ربما يتعجب البعض عندما يعلمون أنني أطلق على تلك الصورة أيقونة. فهي ليست من هذا الطراز الكنسي أو ذاك. بل ربما تبدو لأغلب الذين ينظرون إليها أنها رسمة عادية. في حقيقة الأمر، لا تكتسب الأيقونة سِرَّانيتها من كَونِها ضربة فرشاة على هذا الطراز أو ذاك. إنما يتجلى سر الأيقونة بوضوح عندما تقع في مرمى نظر …

ربما يتعجب البعض عندما يعلمون أنني أطلق على تلك الصورة أيقونة. فهي ليست من هذا الطراز الكنسي أو ذاك. بل ربما تبدو لأغلب الذين ينظرون إليها أنها رسمة عادية.

في حقيقة الأمر، لا تكتسب الأيقونة سِرَّانيتها من كَونِها ضربة فرشاة على هذا الطراز أو ذاك. إنما يتجلى سر الأيقونة بوضوح عندما تقع في مرمى نظر الذين استنارت قلوبهم بنور المسيح، أولئك الذين انفتحت داخلهم نافذة على العالم الروحي، أولئك الذين تَبَصَّروا بشكلٍ جوَّاني مستويات أعلى من الوجود. فلا يتجلى الله في الخارج ما لم يتجلى في الداخل أولاً، ولا تنفتح نافذة الأيقونة على الأبدية ما لم تنفتح نافذة القلب عليها أولاً.

ليست الأيقونة طرازاً من الفن لكنها نمطٌ من النظر. ليست الأيقونةُ سرَّا لأنها فنٌ كنسي، إنما يكمن سر الأيقونة في عيني الذي يحدق فيها فيتبصر بالمادة ما هو وراء المادة. والأيقونة بما هي مادة تحرِّضُ على التحديق الميتافيزيقي فإنها تحملُ توقيعاً مسيحياًّ؛ أي أنها تنتصبُ شاهدةً على تجسد ابن الله وتأنسه.

في حقيقة الأمر، أجهل تماماً هوية القديس الذي يضيء كالشمس في ملكوت تلك الأيقونة. كل ما أدريه أنه أحد الذين تدرجوا في مستويات الوجود حتى انفتحوا على الأبدية بأقصى مدى ممكن.

يا إلهي ما تلك العيون النورانية! تَنقشُ وعورة الطريق الروحي تقاسيم وجهه وتصبغ عينيه الحادتين بسلامٍ يُشعلُ في قلبي حنيناً وشوقاً جارفاً. تعكس نظرته وحركة عينيه عطفاً وبصيرةً وسلاماً؛ إنها خلاصة الطريق. إن السلام الجارف الذي يملأ قلبي بمجرد النظر إلى تلك الأيقونة لا يرتبط بالألوان الهادئة ولا بالمنظر الطبيعي الجميل، إنما مصدر كلُّ سلام الأيقونة يمكن في لمعة عيني ذلك الشيخ القديس. تلك العيون الحادة، كما تنبئنا بوعورة الطريق فإنها أيضاً تشهدان بالنجاة منه؛ تكرزان بالخلاص.

اذكرني يا أبي القديس. أنا الذي أسير خلفك، لكنني أُرسَمُ حيث تتلاطم الأمواج، وتعصف بي الرياح حتى كادت أن تقلبني مرات ومرات. لكنني على رجاءٍ في الذي دعاك فخلص أن يخلصني، فأنا أيضاً أُلبِّي دعوته.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *