ما هي الكنيسة؟ سؤال قصير مباشر ، غير أننا نقف أمامه طويلاً بحثًا عن جوابٍ شافٍ ، ومن ثم نسارع للإجابة عليه بأقرب التعريفات المنطقية التي تبدو لنا كافية وصالحة لاستيفاء المعنى. فقد اعتاد معظمنا على سماع تعريفات مختلفة للكنيسة ، فتارة يتم تعريفها على أنها مؤسسة دينية/روحية ، أو -في أغلب الأحيان- يتم توصيفها …

ما هي الكنيسة؟

سؤال قصير مباشر ، غير أننا نقف أمامه طويلاً بحثًا عن جوابٍ شافٍ ، ومن ثم نسارع للإجابة عليه بأقرب التعريفات المنطقية التي تبدو لنا كافية وصالحة لاستيفاء المعنى. فقد اعتاد معظمنا على سماع تعريفات مختلفة للكنيسة ، فتارة يتم تعريفها على أنها مؤسسة دينية/روحية ، أو -في أغلب الأحيان- يتم توصيفها على أنها «جماعة المؤمنين».

والتعريف الآخير لا يخلو من حقيقة ، غير أنه تعريف يخل بصميم حقيقة الكنيسة ويفشل في استيعاب المعنى الوجودي العميق لهذا الكيان العجيب الذي وصفه بولس في رسالته لأفسس بـ«و إياه جَعَل رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ (جسد المسيح)، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ» (أف ١ : ٢٢-٢٣ )، وهذا وصف مستيكي بإمتياز، وبناءً عليه لا يمكن حصره داخل حدود التعريف السوسيولجي الضيق:«جماعة المؤمنين»!!

والمستيكي هو كل ما يتعذر إدراكه بالحواس الطبيعية أو إدراكه بالعقل ووسائل المنطق ، بل يُدرك بالكشف الإلهي والدخول في الخبرة التي نحياها داخل هذا الجسد الحي.
المستيكية هي ذلك البُعد السرّي والإختبارى للحقيقة الإلهية، حيث يُعلَن الله لا كمفهوم ذهني، بل كحضور حيّ يُعاش في الكنيسة عبر الخبرة اللتورجية السرائرية ورحلة التقديس التي نخوضها في الكنيسة إلى أن نبلغ التألّه بالنعمة.

ولهذا، فإن أي محاولة لمنطقة هذه الخبرة الكيانية وإخضاعها للعقل ، أو رفضها برمتها ، يعني بالضرورة رفض اللاهوت نفسه بل ورفض المسيحية نفسها!
لماذا؟
لأنه “لا مستيكية مسيحية من دون لاهوت ، ولا لاهوت من دون مستيكية” على حد تعبير فلاديمير لوسكي.
لأن تجريد الكنيسة من طبيعتها المستيكية ومن ثم ضرب حقيقتها الأنطولوجية (الوجودية) يعني ببساطة اختزالها إلى واقع خارجي قابل للوصف دون المشاركة، وإلى بنية تاريخية تُدرَس من الخارج، أو بنية مؤسساتية أو إجتماعية كأي كيان إجتماعي آخر ، فتفقد حينئذٍ قدرتها على أن تكون مجالًا للتحوّل الوجودي والاتحاد بالله، وتُفرَّغ من كونها جسد المسيح الحي لتغدو مؤسسة دينية أو ظاهرة اجتماعية تُقاس بمعايير التنظيم والوظيفة لا بمعايير الحياة والشركة.

إن توصيف الكنيسة ككيان أنطولوجي لا يهدف إلى مجرد تمييزها عن كونها بنية مؤسسية أو جماعة من المؤمنين، بل إلى الكشف عن حقيقتها الوجودية بوصفها حضورًا حيًّا لجسد المسيح في العالم، وامتدادًا لتجسّده في الزمن بعمل الروح القدس. فالكنيسة في عمق كيانها، ليست موضوعًا معرفيًا يمكن الإحاطة به من الخارج، ولا واقعًا يُدرك بوصفه أو تعريفه، بل سرًّا يُدخَل إليه ويُعاش من الداخل. ومن ثمّ، فإن بُعد الكنيسة المستيكي لا يمثّل مستوى روحيًا مضافًا إلى بنيتها، بل هو صميم طبيعتها واستعلان حقيقتها في العالم ، وهو نمط الإدراك الوحيد المتوافق مع طبيعتها الأنطولوجية، إذ إن واقعها الوجودي لا يُدرَك إلا بالاشتراك فيه. ففي الحياة الكنسية، ولا سيّما في الخبرة الليتورجية والأسرارية، لا يظلّ المؤمن في موقع الملاحظ أو المتلقّي، بل يُستدعى إلى تحوّل وجودي، ينتقل فيه من فردانية منغلقة إلى شركة حيّة، حيث يُعاد تشكيل الكينونة الإنسانية على مثال حياة الثالوث. وعلى هذا الأساس، تغدو المستيكية التعبير الإختباري الدقيق عن أنطولوجيا الكنيسة، لا بوصفه هروبًا من الواقع أو تجاوزًا له، بل كقوّة تُنقّي الواقع وتحوّله إلى مجال للاتحاد بالله، فتتجلّى الكنيسة لا كفكرة تُفحص ذهنيًا، بل كحياة تُعاش وتُختبر، ولا كحدود مرئية ملموسة بالحواس، بل كسرّ وجودي يُنير الوجود الإنساني ويقوده نحو التألّه بالنعمة.

وحين نقول أن الكنيسة هي جسد المسيح الحي ، نحن لا نتحدث هنا عن تعبير مجازي أو استعارة بليغة ، لكننا بالحق نكشف عن حقيقة شركتنا الكيانية والوجودية في المسيح نفسه ، هذه الشركة التي نعبر عنها بـالتعبير الدقيق «الكنيسة جسد المسيح الحي» ، وهو ما جعل بولس يؤكد أيضاً : «لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ.» (أف ٥ : ٣٠) وهو تعبير يصرخ بهذه الحقيقة الكيانية!!

إن قول بولس إن الكنيسة هي جسد المسيح لا يمكننا فهمه باستقامة إذا وصفناه على أنه مجازًا وعظيًا لتقريب معنى اجتماع المؤمنين، أو أنه استعارة لتفسير توزيع الأدوار، بل يُفهم -من حيث الجوهر- على أنه وصف أنطولوجي لواقع جديد في الوجود ، واقع تُعاد فيه صياغة الإنسان والجماعة داخل حياة المسيح المتجسِّد، بحيث تصبح الكنيسة اسمًا لنمط وجود “في المسيح” لا لمجرّد اجتماع “حول المسيح”. هذا التحول يبدّل مركز الثقل من الذهن إلى الكيان، فالخلاص ليس قرارًا قانونيًا خارجيًا، ولا علاقة ذهنية محضة، بل دخول في حياة الابن المتجسِّد الذي به، وفيه، ومعه، تُعطى شركة الحياة الإلهية ويتشكل هذا الجسدز

وهنا تظهر قوة البرهان الآبائي المبكر عند إيرينيوس، فهو لا يسمح بتجريد تعبير بولس «لأننا أعضاء جسده، من لحمه ومن عظامه» من مادته الواقعية، ولا يقبل نقله إلى مستوى “الروحانيات المجردة”. بل يشدد على أن الرسول لا يتحدث عن “إنسان روحي غير منظور” لأن “الروح ليس له عظام ولا لحم”، وإنما يتحدث عن التدبير الذي فيه صار الرب “إنسانًا حقيقيًا” من “لحم وأعصاب وعظام”. ثم يربط هذا المعنى ربطًا سببيًا بالإفخارستيا، فحين “يتقبل الكأس الممزوج والخبز المصنوع كلمة الله” وتصير “الإفخارستيا من دم المسيح وجسده”، فإن “مادة جسدنا” تُزاد وتُسند؛ ومن ثم يستحيل أن يُقال إن الجسد عاجز عن نوال عطية الله (الحياة الأبدية) وهو يتغذّى من جسد الرب ودمه ويصير “عضوًا منه”. في هذا الموضع تحديدًا تتضح الحقيقة الأنطولوجية للكنيسة، فالكنيسة جسد المسيح لأن أعضاءها لا ينتسبون إليه بالاسم فقط، ولا حتى على مستوى الإيمان وحسب،  بل لأنهم يتحدون به كيانياً ويقوم وجودهم الكنسي على شركة واقعية في جسده ودمه، وهي شركة تجعل العضوية ليست ادعاءً بل كينونة تُعاش.

«كيف يقولون إن الجسد غير قابل لأن ينال عطية الله، وهي الحياة الأبدية، وهو يتغذّى من جسد الرب ودمه، وهو عضو فيه؟
كما يعلن الرسول المبارك في رسالته إلى أهل أفسس قائلاً: “نحن أعضاء جسده، من لحمه ومن عظامه”.
وهو لا يتكلم بهذه الكلمات عن إنسان روحي وغير منظور، لأن الروح ليس له عظام ولا لحم، بل يشير إلى ذلك التدبير الذي به صار الرب إنسانًا حقيقيًا، مؤلَّفًا من لحم وأعصاب وعظام.

هذا الجسد هو الذي يُغذّى بالكأس التي هي دمه، ويُعضَّد بالخبز الذي هو جسده.
وكما أن غصن الكرمة المزروع في الأرض يثمر في وقته، وحبة الحنطة الساقطة في الأرض إذا ماتت تقوم وتتكاثر بقوة روح الله، وهذان—بحكمة الله—يصيران نافعَين للإنسان،
ثم إذ يقبلان كلمة الله يصيران إفخارستيا، أي جسد المسيح ودمه،
هكذا أيضًا أجسادنا، التي تتغذّى منهما، بعد أن توضع في الأرض وتتحلل فيها، تقوم في وقتها، إذ يمنحها كلمة الله القيامة لمجد الله الآب، الذي يمنح الخلود لما هو فانٍ، ويهب الفساد عدم الفساد، لأن قوة الله تُكمَل في الضعف.»

إيرينيئوس – ضد الهرطقات – الكتاب الخامس، الفصل 2، الفقرة 3 (V.2.3)

 

وعندما يعيد فلوروفسكي صياغة المبدأ القديم “خارج الكنيسة لا خلاص”، فإنه يرفض توظيفه كعبارة جدلية أو شعارٍ إقصائي، ويعيده إلى معناه الأنطولوجي الدقيق: “لا خلاص خارج الكنيسة، لأن الخلاص هو الكنيسة”. القوة ليست في السجال، بل في الحقيقة الوجودية الكنيسة وصميم كيانها.  لأنه إذا كان الخلاص هو دخول الإنسان في حياة المسيح، فإن هذا الدخول يأخذ شكلًا كنسيًا لأنه دخول في جسد المسيح—في شركة الروح، والمعمودية، والإفخارستيا—لا في علاقة ذهنية مفصولة عن الجسد الكنسي. ومن ثم فالكنيسة ليست “جماعة مؤمنين” بل هي موضع تحقق الخلاص كحياة مشتركة داخل جسد المسيح.

«خارج الكنيسة لا خلاص».
إن كل القوة القطعية والحاسمة لهذه العبارة تكمن في كونها حقيقة تُثبت ذاتها بذاتها.
فخارج الكنيسة لا خلاص، لأن الخلاص هو الكنيسة نفسها.
فالخلاص هو إعلان الطريق لكل من يؤمن باسم المسيح. وهذا الإعلان لا يوجد إلا في الكنيسة. ففي الكنيسة، بوصفها جسد المسيح، أي في كيانها الثيأنثروبي (الإلهي–الإنساني)، يتحقق على الدوام سرّ التجسّد، سرّ «الطبيعتين» المتحدتين اتحادًا لا ينفصم. ففي تجسّد الكلمة تكمن ملءُ الإعلان، إعلانٌ لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضًا. «لأن ابن الله صار ابن الإنسان»، كما كتب القديس إيرينيوس، «لكي يصير الإنسان بدوره ابنًا لله».
في المسيح، بوصفه الإله–الإنسان، لا يُعلَن معنى الوجود الإنساني فحسب، بل يُنجَز أيضًا. ففي المسيح تُكمَّل الطبيعة البشرية، وتُجدَّد، وتُعاد بناؤها، وتُخلق من جديد. ويبلغ المصير الإنساني غايته، ومنذ الآن تصير الحياة البشرية، بحسب قول الرسول، «مستترة مع المسيح في الله» (كولوسي 3: 3).
وبهذا المعنى يكون المسيح هو «آدم الأخير» (1 كو 15: 45)، الإنسان الحقيقي. ففيه يوجد مقياس الحياة البشرية وحدّها. لقد قام «باكورة الراقدين» (1 كو 15: 20)، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الله. ومجده هو مجد الوجود الإنساني كله. لقد دخل المسيح إلى المجد الأزلي، ودخله بوصفه إنسانًا، ودعا البشرية كلها أن تقيم معه وفيه. «والله الغني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالذنوب، أحيانا مع المسيح… وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع»(أفسس 2 :4).
هنا يكمن سرّ الكنيسة بوصفها جسد المسيح. فالكنيسة هي الملء، أي التمام والكمال.
وهكذا يشرح القديس يوحنا ذهبي الفم كلمات الرسول:
«الكنيسة هي كمال المسيح، كما أن الجسد يُكمّل الرأس والرأس يُكمّل الجسد.
ومن هنا نفهم لماذا يرى الرسول أن المسيح، بوصفه الرأس، يحتاج إلى جميع أعضائه. فلو لم يكن فينا كثيرون: واحد يدًا، وآخر قدمًا، وآخر عضوًا آخر، لما كان جسده كاملًا. وهكذا يتكوّن جسده من جميع الأعضاء. وهذا يعني أن الرأس لا يكون كاملًا إلا حين يكون الجسد كاملًا، حين نكون جميعًا متحدين اتحادًا راسخًا ومشدودين بعضنا إلى بعض.»
ويعيد الأسقف ثيوفان شرح ذهبي الفم قائلاً:
«الكنيسة هي كمال المسيح كما أن الشجرة هي كمال الحبة. فكل ما هو موجود في الحبة بصورة مكثفة ينال نموّه الكامل في الشجرة… هو كامل في ذاته وكامل على الإطلاق، لكنه لم يجذب بعدُ البشرية إلى ذاته في كمالها النهائي. وإنما تدخل البشرية تدريجيًا في الشركة معه، وبذلك تمنح عمله امتلاءً جديدًا، فيبلغ حينئذٍ تمامه الكامل.»
فالكنيسة هي الكمال ذاته؛ إنها استمرار الاتحاد الثيأنثروبي وتحقيقه. الكنيسة هي البشرية المتحوّلة والمجدَّدة. ومعنى هذا التجديد والتحوّل هو أن البشرية في الكنيسة تصير وحدة واحدة «في جسد واحد».
حياة الكنيسة هي حياة الوحدة والاتحاد. فالجسد «مركّب معًا» و«ينمو» في وحدة الروح، في وحدة المحبة. مجال الكنيسة هو الوحدة. وهذه الوحدة ليست وحدة خارجية، بل داخلية، حميمة، عضوية. إنها وحدة الجسد الحي، وحدة الكائن العضوي. فالكنيسة وحدة، لا بمعنى أنها واحدة وفريدة فحسب، بل أولًا لأن كينونتها نفسها تقوم على إعادة جمع البشرية المتفرقة والمنقسمة. وهذه الوحدة هي ما يُسمّى «السوبورنوست» أو «الكاثوليكية» الكنسية. ففي الكنيسة تنتقل البشرية إلى مستوى وجود آخر، وتبدأ نمطًا جديدًا من الوجود. تصبح حياة جديدة ممكنة، حياة حقيقية وكاملة وشاملة، حياة كاثوليكية «في وحدانية الروح، في رباط السلام».
هنا يبدأ وجود جديد، ومبدأ جديد للحياة:
«كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا فينا… ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد» (يو 17: 21).
هذا هو سرّ الاجتماع النهائي على صورة وحدة الثالوث القدوس. وهو يتحقق في حياة الكنيسة وبنيتها، وهو سرّ جامعيتها.
George Florovsky –  Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View

حين تغيب عنا هذه الحقيقة الأنطولوجية، لا نفقد مجرد “معلومة لاهوتية”، بل نفقد البوصلة ، نفقد رؤيتنا لحقيقة الوجود المسيحي ذاته. نصير غرباء عن أنفسنا، لأننا لا نعود نعرف من نكون في المسيح ولا ما الذي نحن عليه في الكنيسة. فتتحوّل الأسرار إلى طقوس، والليتورجيا إلى عادة، والإيمان إلى منظومة أخلاقية، والإنجيل إلى خطاب روحي مجرّد، بينما كان كل ذلك في قصد الله أن يكون حياةً تُعاش، ووجودًا يُختبَر، وشركةً نحياها في الجسد الواحد.
حين يُظلم البصر وتنحسر البصيرة عن هذه الحقيقة الوجودية عندئذٍ ينفصل “المقدّس” عن “المادي”، ويُردّ العالم إلى حياده البارد، وتفقد المادة دعوتها، فلا نعود نرى في الماء ميلادًا، ولا في الزيت مسحة حياة، ولا في الخبز جسدًا، ولا في الخمر دمًا، ولا في الجسد هيكلًا، فلا نستطيع أن ندرك الأبدية داخل الزمن!
نصير في مجالنا الخاص .. ويصير الله في مجاله الخاص … أي نعود إلى ما قبل بيت لحم!!

أما حين يُستعاد هذا الوعي الكياني، ينفتح كل شيء على معناه الحقيقي، فالعالم لا يعود محدوداً بقوانين الزمن، بل موضع تجلّي الأبدية كما رأيناها على جبل طابور!
فلا تعود المادة عائقًا بل أداة شركة، ولا يعود الجسد عبئًا بل عضوًا في جسد المسيح، ولا تعود الكنيسة مؤسسة بل كيانًا حيًا، نَحيا فيه ونحيا به ونحيا له. والكتاب المقدس لا يعود موضوعاً دراسياً وسلطةً حصريةً في ذاتها بل يعود إختباراً للشركة داخل هذا الجسد الحي.
نكتشف عندئذٍ أن المسيحية ليست “دينًا”، بل واقع وجودي جديد، وأن الخلاص ليس صفقة قانونية بين الإبن والآب ، وإنما شركة كيانية في العمق! وأن الكنيسة ليست “جماعة المؤمنين” بالمعنى الاجتماعي، بل البشرية المُعاد جمعها في الرأس الواحد، وأننا لم نُدعَ لننتمي إلى هذا الجسد بل لنلتحم في صميمه، لا نجتمع لنعظ عن المسيح ، وإنما نعيش ونختبر شركتنا معه في الجسد الواحد .. الكنيسة.

هنا فقط تُستعاد الرؤية، ويتحوّل الإيمان من فكرة إلى حياة، ومن وعظ إلى حقيقة كيانية نحياها، ومن ممارسة إلى شركة. هنا نفهم أن الكنيسة ليست ما نذهب إليه، بل ما نكونه!
ولن يعد فهمنا للكنيسة أنها مكان يدعو للخلاص، بل هي الخلاص لأنها شاهد على سر التجسد ، بل هي عينها إمتداد هذا السر في الزمن!
وحين نقول: «الكنيسة جسد المسيح الحي» نحن لا نُطلق تشبيهاً بليغاً ، بل نعلن سرّ وجودنا لأننا بالحق “من لحمه ومن عظامه”.(أف ٥ : ٣٠)

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *