فالأرثوذكسية لا تعلِّمنا أن الألم والشر يأتيان من الله تحت أي مسمى ، الأرثوذكسية تهتم بالإنسان وواقعه ووجوده فنجد الآباء يكتبون صراحة عن آلامهم دون مواربة ، ﻷن التعاليم السائدة وإنجيل الرخاء الذي تسلل إلينا عبر التأثيرات البروتستانتية، قد تسببت جميعها في تسميم الوعي القبطي ، وقد خَلَّفَت أجيالاً ناعمة كنعومة البروتستانتية تنظر إلى الله نظرة الطفل المدلل الي أب يحقق كل رغباته ويبعده عن المشقة والألم، وذلك بدلأ من الرجولة الأرثوذكسية التي تعترف بالألم وتقبله وتتعلم منه ولا تقف عنده.
البروتستانتية تقدم الله على أنه محقق رغبات وأنه يزيح الآلام عن كاهل الإنسان ، وحلت ثقافة المعجزة مكان الوعي بتدبير الخلاص ، وهذا إختزال مرير لواقعنا الإنساني فضلا عن كونه جهلا شديدا بأبسط حقائق التجسد. لأن التجسد هو ذروة العمل الخلاصي. ولا يمكن أن تنفتح أعيننا على سر الألم دون عدسة التجسد!
ﻷن المسيح دخل إلى عمق طبيعتنا التي أخذناها من آدم والتي ساد عليها الفساد والألم والموت ، وصارت له شركة في آلامنا كما صارت لنا شركة في آلامه ، وعوضا عن طبيعتنا القديمة التي كانت ستؤول إلى العدم بعد ان ساد عليها الموت ، أعطانا المسيح – فيه – الخليقة الجديدة ، واستعاد لنا – فيه – الصورة الإلهية التي فقدناها بالسقوط، وقد كان هذا إعلان إنتصار البشرية على قوى الخطية والفساد والموت. وترك لنا المسيح ثمار هذا الإنتصار في كنيسته – جسده الحي – وفي السرائر المقدسة.







