«اليومُ الجحيمُ تأوهت صارخةً: لَقَد كانَ الأجدرُ بي أن لا أقبلَ المولودَ من مَريم..  لأَنَّهُ لمَّا أقبلَ نحوي حَلَّ اقتداري ..   وسَحَقَ أبوابي النحاسيَّة..  وأنهضَ النفوسَ التي كُنت استوليتُ عليها .. بما أنَّه الإله.»    خدمة السبت العظيم - التقليد البيزنطي    استعرضنا في الجزء الأول من هذا المقال عدة جوانب لاهوتية متصلة بنزول المسيح إلى الهاوية، هذه التي حفظتها لنا ليتورجية الكنيسة وأيقونة القيامة، وتَبَيَّنَ لنا أن المسيح لم يقف أمام آدم كمعلّمٍ يرشده إلى طريق الخلاص من الخارج، ولا كبديلٍ تُستنفَذ فيه عقوبة قانونية كما فهم الغرب! بل …

«اليومُ الجحيمُ تأوهت صارخةً: لَقَد كانَ الأجدرُ بي أن لا أقبلَ المولودَ من مَريم.. 
لأَنَّهُ لمَّا أقبلَ نحوي حَلَّ اقتداري ..  
وسَحَقَ أبوابي النحاسيَّة.. 
وأنهضَ النفوسَ التي كُنت استوليتُ عليها .. بما أنَّه الإله.» 

 
خدمة السبت العظيم – التقليد البيزنطي 

 

استعرضنا في الجزء الأول من هذا المقال عدة جوانب لاهوتية متصلة بنزول المسيح إلى الهاوية، هذه التي حفظتها لنا ليتورجية الكنيسة وأيقونة القيامة، وتَبَيَّنَ لنا أن المسيح لم يقف أمام آدم كمعلّمٍ يرشده إلى طريق الخلاص من الخارج، ولا كبديلٍ تُستنفَذ فيه عقوبة قانونية كما فهم الغرب! بل كمخلّصٍ نزل إلى الموضع الذي انطرح فيه آدم بلا حراك، وأمسكَه وأقامه وأعاده إلى مسار شركة الحياة الإلهية الذي كان قد خرج عنه قديماً بالسقوط.
يدُ آدم الممدودةُ في الأيقونة هي علامةَ استجابةٍ بشريةٍ لاقتحامٍ إلهيٍّ مدوٍ. ذلك لأن المسيح هو الذي دخل أولاً إلى الهاوية، وهو الذي حطَّم الأبواب، وهو الذي أضاء الظلمة، لذلك فإنَّ قيامةَ الجميع فيه كانت هي غايةُ الفعل الخلاصي ذاته، كما تعلن لنا النصوص الفصحية الأرثوذكسية – مراراً وتكراراً – أنه قد قام لكي يرفع آدم ويطلق الأسرى ويهب الحياةَ للذين في القبور. 

ولعلَّ أجملَ ما تكشفه الليتورجيا القبطية في عيد القيامة أنَّها لا تُرتِّل القيامةَ بوصفها مشهدَ خروجٍ مجيدٍ من قبرٍ مغلقٍ وحسب، بل بوصفها اقتحاماً للموتِ في عُقرِ داره، ونزولًا إلى الجحيم ذاتِه، حيث بلغ المسيحُ إلى الموضعِ الأشدِّ ظلمةً في مأساةِ الإنسان لكي يُبيدَ الموتَ من الداخل. هكذا تنشد ذكصولوجية القيامة أنَّه «بقوته أبطل الموت»، وأنَّه «مضى إلى الأماكن التي أسفل الأرض»، وأنَّ بوّابي الجحيم رأوه فخافوا، وأنَّه سحق الأبوابَ النحاس وكسر المتاريسَ الحديد وأخرج مختاريه بفرحٍ وتهليل! وكأنَّ الكنيسةَ تريد التشديد على أنَّ القيامةَ لم تبدأ عند القبر الفارغ، بل في أحشاءِ الهاوية نفسها، يوم دخلها مَن لا تستطيع أن تحبسه، فارتجفت أبوابُها وتصدَّعت متاريسُها وانفرجت قبضتُها عن آدمَ وبنيه. وهذا بعينه ما تعلنه أيضًا قسمةُ القيامة في التقليد القبطي حينما تشهد الكنيسة عن طبيعة عمل المسيح الخلاصي فتُصلّي:

«الذي من قبل صليبه نزل إلى الجحيم ورد أبانا آدم وبنيه إلى الفردوس… 
ودفننا معه .. 
بموته أبطل عز الموت .. 
وفي ثالث يوم قام من الأموات. » 

هنا لا تعود القيامة حادثةً تخصُّ المسيحَ وحده، بل تصيرُ فعلاً كونياً ينتزع فيه المسيح الإنسانَ من بين أنياب الموت، ذلك الفعل الفريد الذي يُعيد للطبيعةَ التي سقطَت إمكانية الحياة من جديد. وكما أوضحنا في المقال السابق أن بطرس شهد أنَّ نفس المسيح لم تُترك في الهاوية، وبولس أعلن أنَّ الذي صعد هو نفسُه الذي نزل أولاً إلى أقسام الأرض السفلى (أفسس 4 :9)، والرسول كتب أيضاً أنه ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، والمقابلة بين الصعود والنزول تعني أن بولس لم يكن يشير إلى القبر وإنما يشير إلى الهاوية نفسها التي اقتحمها المسيح ليبشر للمأسورين بانعتاقهم من سلطان الموت.

ويحاول البعض أن يجادل في معنى أقسام الأرض السفلى محاولاً الإيهام بأنها هي الأرض التي نعيشُ عليها ،في إشارة خادعة إلى القبر لا الهاوية!
وهذه قطعاً محاولة يائسة لتكريس خداع البصر الذي وقع فيه اللاهوت الغربي، الذي وقف بلا حراكٍ عند الجلجثة وقد رأى فيها ذروة العمل الخلاصي كموضع تنفيذ الحكم القانوني من الآب على الإبن ، وهي النظرة شديدة التشوه التي أتت بها لبدلية العقابية التي تمثل حجر زاوية اللاهوت الغربي، بينما أرثوذكسياً لا يمكننا أن نفهم طبيعة ما تم في الجلجثة دون أن ندرك ما دار في الهاوية نفسها، أو كما نصلي في القداس الباسيلي: 


«أسلم ذاته فداءًا عنا إلى الموت الذي تملك علينا
هذا الذي كنا ممسكين به مبيعين من قبل
خطايانا ..
نزل إلى الجحيم من قِبَل( بواسطة) الصليب.»

 

فالقضية الحقيقية هي سيادة الموت وخلاصنا من ظغيانه الذي تملَّك علينا. ومن ثمَّ فإن نزول المسيح إلى الهاوية لم يكن من أجل تسوية قانونية بل لإنهاء هذا السلطان الغاشم وتحرير طبيعتنا فيه، فالجلجثة لم تكن ساحة قضائية نشهد فيها تنفيذ حُكمٍ وإغلاق ملفٍ قانونيٍّ، بل كانت ساحة معركة بين الحياة والموت، فيها ينتصر المسيح -لنا ولحساب طبيعتنا- على الموت والفساد والهاوية.

والحقيقة أن نص (أفسس 4 : 9) مأخوذ من (مزمور 63: 9) (أما الذين هم للتهلكة يطلبون نفسي، فيدخلون في أسافل الأرض)
وقد أكد الرسول بولس نفسه صحة هذا التفسير في رومية 10 : 7 “مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟ (أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ)”. ومن الواضح هنا أن بولس يذكر ويعني موضع الموت والأموات الذي نزل إليه المسيح أي الهاوية، وعندما نزل المسيح إلى أقسام الأرض السفلى أو الهاوية، صار له سلطان على الذين تحت الأرض (فيلبي 2 : 10) وتعبير “تحت الأرض” هو تعبير كلاسيكي قديم يستخدم للإشارة إلى الجحيم.

 

وهنا أيضاً تتكشَّفُ لنا واحدة من أغنى وأعمق أوجه التدبير، وهي الصلةُ العميقةُ والكيانية بين نزولِ المسيحِ إلى الجحيمِ وبين سرِّ المعمودية. فالمعموديةُ في الوعي الأرثوذكسي، ليست طقساً شكلياً ولا هي مجرَّد علامةٍ على الانتماءِ الكنسي، بل هي إدخالُ الإنسانِ نفسَه في هذا المسارِ الفصحيِّ عينه، أي نزولٌ مع المسيحِ إلى الموت والهاوية، وعبورٌ معه من الظلمةِ إلى النور، وقيامٌ فيه إلى جدةِ الحياة. لهذا يشهد بولس أنَّنا دُفنَّا معه بالمعمودية للموت (رومية 6 : 4) ، لا لكي نُحاكي موته على نحوٍ رمزيٍّ، بل لكي ندخلَ فعلياً وكيانياً في سلطانِ موته المُحيي، ذاك الموتِ الذي كان في حقيقتِه غزواً للموتِ نفسه. فحين يُغطَّسُ الإنسانُ في جرنِ المعمودية فهو ينزلُ سرائرياً إلى ذلك العمقِ الذي نزلَ إليه المسيحُ من أجلِه، ويُسلَّمُ إلى الفعلِ الخلاصيِّ الذي اقتحمَ الجحيمَ وردَّ الإنسانَ إلى الفردوس. لذلك لا تنفصلُ المعموديةُ في اللاهوتِ الأرثوذكسيِّ عن القيامة، لأنَّها لا تنفصلُ أصلًا عن النزولِ إلى الموت، فالذي لا يموتُ مع المسيح لا يقومُ معه، والذي لا يهبطُ معه إلى موضعِ انكسارِ الطبيعة لا يشتركُ معه في تجديدِها. إنَّ جرنَ المعمودية، بهذا المعنى هو الصورةُ الأسراريةُ لنزولنا مع المسيح إلى الهاويةِ وقدْ ملأها نوراً، وللقبرِ وقد صار رَحِماً لخلقةٍ جَدِيدَةٍ. 

ولا عجبَ بعد ذلك أن ترتبطَ المعموديةُ في التقليدِ الفصحي القديمِ بليلةِ القيامةِ نفسِها، حيث كانت سهرة الفصح مخصصة على نحوٍ مميز لعماد الموعوظين، وفي هذا تعبيرٌ بالغُ العمقِ عن فهمِ الكنيسةِ لطبيعةِ السر، لأن الداخلُ إلى المعموديةِ إنما يدخلُ إلى موتِ المسيحِ الظافر، ويلتحم في نزولِه إلى الجحيم، ويخرجُ من الماءِ حاملًا عربونَ القيامة. ومن هنا نفهمُ لماذا تُصرُّ الكنيسةُ على أنَّ المسيحَ لم يأتِ فقط ليُعلنَ للإنسانِ أنَّ الموتَ قد هُزم، بل ليُدخلَ الإنسانَ ذاته في خبرةِ هذه الغلبة. فلو ظلَّ نزولُه إلى الجحيمِ حدثًا يخصَّه وحدَه، لبقيَ حدثاً نعجب به من بعيد، أمَّا إذ صار هذا النزولُ باباً أسرارياً ندخلُ فيه – كيانياً – بالمعمودية، فإنَّه يتحوَّلُ من مشهدٍ تأمُّليّ إلى نقطةِ تحول وجودية وحياةٍ نشتركُ فيها.  

وكما أوضحنا فاللاهوتُ الأرثوذكسيُّ لا يفهمُ نزولَ المسيحِ إلى الجحيمِ على أنَّه تحرّكٌ موضعيٌّ في جغرافيا العالمِ السفلي، بل على أنَّه الامتدادُ الأقصى للتجسد نفسه. فالكلمةُ لم يَصِر جسداً لكي يلامسَ ظاهرَ الطبيعةِ البشرية، بل لكي يتحد بها كلها فيدخلَ إلى عمقِ خرابِها، إلى حيثُ بلغَ فسادُها ذروتَه في الموت. ومن ثمَّ فالنزولُ إلى الجحيم ليس عملًا زائداً على التجسد، بل هو تمامُ استعلانه، لأن ذاك الذي اتَّحدَ بطبيعتِنا حقًّا، وذاقَ موتَنا حقًّا، لم يكن يمكن أن يقفَ عند عتبةِ الجحيمِ من الخارج، لأنَّ الاتحادَ الحقيقيَّ لا ينجزُ الخلاصَ من بعيد. لقد دخلَ المسيح إلى مصيرِنا كلِّه وإلى جراحنا القاتلة عينها، ولهذا فإنَّ غلبتَه للموتِ لم تكن حُكماً قضائياً أُعلنَ عن الإنسان أو نيابةً عنه، بل أن هذه الغلبةُ هي عينها فعلُ حياةٍ أُدخِلَ في لحمِ الإنسانِ ودمِه، حتى صارت الطبيعةُ التي اتَّحدَ بها المسيح ممرًّا لعبورِ الحياةِ إلى الجنسِ البشريِّ كلِّه… 

وعليه، فإنَّ المعموديةَ لا تُفهَمُ بكونها مجرَّد بطاقة عضوية تتيح لحاملها حق الدخولِ إلى جماعةِ المؤمنين، بل هي اشتراكٌ حقيقيٌّ في هذا التدبيرِ الفصحيِّ كلِّه، في النزولِ، وفي القبرِ، وفي القيامةِ، وفي استردادِ الفردوس وشركة الحياةِ الإلهيةِ. وهي بالتالي دخولُ الإنسانِ في المسيحِ بحيثُ يغدو ما فعله المسيحُ لأجلِ الطبيعةِ البشريةِ واقعاً مُعطى لهذا الإنسان بالنعمة. فكما أنَّ المسيحَ دخلَ إلى ظلمةِ الجحيمِ ليملأَها من نورِ لاهوتِه، كذلك يدخلُ المُعمَّدُ إلى ماءِ الموتِ الرمزيِّ ليخرجَ حاملًا في جسدِه عربونَ الحياةِ الجديدة. وعلى هذا الأساسِ وحدَه يمكن فهمُ الهتافِ الفصحيّ الأرثوذكسيِّ فهماً حقيقياً…

«المسيحُ قام من بين الأموات، ووطئَ الموتَ بالموت، ووهبَ الحياةَ للذين في القبور»…

لأنَّ الذين في القبورِ ليسوا في النهاية شخصيّاتً بعيدةً في ماضٍ سحيق، بل هم أنا وأنت وجميعنا، لأن كل الخليقة كانت تحت سلطان الموت الرهيبِ هذا، إلى أن اجتذبنا المسيحُ إلى حياتِه بموته وقيامته ومعموديتِه. 

 من أجل هذا نقول أن المعمودية – في حقيقتها الفصحية – هي اشتراكٌ في موت المسيح ودفنه وقيامته. ونجد أن أوضح نص كتابي هنا هو رومية  ٦٣٥: «أم تجهلون أنَّنا كلَّ مَن اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدُفنَّا معه بالمعمودية للموت… حتى كما أُقيم المسيح من الأموات… هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة». وكذلك كولوسي ٢١٢: «مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضًا معه». هذان النصّان يربطان المعمودية مباشرةً بالنزول إلى الموت والدفن، لا باعتبارهما صورةً خارجية فحسب، بل باعتبارهما اشتراكاً حقيقياً في فعل المسيح الفصحي. إن كان المسيح قد دخل إلى عمق الموت نفسه، فالمعمودية هي إدخالُنا نحن في هذا العبور نفسه، لكي نقوم فيه. 

ثم أن النصّ الأكثر مباشرة في ربط المعمودية بنزول المسيح إلى الأرواح في السجن هو (١ بطرس ٣١٨٢١) ، لأنَّه يجمع في مقطعٍ واحد بين أربعة عناصر هي موت المسيح، وذهابه إلى «الأرواح التي في السجن»، والمياه، والمعمودية. فالرسول يقول إنَّ المسيح «ذهب فكرز للأرواح التي في السجن»، ثم يربط ذلك مباشرةً بطوفان نوح، ثم يختتم بقوله «الذي مثاله يخلِّصنا نحن الآن، أي المعمودية». هذا ليس جمعاً اعتباطياً للصور، بل بناءٌ لاهوتيٌّ مقصود لأن المياه هنا ليست عنصر تطهير خارجي، بل موضع عبورٍ من سلطان الموت إلى خلاص الحياة، والمعمودية تصير اشتراكاً في قوة المسيح الذي دخل إلى موضع الأسر والموت ثم خرج غالباً.. 

لأن المياه في الكتاب المقدس كثيراً ما تُصوَّر كصورةٍ للموت والهاوية. وكما رأينا في يونان نجد الجمع بين العمق المائي والهاوية/Sheol في مشهد واحد «من جوف الهاوية صرخت»، و«طرحتني في العمق في قلب البحار»، و«اكتنفتني مياه إلى النفس». لذلك قرأت الكنيسة يونان دائماً قراءةً فصحية، لأن النزول إلى الأعماق المائية هو صورة للنزول إلى الهاوية، وبالتالي فإن الخروج منها يصير صورةً للقيامة. وإذا مددنا هذا الخط على استقامته إلى أن نصل إلى رومية ٦ و ١ بطرس ٣، بدا لنا أن جرن المعمودية ليس مجرد ماء، بل صورة أسرارية للهبوط مع المسيح إلى العمق الذي دخل إليه من أجلنا، ثم الخروج معه إلى الحياة. 

المسيح أبطل بالموت ذاك الذي له سلطان الموت. ويمكننا أن نجد في (عبرانيين ٢١٤) الأساس اللاهوتي لهذا كله، فالمسيح اشترك في اللحم والدم «لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت». وهذه عينه هو منطق المعمودية لأننا لسنا نعتمد لكي ننال رمزاً أو إعلاناً إيمانياً، بل لكي نُطَعَّم في الموت الذي أبطل الموت. ولذلك تصير المياه، في القراءة الأرثوذكسية، ليست مجرد علامة غُسلٍ جسدي رمزي، بل موضعاً تُمارَس فيه قوة موت المسيح المحيي وقيامته في صميم كيان الإنسان. والمعنى نفسه يتردد في ١ بطرس ٣ حين يوضح أن المعمودية لا تخلّص كغسل جسدي، بل بقوة القيامة. 

وليس عبثاً أو من قبيل المصادفة أن تهتف الكنيسة في صلوات تقديس المياه بقولها..


«أنت رضضت رؤوس التنانين على المياه».


فالمياه، في الوعي الكتابي، ليست عنصرَ حياةٍ فحسب، بل هي أيضاً صورةُ العمقِ الغامض، ومرآةُ الهاوية، وموضعُ القوى التي تهدِّد الإنسان بالابتلاع. لذلك فإن الله حين يشقّ البحر، لا يفتح طريقاً في الماء وحسب، بل هو يسحق أيضاً ما يستتر في الأعماق من سلطانٍ معادٍ. ومن هنا يغدو جرنُ المعمودية، في معناه الأقصى، ليس موضعَ غسلٍ فقط، بل ساحةَ انتصار وغلبة ومسار فصحي حقيقي .. هناك، في الماء نفسه، يُستعلن فعلُ المسيح الذي نزل إلى عمق الموت لا لكي يخضع له بل ليقهره ويُنهي سلطانه، ونزل إلى الجحيم لا لكي يُحتجز فيه بل ليكسر أبوابه ويحطم متاريسه ويهشم سلاسله. وهكذا تصير المياه، التي كانت قديماً رمزَ الغرق والهاوية، موضعَ ميلادٍ جديدٍ، لأنَّ الذي رضَّ التنانين على المياه هو نفسه الذي وطئ الموت بالموت، وفتح في العمق طريقَ الحياة….

 

وإلى هنا أعود لأشرد ببصري في أيقونة القيامة ، وأتذكر ما دونه مار إفرام السرياني في قصائد نصيبين الملحمية وهو يقول على لسان الهاوية/شيول :

 

«أنا الذي قهرتُ جميع الحكماء؛ 

وقد كوَّمتهم في زوايا شيول. 

تعالَ وادخل، يا ابن يوسف، وانظر إلى الأهوال: 

أعضاء الجبابرة، وجسد شمشون الضخم، 

وعظام جليات القاسي، وهناك أيضًا عوجُ بنُ الجبابرة، 

الذي صنع سريرًا من حديد فكان يضطجع عليه: 

لقد طرحته عنه وألقيتُه إلى أسفل، 

وقطعتُ ذلك الأرز عند باب شيول».
 

«من هذا؟ ابنُ مَن؟ 

ومن أي أسرة هذا الرجل الذي قهرني؟ 

إن الكتاب الذي فيه الأنساب عندي – 

وقد بدأتُ وتكلَّفتُ أن أقرأ جميع الأسماء 

من آدم فصاعدًا، 

ولا يفلت من يدي أحدٌ من الموتى؛ 

فهم مكتوبون قبيلةً قبيلةً 

على أعضائي. 

ومن أجلك أنت يا يسوع 

قمتُ بهذا الإحصاء، 

لأُريك أن أحدًا لا ينجو من يديَّ». 

 

«أنا هو، يقول الموت، الذي جعل 

كلَّ أصناف الصيد في البحر والبر من نصيبي: 

فالنسور في السماء تأتيني، 

وكذلك تنانين الغمر، والزواحف، والطيور، والوحوش، 

والشيوخ، والشبان، والأطفال. 

كل هؤلاء ينبغي أن يقنعوك، 

يا ابن مريم، 

بأن سلطاني يسود على الجميع. 

فكيف لصليبك أن يقهرني، 

وقد كان بالخشبة أنني انتصرتُ 

وغلبتُ في البدء؟» 

 

ولما فرغ الموت من خطاب تعييره، 

دوّى صوت ربنا في شيول كالرعد، 

فشقَّ كلَّ قبر واحدًا بعد واحد. 

وأمسكت أوجاعٌ رهيبة بالموت في شيول؛ 

وفي الموضع الذي لم يُرَ فيه نور قط، 

أشرقت أشعة من الملائكة الذين دخلوا 

ليُخرجوا الأموات 

للقاء الميت الذي أعطى الحياة للجميع. 

فخرج الأموات، 

لقد دخل دواءُ الحياة إلى شيول 

وأعاد موتاها إلى الحياة. 

فمن ذا الذي أدخل لي وأخفى 

النار الحية 

التي بها تذوب أرحام شيول 

الباردة المظلمة؟» 

 

«ذرف الموتُ الدموع على شيول  

إذ رأى خزائنها قد سُلِبت، 

وقال: “من سرق غِنَاكِ؟” … »

 

 ———————————————————————————

 

مراجع

 

Hilarion Alfeyev, Christ the Conqueror of Hell: The Descent into Hades from an Orthodox Perspective

نزول المسيح إلى الجحيم – جورج حبيب بباوي

Ephrem the Syrian. “The Nisibene Hymns.” Translated by J. T. Sarsfield Stopford. In A Select Library of Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series, vol. 13, edited by John Gwynn, 167–219. Oxford: James Parker & Co., 1898.

التريودي (Triodion)  – كنيسة الروم الأرثوذكس

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *