من يتأمل البنية الفكرية للهرطقات كافة ، يصل إلى حقيقة صارخة مفادها أن الهرطقات، رغم اختلاف أشكالها وأساليبها، إلا أنها تشكل أوجهاً متعددة لهدف واحد، وهو تقويض سرّ التجسد والاتحاد الأقنومي بين اللاهوت وطبيعتنا البشرية في المسيح. فإما إنكار ألوهية المسيح الكاملة، أو إنكار إنسانيته الكاملة، أو الزعم بأن الطبيعة الإلهية قد ابتلعت الطبيعة البشرية، أو …

من يتأمل البنية الفكرية للهرطقات كافة ، يصل إلى حقيقة صارخة مفادها أن الهرطقات، رغم اختلاف أشكالها وأساليبها، إلا أنها تشكل أوجهاً متعددة لهدف واحد، وهو تقويض سرّ التجسد والاتحاد الأقنومي بين اللاهوت وطبيعتنا البشرية في المسيح. فإما إنكار ألوهية المسيح الكاملة، أو إنكار إنسانيته الكاملة، أو الزعم بأن الطبيعة الإلهية قد ابتلعت الطبيعة البشرية، أو عن طريق فصل الطبيعتين!

كل هذه الهرطقات تضرب، بطريقة أو بأخرى، سرّ الخلاص باعتباره اتحاداً أقنومياً بين الطبيعتين الإلهية والبشرية. وتاريخ الكنيسة المضيء يحفظ لنا تاريخ تطور هذه الهرطقات وكيف تعامل معها الآباء، كلٌّ في وقته وفي حينه، لحفظ جوهر الإيمان المسيحي.

غير أن الانفصال اللاهوتي بين الشرق والغرب في ١٠٥٤م ، قد أدى إلى ظهور وتطور أفكار غريبة لم يعرفها لاهوت الكنيسة الجامعة كـ«البدلية العقابية»، وهي الفكرة المشوهة التي تعد حجر الزاوية في البناء اللاهوتي الغربي، والتي نتج عنها عدة أفكار متعلقة بالنعمة والاستحقاق والأعمال، ساهمت في تعميق التشوه النفسي والاضطراب الروحي لقادة حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، وبالأخص لوثر!

ونتيجة لضربات الإرساليات البروتستانية التي كالتها للكنيسة القبطية منذ القرن التاسع عشر ، فقدت نشأت وتشكلت أجيال من الأقباط على الاعتقاد بأن تدبير الخلاص يبدأ من نقطة سقوط آدم، وفُهِمَ هذا السقوط في الغرب اللاتيني على أنه خطية أصلية (Original Sin) تُورّث بالميلاد وتستوجب موت الإنسان.

بينما في التقليد الأرثوذكسي الشرقي، يُطلق على خطية آدم اسم الخطية الجدية (Ancestral Sin)، ويُنظر إليها كمرض أفسد الطبيعة البشرية وأخضعها لحكم الموت (حكم هنا بمعنى سلطان/سيادة وليس بمعنى حكم قضائي). المسيح في الذهنية الأرثوذكسية هو الطبيب الإلهي الذي أتى ليبطل سيادة الموت على طبيعتنا ويعيد الإنسان إلى رتبته الأولى، بالشفاء والتألّه عبر اتحاد طبيعتنا البشرية بطبيعته الإلهية.

وعلى النقيض، صاغ الفكر الغربي اللاهوتي فهم الخلاص في إطار قانوني قضائي، مستلهمًا روح الإمبراطورية الرومانية القائمة على العدالة الصارمة.

فنجد أن القديس أغسطينوس (354–430م) في ردّه على بيلاجيوس (354–418م) حوّل سقوط آدم إلى ذنب قانوني يرثه الإنسان، لا مرضًا كيانيًّا.

ثم جاء أنسلم رئيس أساقفة كانتربري (1033–1109م) متأثرا بثقافة الإقطاع الأوروبية ليعمّق هذا المنحى، ففسّر الصليب بكونه تعويضًا إجباريًا لاستعادة كرامة الله، وهكذا وُلِدَت نظرية الترضية البديلة و البديل العقابي حيث يُنفّذ الحكم على الابن المتجسد بدلا من البشر.

ثم جاء توما الإكويني مع القرن الثالث عشر (1225–1274)، الذي قام بتعزيز فكرة أنسلم عن الخلاص، وظل أسيرًا للإطار القانوني نفسه.

بل أنه قدم الخطية كإهانة مروّعة ضد الله، لا تُمحى إلا عبر تسوية قانونية صارمة وترضية باهظة الثمن، وتحولت هذه الفرضية المعيبة إلى محور الخلاص في الغرب. ووقع الإكويني في الفخ ذاته الذي تعثر فيه أسلافه، غارقًا في التأمل في الخطية ووراثتها، وصياغة بديل عقابي يرضي الآب “الناقم” على خليقته! وبذلك جعل من هذه السردية المشوَّهة بوصلة لفهم التدبير الإلهي، في حين لم يعرف آباؤنا في الشرق الأرثوذكسي هذا المنطق قط؛ إذ كان قلب لاهوتهم يخفق بفرح الغلبة على الموت وهدم سلطانه، ووجدانهم مشتعلاً باستعادة شركة الحياة الإلهية. وشتّان الفارق بين من يرى الخلاص محكمةً، ومن يراه قيامةً!

وهكذا انقلب تدبير الخلاص في الغرب من سرّ الاتحاد والشفاء إلى ملف قانوني يُغلق بتنفيذ الحكم القانوني، فبقي الإنسان مغتربًا عن الشركة التي جاء المسيح ليعيدها.

 

والبدلية العقابية هي بحق واحدة من أسوأ الأفكار اللاهوتية التي أنتجها لاهوت العصور الوسطى، ويخيل لي أن نسطور لو كان يحيا في زمان أنسلم ــ مخترع البدلية العقابية ــ لكان من كبار دعاتها، ولناصرها كل مناصرة…لماذا؟

لأن البدلية العقابية تحمل بذرة فصل الطبيعتين. فبدلاً من الفهم الشرقي لسرّ الخلاص، والذي يقوم على الأساس الراسخ للاتحاد الأقنومي الأبدي بين الطبيعتين، هذا الذي اتحد فيه اللوغوس بطبيعتنا البشرية ليشفيها ويطرح عنها سلطان الموت ويعيدها إلى مسار شركة الحياة الإلهية، فإن البدلية العقابية تنسف شقّي الخلاص وهما: الشفاء والارتقاء. لكن الجانب الأكثر خطورة في هذه الفكرة هي ما ينتج عنها من ضرب البعد الأبدي لحالة الاتحاد الأقنومي. فـ«البدلية العقابية» تُحوّل المسيح إلى مجرد وسيلة ينفث فيها الآب غضبه من الجنس البشري بأن يتم فيه حكم الموت، هذا الحكم الذي يراه الغرب استيفاءً قانونياً لعدالة الله. ولا أعرف كيف لم يسألوا أنفسهم: ما هي أوجه العدالة في أن يموت البريء بدلاً من المذنب؟!

وفضلا عن كون البدلية العقابية فكرة غريبة عن لاهوت الكنيسة الجامعة، وأن اختزال سر المسيح وتدبير الخلاص في عقوبة يتم تنفيذها فيه بدلاً من البشر هو تضليل شامل ، إلا أن المأساة الحقيقة  تتجلى في حصر المسيح داخل إطار الزمن ، وتقييده بمهمة زمنية تنتهي عند إتمام تنفيذها ، وتكتمل بنفاذ العقوبة فيه. وهو بالضبط ما فتح الباب أمام حركة الإصلاح لضرب البعد الأبدي للاتحاد الأقنومي، فنادوا بأنه عندما يعلن الشخص إيمانه بهذه المهمة التاريخية للمسيح فهو يخلص. وهذا اختزال مرير ينزع عن الطبيعة البشرية اتحادها الكياني الأبدي باللاهوت في المسيح، ويجعل المسيح موضوعاً تاريخياً، والإيمان عملية ذهنية استاتيكية!

وللإمعان والتأكيد في ضرب الاتحاد الأقنومي الأبدي، أخذ رجال الإصلاح على عاتقهم ضرب كل ما يشير ويعلن ويمثل حالة الاتحاد الكياني في المسيح، وأكملوا جريمتهم الكبرى بإلغاء الإفخارستيا، وهو السر الذي أسسه المسيح بنفسه، وهو الامتداد الأبدي لسرّ التجسد، والذي نتحد كلنا فيه كجسد المسيح لنحيا ونؤكد سرّ التجسد والخلاص بوصفه اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية. وهو السر الذي نعبر فيه البعد الزماني إلى أبدية المسيح.

وهكذا تمكنت البروتستانتية من ضرب الاتحاد الأقنومي، ووضع المسيح في خانة التاريخ، وإنجاح ما لم تنجح في تنفيذه الهرطقات كافة على امتداد التاريخ المسيحي.

 

إن فداحة الخسارة التي خلّفها هذا الاختزال اللاهوتي الذي يقدمه اللاهوت الغربي وتروج له البروتستانتية لا تُقدَّر بثمن. فهو لا يجرّد المسيحية من بهائها فحسب، بل يسلب أبناءها أعظم عطية إلهية، وهي الاتحاد الكياني الأبدي بالمسيح، ذاك السر الذي عاشه الآباء وحفظوه بدمائهم، وأوصلوه إلينا كحياة قبل أن يكون عقيدة. لذلك، على أبنائنا وبناتنا الأرثوذكسيين أن يدركوا أنهم مدعوون لا إلى الإيمان النظري ببديل عقابي ، بل إلى خبرة الاتحاد بالمسيح في عمق الكيان، في الكنيسة والأسرار، حيث يصير الإنسان شريكاً في الحياة الإلهية.

ولأبناء البروتستانتية أقول بمحبة، تعالوا وذوقوا لاهوت الشرق، تعالوا وذوقوا الإتحاد بالمسيح، ولا تسمحوا لثقل الظروف أو ميراث الانقسام أو خديعة لاهوت الرخاء أن يحرمكم من هذا المجد. إن أجدادكم عاشوا هذا الإيمان وحفظوه، وأنتم أيضاً مدعوون أن تحيوا ما عاشوه، في ملء الشركة والنعمة، حيث المسيح ليس ذكرى تاريخية، بل حياة أبدية.

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *