منذ ثلاث سنوات تقريبًا جلسنا في وسط البلد في القاهرة، أنا واحد من الأشخاص الذين تعرفت عليهم من خلال الفيس بوك، وهو غير مسيحي وكان وقتها في السنة الأولى كلية آداب قسم فلسفة.. ودار بيننا حوار طويل حول الإيمان المسيحي وطلب مني أن نسجل الحوار ورفضت في البداية ثم قبلت بعد ذلك طالما كل واحد …

منذ ثلاث سنوات تقريبًا جلسنا في وسط البلد في القاهرة، أنا واحد من الأشخاص الذين تعرفت عليهم من خلال الفيس بوك، وهو غير مسيحي وكان وقتها في السنة الأولى كلية آداب قسم فلسفة.. ودار بيننا حوار طويل حول الإيمان المسيحي وطلب مني أن نسجل الحوار ورفضت في البداية ثم قبلت بعد ذلك طالما كل واحد منا سيسجل الحوار ونسخة التسجيل بيننا مشتركة..

ملحوظة: بقلب في أشيائي القديمة على اللاب، فلقيت فايل عندي مكتوب عليه الجزء الأول من الحوار مع (….) كنت مفرغ فيه الجزء الخاص بالثالوث من الحوار ومفيش الجزء التاني تقريبًا، أو في فايل تاني هبقى أدور، ويكون حلو جدًا لو لقيت الحوار كله (أي التسجيل كله)، وهنا بشاركك بالجزء الأول، اما تقراه كله، او تتركه كله.

هو: بصراحة موضوع الثالوث دا موضوع مش منطقي بالمره، ولو حاولت تقولي هو فوق المنطق كشكل تعجيزي يمنعنا من التحليل والتفكير منطقيًا في الله، فأنا هقولك دا موضوع مش فوق المنطق، لكن عبء كبير على العقل والفلسفة، أن يكون الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، فدي استحالة منطقية، أن يكون الشيء نفسه وغير نفسه في الوقت نفسه وفي الجهة نفسها، دا يتناقض تمامًا مع مبدأ عدم التناقض العام، فمنطقيًا الواحد مش ممكن يكون ثلاثة، والثلاثة لا يمكن يكون واحد.

أنا: أعتقد أني متفهم كلامك، وبعيدا عن أن الثالوث مش خاضع لأي منطق دراسي بأي شكل من الأشكال، إلا أن بحسب الكنيسة واللاهوت الأرثوذكسي إحنا مش بنقول أن الله طبيعته عبارة عن جوهر واحد في ثلاثة جواهر، ولا بنقول أن الله أقنوم واحد في ثلاثة أقانيم، ساعتها الصيغتين دول يحققوا كلامك عن الشكل المنطقي اللي بتتكلم بيه.. لكن إحنا بنقول: الله واحد في الجوهر وثلاثة في الأقانيم.. ودا معناه أن واحد من جهة الجوهر، وثلاثة من جهة الوجود الشخصاني داخل الجوهر الواحد، فهنا إحنا مش بنستخدم المفهوم الواحد في المعنى نفسه، فالجوهر غير الأقنوم.. وكل أقنوم حامل لكل الجوهر الإلهي.. فالشخوص الإلهية واحدة في نفس الجوهر..

هو: دا تعقيد مبالغ فيه، ولو أنت مش شايف أنه ضد تعريف المنطق فهو بيؤدي لاستحالة ميتافيزيقية، والاستحالة دي لا تقر الوحدة اللي أنت بتتكلم بيها، فاستحالة الواحد يكون متعدد إلا بالتركيب أو التقسيم، وهنا لا يمكن أن تتحقق الوحدة.. فاعتقد مفيش مفر من أن الثالوث غير منطقي وغير فلسفي..

أنا: عظيم الكلام دا، أنا بحاول أمشي معاك مش أكتر، لكن حتى الآن أنت مطلبتش مني أن أشرح الثالوث بحسب الإعلان الإلهي للكنيسة أو بحسب إيماني، وبالتالي أنا هنا في محل إجابة على أسئلتك أكتر من محاولة أن أشرح إيماني انطلاقًا من الإعلان مش انطلاقًا من أسئلتك..

هو: هل دا معناه أنك مش شايف أسئلتي موضوع أهمية أو يمكن تجاهلها على أساس الإيمان؟

أنا: لا إطلاقًا!.. أسئلتك حق مشروع والبداية اللي بتنطلق منها حقك تمامًا، لكن أنا مقدرش اعتبر نفسي دارس للمنطق والفلسفة كتخصص، وبالتالي ممكن تقع مني معاني كبيرة لمصطلحات محددة في كلامك انطلاقًا من دراستك للفلسفة ومن قبل ما تدخل الكلية كمان زي ما أنت قلت..

هو: وأنا بحترم دا عندك، فلو في حاجة مش واضحة فلسفيًا ليك أنا ممكن أشرحها لك وأثبتلك عدم اتساق الثالوث معاها..

أنا: تمام، شكرًا لتفهمك.. خلينا نرجع تاني للنقطة اللي وقفنا عندها، لأني حاب انطلق من النقاط اللي أنت بتطرحها مش كمدافع عن الثالوث، ولكن كشخص بقول ما هو إيماني بالثالوث..

هو: معلش هقاطعك، أنا شوفت كذا حاجة عندك بتقول أن عندك مشكلة مع اللاهوت الدفاعي، إيه مشكلتك مع اللاهوت الدفاعي؟

أنا: دا موضوع تاني وممكن نتكلم فيه بعدين، ويمكن يتضح ليك مشكلتي مع اللاهوت الدفاعي لما تشوف إجابتي اللي هي مش دفاعية بالمره، لأنها بتنطلق من الإعلان الإلهي للكنيسة، انا مهتم اشرح ايماني مش ان اقنعك به.

هو: تمام، كمل..

أنا: إحنا تقريبًا وقفنا عند نقطة أنك بتشوف أن الثالوث استحالة منطقية، وأنت رفضت أن أقول فوق المنطق كتعجيز يمنعك من أنك تفكر وتحلل، وجاوبتك على دا، قلت أننا كدا ما معناه أن الثالوث هيمنعنا نتفلسف كمان لأن إجابتي كانت بتمثل ليك استحالة ميتافيزيقية، واللي أنت لخصتها: أن الواحد لا يمكن أن يتعدد إلا بالتقسيم أو التركيب. أعتقد دا الفكر الأرسطي بتاع الجوهر والعرض، فإما الله واحد بسيط مطلق لا تعدد فيه، أو الله واحد متعدد وأقانيمه أعراض لجوهره ودا تقسيم في الجوهر الإلهي أو تركيب. هل كدا أنا فاهم صح؟

هو: بالضبط.. أنت كدا فاهمني، ومتحمس أن أسمع رأيك أو إجابتك..

أنا: عظيم، محاولة إثباتك للاستحالة المنطقية، والاستحالة الميتافيزيقية بطريقتك، دي مش ضد وعي الكنيسة بالثالوث، بل على العكس تمامًا الكنيسة ممكن تتفق معاك بشكل أوضح من طريقة عرضك، يعني على مستوى الكنيسة في شرحها للثالوث، انتحار للمنطق الصوري أو الميتافيزيقيا بتاعت أرسطو إن حصل محاولة لفهم الثالوث بإحدى الطريقتين..

هو (مقاطعًا وبشكل فيه تحدٍ مبطن): تمام اشرح

أنا: ما أنا لسه هكمل اهو، اصبر بس علي.. أنا كنت جاوبتك بخصوص نقطة المنطق أن الاستحالة المنطقية مش حقيقية، وفي الوقت ذاته لم أثبت الثالوث منطقيا..

هو (مقاطعًا، وبحماس): برافو، كنت هقولك كدا، أنت مقولتش أي منطق حتى لو بتحاول تقول أن الثالوث مش ضد المنطق..

أنا: هتقعد كدا تقاطعني كتير، مش هعرف أكمل الكلمتين اللي عندي، افتكر أن دي مش قعدة مقارنة أديان ولا قعدة دعوة للإيمان المسيحي، ولكن دي قعدة محبة وانت اللي طالبها مش انا، فبنتشارك فيها أسئلتك وإجابتي انطلاقًا من إيماني وفقط بدون منافسة ولا صراع ولا تحدي ولا محاولة اقناع حد للتاني، فأنا لا بقنعك ولا هاممني أنطلق من عندك، ولكن اخترت بحرية أن أبدأ بإجابة أسئلتك لأنها في الغالب هتوصلني لنفس النقطة اللي عايز أبدأ فيها من عندي.. فهتقاطعني تاني نقوم نمشي بقي..

هو: هههههه، خلاص ميباقش دمك حامي كدا.. خد راحتك..

أنا: تمام، قلتلك أن نقطة المنطق حاولت أجاوبك أن الموضوع مش ضد المنطق ومع ذلك ما ثبتش أن الثالوث منطقي.. تمام؟

هو: اخاف اقولك تمام، تقولي بتقاطعني ههههه

أنا: ما خلاص بقي هنقعد نمسك في الكلمة كدا؟، خلينا نكمل… لو كنت منتظر أن أثبتلك منطقية الثالوث، فانت بتنتظر مني حاجة عكس إيماني على طول الخط. بالنسبة لي يكفي جدًا أن أقولك إنه مش ضد المنطق، ولكن محاولة إثباته منطقيًا دي محاولة انتحار. عشان كدا إيمانيًا ودي اتقالت كتير من آباء الكنيسة شرقا وغربا بطرق مختلفة، وكمان أعتقد قالها فلورفسكي إن الثالوث حجر عثرة للمنطق البشري.. فأي محاولة لقول أن الثالوث يتوقف عند المنطق دي محاولة لشرح أمر آخر غير الثالوث وغير طبيعة الله، وهنا أقدر أقولك أن الشرح المنطقي ضد التنزيه وأعتقد أنك توافقني جدًا انطلاقًا من الفلسفة وانطلاقًا من إيمانك كمان بالله بكونه منزه.. فانا مش هديك منطق، يكفي أن أقول إنه مش ضد المنطق ولكن يتجاوزه.. فالمنطق من جهة الوحدة مش هيتحقق إلا بشكل رياضي أن واحد = واحد، وهذا ليس الله، لأن الله في إيماننا ليس واحد عددي رياضي، أو يتحقق من خلال الوحدة المركبة أو القابلة للتقسيم زي الإنسان كدا ما هو مكون من نفس وجسد.. أو حتى الجسد نفسه مكون من مجموعة أعضاء.. وهذا أيضًا ليس الله الثالوث.. فمن جهة المنطق الصوري بحسب تعريفك من بدري، الثالوث مش ضده، ولكن في الوقت نفسه مقدرش أقول أن بالمنطق الصوري أقدر أثبت الثالوث، ومره تاني لو دا حصل يبقى بتكلم عن شيء آخر أو طبيعة أخرى غير طبيعة الله، لأن ساعتها هكون قادر أحتويه في منطقي الشخصي! وربما يصير منطقي الشخصي أكثر ألوهية من الله نفسه، وهذا منطق في سياق الكلام عن اللاهوت والتنزيه.. (هو: يضحك، أنا أيضًا أضحك، هو: كمل).. فهنا الكلام عن الله الواحد في اللاهوت الأرثوذكسي ليس كلامًا عن واحدية حسابية ولا واحدية مركبة، ولكن عن واحدية علاقاتية، في هذا السياق أقدر أقول أن الثالوث هو نهاية المنطق الصوري وبداية انفتاح الإنسان على الإعلان الإلهي داخل الكنيسة، بداية الانفتاح لتكوين المنطق الكنسي الذي ينطلق من الإعلان الإلهي ودا حق مشروع جدًا، لأن الإيمان هو خبرة جماعة مع الله ولا يمكن البرهنة عليها بشكل منطقي تمامًا ولا بشكل فلسفي تمامًا ولا حتي بشكل تاريخي تمام (وهنا تقدر تفهم بعض من اعتراضي علي اللاهوت الدفاعي الحالي)، ولكن هنا المنطق والفلسفة خادمان للكنيسة والكنيسة في كل آبائها نجحت في هذا لأنهم لوجوسيين ناطقين بالكلمات الإلهية بل ومن حقهم إكمال الفلسفة، لتصبح الأرثوذكسية هي كمال الفلسفة والحكمة الإلهية، أو هي ما عجزت عنه الفلسفة.. هنا في منطق الكنيسة؛ الواحد الالهي الذي يملك وجوده ويخلق لا يتحقق إلا في الشركة، في العلاقات، في تبادل الحب والعطاء.. وهنا لا نستطيع أن نعبر عن الله إلا بكونه محبة، وهذا ما عجز عنه التوحيديون المنكرون للشركة ليكون الله على صورة نرجسيتهم..

هو: يضحك، ما بلاش طيب الكلام اللي في وصم دا، عشان مقولكش لا تعايرني ولا أعايرك..

أنا: أنت بتقاطعني تاني؟ يلا بينا نمشي بقي..

هو (يضحك): كمل..

أنا: هنا الثالوث كشف لنا كلنا أن الوجود لا يمكن أن ينضج أو يتحقق إلا في الشركة..

هو مقاطعًا: معلش، آسف على المقاطعة بس سؤال جانبي، هل قريت لهيدجر؟ مارتن بوبر؟ ليو شتراوس؟

أنا: مقريتش لهيدجر بس عندي وعي بسيط عنه، قريت مارتن بوبر (أنا وأنت) من وقت كبير، مقريتش ليو شتراوس.. ليه؟

هو: بتتكلم كأنك قارئ ليهم

أنا: صدقني، أحيانًا بحب مقاطعتك وأحيانًا مش بطيقها لأنها بتفصل خط الأفكار والتسلسل اللي في ذهني..

هو: هههه، إمتى بتحبها طيب عشان أكون عارف وأقاطعك في الوقت المناسب..

أنا: هههه، لا، ما أنت مش هتعرف إمتى، لأن مش هتعرف إمتى مقاطعتك ليَّ، بتسلمني للنقطة اللي بعدها وتكون في سياق خط أفكاري، وكأنك بتمسكني طرف خيط الجزء اللي بعده بحسب التسلسل اللي في ذهني وربما كمان أكتر من كدا بأنك بتكون مُلهم ليا احيانًا، فانت ليك مرتين تقاطعني بدون ما أقوم أمشي ههههه

هو: ههههه، طيب كمل، أوعي تكون نسيت طرف الخيط..

أنا: ههههه، لا اطمن.. على سبيل ذكرك لهيدجر، ومارتن بوبر، وليو شتراوس، هما دول مش فلاسفة برضو ولا أنا غلطان ههههه؟

هو: اه، فلاسفة.. وتقريبًا عارف طرف الخيط اللي هتتكلم منه..

أنا: جدع، إحنا تقريبًا قفلنا النقطة المنطقية بشكل تفصيلي إلى حد ما، فهنتكلم على النقطة الفلسفية والاستحالة الميتافيزيقية..

هو: فهمتك وكمل ماشي..

أنا: زي ما أديتك ملخص بسيط أن الثالوث مش ضد المنطق مع التأكيد على عدم إثباته منطقيا، وأنا طبعا ضد كل المحاولات اللي بتعمل كدا (شبه محاولات اللاهوت الدفاعي في امور كتييير)، لأن دا فعلا زي ما قولتلك ضد الإعلان الإلهي وضد التنزيه وضد المنطق نفسه، ولكن المنطق الكنسي مش بيبدأ من المنطق الصوري ولكن بيبدأ من الإعلان الإلهي للكنيسة، واتكلمنا في دا بتفصيل أكتر، وأديتك كمان ملخص بسيط عن موضوع الاستحالة الميتافيزيقية، هنا بقي وضوح تام أن الثالوث لا يخضع لأي فلسفات بشرية، بل ربما الوعي بالإعلان الإلهي اللي بالمناسبة لما بأكد أنه جوا الكنيسة، ففي الوقت نفسه بأكد أن الكنيسة كونية، فمفيش حد أي كان دينه أو إيمانه أو حضارته محروم من هذا الإعلان الإلهي. ليه بقول كدا؟ عشان في الوقت اللي أقول فيه أن الثالوث لا يخضع لأي فلسفات بشرية، أقول في الوقت ذاته أن ربما الفلسفات البشرية في تطورها في سياق الإعلان الإلهي وخلق الإنسان على صورة الله ومثاله بحسب اللاهوت الأرثوذكسي، يقدر الإنسان يوصل بفلسفته للوعي ببعض من ذهنية آباء الكنيسة وربما لذهنيتهم بشكل كبير، ودا يقول أن الإعلان الإلهي للكنيسة الكونية مش لمبنى كنسي معين.. فذات الإعلان الإلهي اللي بتكلم منه، وفي الوقت نفسه أنت ذكرت أن كلامي شبه كلام هيدجر مثلا أو مارتن بوبر أو ليو شتراوس ودول فلاسفة، وهيدجر فيلسوف وجودي، وأعتقد كمان بوبر فيلسوف وجودي، لكن معرفش في الحقيقة ليو شتراوس.. فهنا في الحقيقة أنا لا أستنكر على أي إنسان الوصول للإعلان الإلهي في ذاته أولًا لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله، أي كانت ديانته أو توجهه الإيماني.. فهنا الاستحالة الميتافيزيقية لا تحبس الثالوث، ولا نقدر نستخدمها كمقياس لشرح الوحدانية العلاقاتية والشخصانية في الثالوث الواحد الغير منقسم والغير متجزء وغير المستحيل وغير المدرك.. هنا نهاية الميتافيزيقيا على إيدين الوجودية، او اعادة صياغة الميتافيزيقيا وجوديا، لاننا مش هنبات عندي ارسطو يعني ..

ولكن أنا عندي وجودية أخرى أكثر شفاءً وأكثر تعبيرًا وهي كمال الوجودية، وهي وجودية الكنيسة، وجودية اللاهوت الأرثوذكسي، هنا الفلسفة الأرثوذكسية (إن جاز أن نسميها فلسفة للوجود الحقيقي أو طريقة تعبير عن الوجود في حقيقته كما خلقه الله في مسيرة داخل التاريخ لتحقيق كماله بتجسد الكلمة) تتجاوز كل التحديدات الفلسفية الأخرى، هنا الفلسفة الأرثوذكسية لما بتستخدم جوهر وأقنوم وطبيعة .. إلخ، فكل هذه المصطلحات تخاطب فلاسفة في عصرها وهي وعاء للإعلان الإلهي دون أن يحوي هذا الوعاء كل الإعلان الإلهي، ولكنها محاولة للشرح والجسور تجاه الآخرين، ولكن حتى هذه اللغة لا تصل إلى الوعي السليم للكنيسة إن تم إخضاعها لأي فلسفة أخرى أو استخدام مثلا لفظة جوهر بطريقة الفلسفة الأرسطية، لأن آباء الكنيسة أعادوا شرح كل هذه المصطلحات في ضوء الإعلان الإلهي، ودي اللي بنسميها تعميد الفلسفة واللغة، فعشان نريح دماغنا فلسفيًا ممكن نترك لغة الجوهر تمامًا لأنك هتروح بيها بعيد أنت، ونعيد صياغة الأمر كالآتي: أن الله أعلن عن نفسه كعلاقات وشركة في كيانه الإلهي، هذه العلاقات لا تنفصم ولا تفقد شخصانيتها ولا تتحول ولا تقسم طبيعة الله ولا تفقد وحدتها.. دا عصي على الفهم أكيد، وعشان كدا أنت بتطلب برهان أو إثبات أو صحة لإيماني، هقولك مستحيل أكلمك منطقيًا وفلسفيًا بشكل اصطلاحي يجننا إحنا الاتنين، أنا أقدر أقولك مفيش استحالة منطقية ولا استحالة فلسفية في المطلق، لكن في عجز بالتأكيد، عجز منطق وعجز فلسفة وعجز لغة بشرية في العموم، وهذا يحقق الثالوث والتنزيه الإلهي، لا يلغيه ولا يحاول إخضاعه لتصور ما.. هنا الاستحالة الميتافيزيقية ممكن متكونش استحالة لو حولناها من منطلق الجوهر والعرض لمنطلق الشركة والعلاقات، بمعنى أن الثالوث لا يلغي الميتافيزيقا في المطلق، ولكن يعيد صياغة مفهومها من الجوهر والعرض للحب والعلاقات، ومن البساطة الواحدية الغير متعددة، إلى البساطة الإلهية الكائنة على الشركة دون تقسيم في الجوهر..

هو: دا هيفدني في إيه، أو بشكل تاني دا مهم في إيه لحياتي؟

أنا: ويعني اعتراضك الفلسفي والمنطقي كان بيفيد حياتك في ايه؟ أنا انطلقت معاك من اعتراضاتك رغم أنه صعب أعمل كدا مع أي شخص بيبدأ من معطاياته الخاصة اللي ربما تتعارض مع معطياتي تمامًا، ولكن لأن حسيت أن اعتراضاتك ممكن تمسكني طرف الخيط اللي هبدأ منه ومن معطياتي أنا كمان كإنسان أرثوذكسي كنسي أنمو في هذا بشكل مستمر فقولت ماشي نكمل، ومع ذلك فهو يفيد حياتك جدًا…

هو: أحب أسمع

انا: الثالوث كشف أنثروبولوجي لخلقك، وكشف أنطولوجي لمسيرتك نحو تحقيق الخلق في حياتك، من غير ما تقاطعني هقولك إزاي… إيماننا بأننا مخلوقين على صورة الله ومثاله، يخلينا دائمي السعي لمعرفة من هو الله؟ عشان مش هنعرف من نحن لو معرفناش أصلنا، والإعلان الإلهي بيقول إننا مخلوقين على صورته ومثاله… طيب المعرفة عن الله دي، معرفة تعجيزية للإنسان، وخصوصًا أننا شبه متفقين بطريقة أو بأخرى على التنزيه الإلهي أن الله منزه حتى عن المعرفة، طيب إزاي هنعرفه؟ محتاجين كشف منه شخصيًا، هذا الكشف توفر لنا كمسيحيين وكأرثوذكس في فهم هذا الإعلان بأن الله تجسد، الله صار إنسان، حتى يصير الإنسان متحد بالله وبالتالي يتحقق التصميم الأول للخلق في الاتحاد بالله كغاية، ويتحقق للإنسان معرفة ذاته انطلاقًا من أصل الصورة،

هنا التجسد الإلهي كشف للإنسان عن الله وبالتالي كشف للإنسان عن نفسه كمخلوق على صورة الثالوث، الإنسان هنا عرف أنه كائن ثالوثي على صورة الآب في الأبوة وعلى صورة الابن في البنوة وعلى صورة الروح القدس في الحركة والحياة، وهذا ليس تقسيمًا للثالوث وليس فقدانًا للشخصانية أو تحويل الله لمجرد صفات لشخص واحد، ولكن هذا شرح بسيط أدرك به كياني. هنا النظرة الأنثروبولوجية لا يمكن أن تُفهم إلا في الوعي بالثالوث، وهنا الإنسان يدرك أن ثالوثه الداخلي هذا لا يتحقق إلا في العلاقات وأولهما الأسرة، ففي الأسرة نرى الطبيعة الإنسانية في الأب والأم على صورة أبوة الآب ونرى البنوة في الأبناء في صورة الابن ونرى الروح القدس في تفاعل الأسرة وحركة الحب الحية بين كل العلاقات المتبادلة في الأسرة الواحدة، هنا يتحقق الوعي بكوني كائن ثالوثي، كياني لا يدرك الوجود والحركة والحياة إلا في علاقات، وهذه النظرة الأنثروبولوجية وكمالها في إنسانية يسوع المسيح حيث وحد في شخصه الواحد طبيعته الإنسانية وطبيعتنا كلنا مع لاهوته.

أما عن النظرة الأنطولوجية فهناك مسيرة تنمو تجاه الله بالوجود الحقيقي وعدم الخروج عن الخلق الإلهي باختراعات فاسدة، وعند الخروج عن الخط دا يحصل كل التصورات الفاسدة عن الألوهة نفسها اللي بتنطلق من أمراض الإنسان اللي عمل لنفسه وجود مغاير وخرج عن التصميم الإلهي في محاولة خلق خاصة به مغايرة لخلقه على صورة الله.

فهنا بقي إزاي ما يبقاش فيه فائدة للوعي بالثالوث؟ دا كل الفايدة، لأنه هو “حياتنا كلنا وخلاصنا كلنا ورجاؤنا كلنا وشفاؤنا كلنا وقيامتنا كلنا”، ودي بنصليها في القداس قبل قراءة الإنجيل… وعشان تبقى فاهم، دي مش فائدة براجماتية، دي فائدة وجودية، لأن الوجود كله بالنسبة لنا منحة وعطية مجانية، فابعد ذهنك عن موضوع الفائدة التجارية والمقايضات، لأن الثالوث هو مجانية العطاء والحب والشركة…

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *