نص "الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا[1]. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا." (مز 85: 10) بيعتبر نص مفتاحى في سردية اللاهوت الغربي عن مفهوم فدية الابن، وسابقاً في مرحلة اللاهوت المدرسي\النظامي القبطي[2] حين تم استيراد المفهوم الغربي عن الخلاص تمت إعادة استخدام النص مرة أخرى بتفسير مختلف عن اللاهوت القبطي العربي الوسيط وعشان نقدر نفهم مدى الفرق ما بين اللاهوت …
نص “الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا[1]. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا.” (مز 85: 10) بيعتبر نص مفتاحى في سردية اللاهوت الغربي عن مفهوم فدية الابن، وسابقاً في مرحلة اللاهوت المدرسي\النظامي القبطي[2] حين تم استيراد المفهوم الغربي عن الخلاص تمت إعادة استخدام النص مرة أخرى بتفسير مختلف عن اللاهوت القبطي العربي الوسيط وعشان نقدر نفهم مدى الفرق ما بين اللاهوت القبطي العربي الوسيط واللاهوت النظامي القبطي، هنقدم تفسيرين لاتنين من رجال الكنيسة القبطية أولهم هو يوحنا بن أبي زكريا بن سباع اللي نشط في الفترة بعد 1300م زى ما هو كتب في كتابه “الجوهرة النفيسة”[3] وهو أحد أهم المراجع القبطية في الفترة الوسيطة اللى كانت فترة زخم لاهوتي كبير، وتانى واحد هو أقدم لاهوتى مدرسي نعرفه وهو الليتورجي المعلم عريان أفندي مفتاح توفي 1888م.
تفسير بن سباع للنص
“وقال داود أيضا فى المزمور أربعة و ثمانون: “الرحمة والعدل تلاقيا والرحمة والعدل تصادقا” والرحمة والعدل ضدين إما عدل وإما رحمة. فأن اردت شرح ذلك اعلم أنه اتحاد اللاهوت والناسوت وظهوره للخلق؛ لأن العدل هو اللاهوت والرحمة هي الناسوت لأن الرب عادل وليس عنده ظلم، فلو عدل حق العدل لأوجب على آدم وذريته العقاب الدايم إلى الأبد، ولكن لما شاء برحمته ان يرحمهم لبس صورة الإنسان وألمها الذي كانت تستحقه إلى الأبد، ثلاث ساعات من نهار الجمعة الذي كان فيها الصلبوت المقدس وتم قول النبي الرحمة والعدل تلاقيا.”[4]
تفسير عريان مفتاح للنص
” الله تعالى عادل، وحكم على النوع الإنساني بمقتضى عدله وعدله لابد أن ينُفذ، وكذلك فانه تعالى رحيم ورحمته تقضى بخلاص هذا النوع، ولا بد أنها تنفذ لأن صفاته جل اسمه كلها نافذة وفاعلة. والعدل والرحمة لا يجتمعان في قضية واحدة لأنهما ضدان…”
“وكما انه سبحانه تعالى عادل ورحيم، فهكذا عليم وحكيم وعلمه وحكمته فعالين ايضا …… هكذا الحكمة من قبل إنشاء العالم مُدبِرة الخلاص بكيفية اجتمع فيها العدل والرحمة وهي سر الفداء …… والشرط في الفادى أمرين : هو أن يكون بريئا من الجناية وحرًا من الحكم المستوجب عليها وكفؤا للفداء”
“ومن المعلوم أنه لا يعادل دم كل العبيد إلا دم سيدهم، ولا يكون كفؤا لهذا العمل غيره، فأقتضت احساناته الغير المتناهية ومراحمه غير المحدودة ومحبته الفائقه لجنس البشر ان يتمم هذا العمل بذاته فى نفس الطبيعة الساقطة ويفي للعدل الإلهى حقه بمقابلة مراحمه العظيمة (اى الرحمة والعدل تلاقيا )”[5]
تعليقات على النصوص
بنقدر نلاحظ تطور شرح النص ما بين وعي أقباط القرن الرابع عشر قبل تأثرهم بمحاولات اللاتين للتقارب[6] وبين إرهاصات اللاهوت النظامي الممثلة في كتابات عريان مفتاح، تفسير بن سباع مميز جدًا وفيه بيرد النص إلى تمثيل حقيقة التجسد واتحاد طبائع المسيح كرب كامل وإنسان كامل، مش بس كده ده بيرد سياق التجسد للسياق الارثوذكسي اللي بيتميز بيه الوعى القبطي وهو أن التجسد هو تجسيد رحمة وحنو الألوهة “غلب من تحننه” وبيذكر “ولكن لما شاء برحمته ان يرحمهم لبس صورة الإنسان وألمها الذي كانت تستحقه إلى الأبد”، وبوعى ارثوذكسي مبسط بلغة قريبة لوعي العامة بيجمل الفكرة الارثوذكسية أن لا نقدر أن نفصل التجسد عن الصلبوت أو نتعامل معاها على أنها أحداث منفصلة إنما التجسد والفداء والقيامة هي كلها حلقة واحدة في رحمة الثالوث بنا ومشيئته الصالحة.
أما تفسير عريان مفتاح[7] -المتسق مع كتابات وتعليم الروم وقتئذ- فيتبع اللاهوت النظامي اللاتيني من حيث غضب الله وترضيته وخصائص الفادى لايفاء العدل الإلهي وما إلى آخره من ورثة لاهوت انسلم أسقف كانتربري، ويعد شرح عريان للنص في كتابه ده الغير منشور أقدم ما نعرفه عن اللاهوت النظامي القبطي ومن بعده ولحد النهارده بنفس الجمل دى الخاصه بوراثة المعصية الجدية وايفاء العدل الإلهي بيتم شرح العقائد الأساسية المسيحية عند الأقباط ووصلت ذروة التعليم ده في عهد البطريرك القبطي السابق أنبا شنودة الثالث.
[1] الترجمة العربية القبطية القديمة تترجمها إلى “الرحمة والعدل تلاقيا”.
[2] وهي الفترة التي امتدت منذ عهد كيرلس الرابع ابو الاصلاح إلى عهد شنودة الثالث، ومرت بعدة تطورات فُصلت فيها الكنيسة القبطية عن لاهوتها الشعبي التقليدي العربي.
[3] يوحنا بن ابى زكريا بن سباع علامة قبطى ازدهر فى القرن الرابع عشر حسب شهادته فى الباب 26 من موسوعته الجوهرة النفيسة فى علوم الكنيسة ، مؤلفه يُعد موسوعة لاهوتية ليتورجية تنظيمية طقسية.
[4] يوحنا بن ابى زكريا بن سباع. الجوهرة النفيسة فى علوم الكنيسة، حققه الأب فيكتور مستريح الفرنسيسكاني. القاهرة 1966م.
[5] من كراس مخطوط بيد عريان جرجس مفتاح يحوى على كتيب صغير بعنوان الرحمة والعدل تلاقيا موجود على موقع الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
https://digitalcollections.aucegypt.edu/digital/collection/p15795coll4/id/3024
[6] للقراءة والاستزادة في الموضوع ده ممكن نرجع لـ كتاب القبط والغرب (١٤٣٩-١٨٢٢م) الأوروبيون واكتشاف الكنيسة القبطية الصادر مؤخرا عن المركز القومى للترجمة من تأليف اليستر هاميلتون وترجمة مجدى جرجس.
[7] عريان جرجس مفتاح (1826-1886م) هو أحد رجال عصر كيرلس الرابع أبو الإصلاح القبطي (1854-1861م)، سليل عائلة مفتاح القبطية وأستاذ اللغة القبطية في مدرسة كيرلس الرابع، ويذكر عنه ايسيذوروس أسقف البراموس (1867-1942م) في كتابه الخريدة النفيسة “واشتهر ايضاً بمعرفة الدين معرفة تامة والاحتجاج عنه في خطبه ومواعظه الارتجالية وكتابته”.
كان كيرلس قريباً جداً من كالينيكوس بطريرك الروم الارثوذكس وكذلك رجاله قريبين من الروم واليونان فمثلاً كان الايغومانوس فيلوثيؤس صديقاً لجراسيموس مسرة مطران بيروت للروم وكذلك عريان اعتمد في تصحيح نطق اللغة القبطية على القواعد اليونانية الحديثة بسبب استحضاره لمدرس يوناني من المدرسة العبيدية، ومن يقرأ كتابات مسرة وفيلوثيؤس وعريان ولاهوتيى ذلك الوقت أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر يجد شبه اتفاق في طريقة عرض اللاهوت بالشكل النظامي وتبنى المعارف اللاهوتية اللاتينية وكان الدفاع والاحتجاج هما وقود الكتابة اللاهوتية في ذلك الوقت ثم في مرحلة لاحقة بعد عدة عقود قليلة ظهر في الكنيسة القبطية صنف لاهوتى جديد وهو الكاتشيزمات.