لقد نشأت – أنا وجيلي من الأقباط – على الاعتقاد بأن تدبير الخلاص يبدأ من نقطة سقوط آدم، وقد كانت – وللأسف لا تزال – الشروحات اللاهوتية السائدة في الكنيسة القبطية ترسخ هذا الفهم، الذي يبدأ فيه تدبير الخلاص من نقطة سقوط آدم. وحسب هذا الشرح، فإن هذا السقوط كان نتيجة لخطية آدم، و …
لقد نشأت – أنا وجيلي من الأقباط – على الاعتقاد بأن تدبير الخلاص يبدأ من نقطة سقوط آدم، وقد كانت – وللأسف لا تزال – الشروحات اللاهوتية السائدة في الكنيسة القبطية ترسخ هذا الفهم، الذي يبدأ فيه تدبير الخلاص من نقطة سقوط آدم.
وحسب هذا الشرح، فإن هذا السقوط كان نتيجة لخطية آدم، و يتم تعريف هذه الخطية في الشروحات السائدة على أنها الخطية الأصلية (Original Sin) و التي صارت تُورَّث إلى الجنس البشري، واعتُبرت تعديًا على الله يستلزم موت الإنسان!
لكن هل هذا حقًا هو التعليم والفهم الأرثوذكسي لتدبير الخلاص؟
الجواب المختصر: لا! فهذا البناء اللاهوتي هو فهم غربي خالص، لا يمت إلى الشرق ولا إلى كنيسة الإسكندرية من قريب أو بعيد!
في الشرق الأرثوذكسي، ساد الفهم الشفائي/العلاجي للخلاص: فخطية آدم تعرف بالخطية الجدية (Ancestral Sin) وهي المرض الذي أفضى إلى فساد الطبيعة البشرية وخضوعها تحت حُكم الموت (حكم هنا بمعنى سيادة/سلطة، وليس حكم محكمة)، والمسيح في تدبير الخلاص هو الطبيب الإلهي الذي جاء ليميت هذا الموت ويبطل سيادته على الجنس البشري (الشفاء)، ومن ناحية أخرى يعيد الإنسان إلى رتبته الأولى وإلى الحياة في شركة طبيعته الإلهية (التألّه – الارتقاء).
فتدبير الخلاص في الشرق يبدأ من نقطة الخلق من العدم والخلق على صورة الله، تلك الصورة التي بدّد آدم الأول حيازتها، واستعادها لنا آدم الثاني بتجسده واتحاده بطبيعتنا البشرية متمماً فيها -ولحساب طبيعتنا – كل الأعمال الخلاصية!
أما في الغرب اللاتيني، فقد تشكّل الفكر اللاهوتي في حضن الإمبراطورية الرومانية القائمة على القانون والعدالة القضائية، فانتقلت هذه الروح إلى فهم الخلاص، حيث صارت العلاقة مع الله علاقة قانونية أشبه بالمحاكم وساحات القضاء!
وجذور النظرة القانونية في اللاهوت الغربي لم تولد من فراغ، بل ترجع إلى هذا التأثير الروماني-اللاتيني الذي تشكّل فيه الغرب المسيحي. فالإمبراطورية الرومانية كانت تقوم على القانون الصارم والعدالة القضائية، ومع انتشار المسيحية في الغرب، تسرّبت هذه الروح القانونية إلى فهم الخلاص.
القديس أغسطينوس (354–430م)، في رده على هرطقة بيلاجيوس (354–418م) [الذي أنكر أثر سقوط آدم على الطبيعة البشرية، وادّعى أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال الأخلاقي بقوته الطبيعية دون الحاجة إلى النعمة الإلهية]، أعاد صياغة سقوط آدم في صورة وراثة ذنب قانوني ينتقل بالميلاد، لا كمرض كياني أصاب الطبيعة البشرية مفضيا إلى سيادة الموت عليها. وهكذا وُضعت الخطوة الأولى في الغرب لفصل الخلاص عن شقيه الشفاء والإرتقاء كما عاشه وعلم به الشرق.
ثم جاء أنسلم (1033–1109م) في القرون الوسطى، متأثرًا ببنية الإقطاع والنظام القضائي، ففسّر الصليب على أنه تعويض إجباري لرد الاعتبار لكرامة الله المهانة، ممهّدًا لنظرية البديل العقابي، حيث يصبح الله القاضي الذي يُنفَّذ فيه الحكم على الابن بدل الجنس البشري المذنب!
والأخطر من هذا كله، أن أنسلم كان متأثراً بشدة بنظام الإقطاع الإنجليزي ، حيث أن قيمة العقوبة يتم تحديدها بناءً على قيمة المجني عليه، وعلى ذلك فقد رأى أنسلم أن الخطية – بكونها موجهة ضد الله حسب وجهة نظره – فهي على ذلك تكون غير محدودة ، وبالتالي تستلزم ترضية غير محدودة، وهنا لم يدرك أنسلم أنه قد صبغ الخطية بصفات الألوهة/اللامحدودية!
وفي واقع الأمر لم يكن سقوط آدم خطية موجهة ضد الله ، بل هي فقدان للحياة الآلهية التي كان آدم معدا لها حسب القصد الإلهي من خلقته.
بهذا انقلب التدبير الخلاصي من سرّ الاتحاد بالحياة الإلهية إلى ملف قانوني يُغلق بتنفيذ الحكم، بينما يظل الإنسان غريبًا عن الشركة التي جاء المسيح ليعيدها.
فحسب الغرب ، الإبن جاء ليصلب بدلا منا ترضية للآب ، فالعمل الخلاصي هو من الله وإلى الله ، والإنسان يشاهد من بعيد دون أدنى اشتراك في الفعل. فإين الإتحاد والشفاء والارتقاء؟!
البناء اللاهوتي الغربي في اعتقادي لا يمكن وصفه سوى أنه انفصال dislocation كياني عن الشركة في الإبن المتجسد!
إنه – بحق – السقوط الثاني: سقوط آدم من حضن الآب حيث الحياة بالاتحاد في إبنه إلى جفاء المفاهيم القانونية الباردة ونظريات الترضية العقيمة ، فتدبير الخلاص في الغرب لم يعد دخولاً إلى شركة الحياة ، بل إنحصر فيما يمكن تشبيهه بأوراق القضايا وساحات المحاكم!
وللحديث بقية…
التعليقات
Hany
هل يمكن تكوين ورقه بحثيه من مراجع لاهوتيه في القرون الأولى وتقديمها للمجمع المقدس لتعديل المناهج المدرسيه لأنها للأسف تعلم بهذا التعليم الاوغسطيني
ماجد شوقي
خلال ال ٥٠ سنة الأخيرة ومع ازدياد جهود الترجمة لأعمال الآباء ، ظهرت محاولات بحثية جادة ولكن للأسف الشديد كان بيتم التنكيل بأصحابها.
في رأيي المتواضع الأزمة الحقيقة هي غياب الإرادة.
أسباب غياب هذه الإرادة يطول شرحها ، لكن المهم والمطلوب مننا كأفراد على مستوى الأسرة والخدمة والأصدقاء ، إننا نلفت الإنتباه للاهوت كنيستنا اللي تم هجره لمده طويلة ، بدون الانتظار لمواقف رسمية على المستوى الأكاديمي والتنظيمي.
يمكن مانشوفش الثمار دلوقتي ، لكن أكيد الأجيال اللي جاية هتشوف الثمر.