أدخل غرفتي وقد أعياني يومي الطويل، فألوذُ بها وكأني ألقي بنفسي بين جدرانها احتماءً من ضجيج الخارج ومشاحناته، أرمي مفاتيحي على الطاولة وأحرر معصمي من قيد ساعة اليد، ثم أرفع بصري إلى أيقونة القيامة Anastasis المعلقة فوق صدر الحائط الأيسر. لا أدري على وجه التحديد إن كنت أحدق فعلاً في الأيقونة، أم أن الأيقونة هي التي تنفذ ببصرها …
أدخل غرفتي وقد أعياني يومي الطويل، فألوذُ بها وكأني ألقي بنفسي بين جدرانها احتماءً من ضجيج الخارج ومشاحناته، أرمي مفاتيحي على الطاولة وأحرر معصمي من قيد ساعة اليد، ثم أرفع بصري إلى أيقونة القيامة Anastasis المعلقة فوق صدر الحائط الأيسر.
لا أدري على وجه التحديد إن كنت أحدق فعلاً في الأيقونة، أم أن الأيقونة هي التي تنفذ ببصرها إلى داخلي؟!
لكن مهلاً.. أنا أميزُ هذا الوجه الشاحب لآدم.. هذا وجهي أنا، وقد أنهكه التعب!..
وأعرفُ هذا الشيب المشتعل في رأسِه ولحيتِه، إنه يشتعل في رأسي أنا أيضاً!!..
ويخال لي أن هاتين العينين الذابلتين هما عيناي نفسهما وقد أضناهما السعي، بل أن هذا الرسغ الهزيل الذي تشده يد المسيح المثقوبة – لترفعه من هوة الموت – .. هو رسغي أنا!
إن أيقونة الـ أناستاسيس Anastasis بكل ما تحمله من دقةٍ لاهوتيةٍ شرقيةٍ، لا تُصوِّر لحظة خروج المسيح من القبر كما لو كانت القيامة مجردَ انتصارٍ حصريٍّ يخص المسيح وحده، بل هي تُسجلُ وتشهدُ عن اقتحامه الملحميّ للهاوية نفسها ونزوله المزلزلِ إلى مملكة الظلمة.
وتجذبنا ألوان هذه الأيقونة وأصواتها وحركاتها إلى أعماق عمل المسيح الخلاصي، ذلك العمل الذي يستحيل اختزاله في قيامته هو وحسب، هذا لأن القيامة هي من صميم طبيعة المسيح.. بل هي طبيعته عينها!
غير أن الأيقونة لا تكتفي بالإشارة إلى هذه الحقيقة البديهية – أن القيامة هي من صميم طبيعة المسيح – بل هي تكشف لنا جوهر هذا العمل الخلاصي، وتُدخلنا إلى قلب الوعي الأرثوذكسي بغايته أيضاً، وهي أن يقوم الجميع معه.. بل فيه.
المسيح في هذه الأيقونة ليس خارجاً عن مأساة الإنسان، بل نازلاً إلى قاعها البارد المظلم، وهو هنا لا يتجاوز الموت من بعيدٍ، بل ها هو ينفذ إلى أعماقه السحيقة كي يُبيده من الداخل. إنه لا يقهر الموت وحسب، بل تسجل الأيقونة اللحظة التي فيها يحطم آدم الثاني سلطان الموت تحطيماً .. ويمد يداً حانية .. واثقة .. إلى آدم الأول منتشلاً إياه من موته!
وحقيقة الأمر أنا هذا الوجه من أوجه تدبير الخلاص هو بحق ذروته وقمته، لأنه يمثل لحظة انتزاع الإنسان وافتكاكه من بين أنياب الموت وبراثنه ، هذا لأن المسيح لم يتجسد ليتحمَّل عقوبة قانونية بدلاً منا – مثلما تَرَسَّخ في اللاهوت الغربي – لكنه تجسد ومات ليقتحم مملكة الموت فيبيد سلطانها الرهيب الذي ظلَّ قابضاً على آدم وبنيه بين فَكّيه ، من أجل هذا نقول أن نزول المسيح إلى الهاوية هو ذروة العمل الخلاصي!
لقد جاء المسيح كي يتحد بنا وبطبيعتنا اتحاداً حقيقياً، فيدخل إلى فساد هذه الطبيعة، أي أن يهبط إلى عمق الكارثة الأنثروبولوجية التي ألمت بالجنس البشري وغرست أنيابها ومخالبها في رقاب الجميع – تلك الكارثة التي تُدعى الموت – ويصنع فيها ومن داخلها بدءاً جديداً للوجود!!
فالكنيسةُ حين تُصلّي، لا ترى في سبتِ النور فراغاً بين الصليب والقيامة، بل ترى فيه لحظةَ التوغُّل الإلهيِّ إلى أقصى مواضع السقوط الإنساني. لهذا دعتْه الكنيسة القبطية سبتَ النور، لأنَّ المسيح فيه نزل إلى الهاوية «ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت» (لوقا ١: ٧٩). فالمسألةُ إذن ليست عبوراً فوق الموت، بل إشراقاً في داخله، لأن المسيح هنا يقتحم مأساة الإنسان في صميمها وينزل إلى أعماقها إلى أن يبلغ حضيضها!
نزول المسيح إلى الهاوية هو استعلان الظهور الإلهي المدون في العهد القديم حين ظهر “شبيه ابن الآلهة” في قلب أتون النار وسط الثلاث فتية فحوّل موضع الهلاك إلى موضع حضورٍ إلهي وخلاص. وكما دخل الرب إلى الأتون دون أن تمسّ النار خاصته، هكذا نزل ابن الإنسان إلى الهاوية ليكسر شوكة الموت ويبدد سلطانه، معلناً أن حضوره الإلهي قد بلغ حتى أعماق الجحيم، فيحوّل موضع الأسر والرعبة نفسه إلى موضع حرية الإنسان وقيامته.
هنا ، وداخل هذا المشهد المهيب ، يظهر لنا الارتباط العميق بين يونان والمسيح، حيث أن يونان كان يمثل علامةً رمزيةً سبقت الحدث العظيم الذي أكمله المسيح في ملء الزمان، لذلك قال الرب نفسه: «لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ» (متى ١٢: ٤٠). فكما انحدر يونان إلى أعماق البحر، وصرخ من جوف الهاوية ثم خرج حيّاً، كذلك نزل المسيح إلى الجحيم بعد موته بالجسد، لا بوصفه خاضعاً لسلطان الموت، بل بصفته المنتصر والظافر الذي اقتحم مملكة الظلمة وحطّم أبوابها وهدَّم جدرانها.
لقد كان يونان صورةً ولمحةً وإشارةً لما أعده الله وما كان سيُستَعلَن لنا في ملء الزمان، أمّا المسيح فهو الحقيقة الكاملة، وهو استعلانها وتمامها، لأن قصة يونان تشير لنا إلى الخروج من موتٍ رمزي، أمّا المسيح فقد نزل بالحقيقة إلى جوف هاوية الموت كي يملأه بحضوره المُحيي، ويعلن انتهاء سلطانه الذي أطبق على الجميع، ويعيد للمأسورين رجاء القيامة. ومن هنا صار يونان في الذهنية الأرثوذكسية رمزاً سابقاً لهذا السرّ الخلاصي العظيم.. سرّ النزول إلى الجحيم الذي لم يكن هزيمةً، بل بدء الانتصار المجيد، حين جزنا الهاوية مع المسيح، وخطونا معه على أبوبها النحاس التي هشَّمها مرة واحدة وإلى الأبد!
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا تُصِرُّ الليتورجيا الأرثوذكسية على أن تجعل من الجحيم نفسِه متكلِّماً، ففي خدمة السبت العظيم في التقليد البيزنطي يصرخ الجحيمُ متوجِّعاً:
«اليومُ الجحيمُ تأوهت صارخةً: لقد وُطِئَ سلطاني
لأنَّ الراعي صُلِبَ، وأنهضَ آدم
وقد جُرِّدتُ من الذين كنتُ أتسلَّطُ عليهم..
وكلُّ الذين ابتلعتُهم بقوّتي قد لفظتُهم..
لأنَّ المصلوبَ قد أفرغَ القبور..
ولم يَعُد لسلطانِ الموتِ وجود. »
لأنَّ الذي دخل الجحيم لم يكن أسيراً جديداً يُضاف إلى غنائمه، بل كان القادرَ على تحطيم أبوابه النحاس، وتفريغ قبوره الباردة، وانتزاع آدم ومن معه من قبضته. والنصّ البيزنطي لا يكتفي بأن يشهد لقيامة المسيح، بل يعلن أنَّ سلطانَ الموت قد تكسَّر، وأنَّ آدم قد أُقيم معه، وأنَّ الذين ابتلعهم الموت قد أُجبِر على أن يردَّهم. وهذه التعبيرات الليتورجية تواصل التأكيد على جوهر القيامة، لا بكونها واقعةً تخصُّ جسدَ المسيح وحده، بل بوصفها حدثاً كونياً هزَّ بنيةَ الموت ذاتَها.
ولهذا نلمس الدقة اللاهوتية في النشيدُ الفصحيُّ الأشهر في التقليد الأرثوذكسي :
«المسيحُ قام من بين الأموات، ووطئَ الموتَ بالموت، ووهبَ الحياةَ للذين في القبور».
فالتركيزُ هنا ليس على خروجِه من القبر فحسب، بل على ما فعله بالموت نفسه، وما قام به تجاه الذين كانوا تحت سلطان الموت. إنَّ القيامة – بحسب هذا المنطق الليتورجي – ليست خبراً عن قيامة الكلمة المتجسد، بل عن تصدُّعِ مملكةِ الموت من داخلها، وعن انفتاحِ مصيرٍ جديدٍ للإنسان. ومن ثمّ فالأيقونةُ، حين ترسم المسيحَ فوق الأبواب المحطّمة، ماسكاً بآدم وحواء، إنما ترسم ما تُرنّمه الكنيسة وما تؤمن به وتحياه .. لأن قيامته هي – في آنٍ واحدٍ – نزولٌ وظفرٌ واجتذابٌ وتحريرٌ.
والكتاب المقدّس نفسه هو الذي أعطى الكنيسةَ مادة هذا الترنيم. ففي أعمال الرسل (2 : 27) نجد بطرس يشير إلى نبوة داود ويربط بين القيامة وبين أنَّ نفسَ المسيح لم تُترك في الهاوية وأنَّ جسده لم يرَ فساداً، أي أن القيامةَ تُفهَم من داخل علاقةٍ مباشرةٍ بالهاوية نفسها. وفي أفسس يقرأ بولس الصعودَ على ضوء النزول أولاً إلى أسافل الأرض: «وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى.» (أفسس 4 : 9) ، بحيث لا يكون المجدُ صعوداً مجرداً، بل صعودَ مَن ملأ الكلَّ لأنه هبط أولاً إلى عمق مأساة الإنسان وموته.
ويعود بطرس الرسول في رسالته الأولى (3 : 19) فيتكلّم عن المسيح الذي بعد أن أُميت في الجسد، ذهب فكرز للأرواح التي في السجن. لذلك لم تخترع الليتورجيا موضوع نزولِ المسيح إلى الجحيم، بل استخرجتْه من صميم الشهادة الرسولية للقيامة.
ومن أرق و أبدع وأدق ما تدونه الليتورجيا البيزنطية في قانون الفصح، في التسبحة الثالثة من سَحَر عيد القيامة:
«أَمسِ دُفِنْتُ معكَ. أَيُّها المسيح. واليومَ أَنْهضُ معَكَ بقيامتِكَ.
أَمسِ صُلِبْتُ معكَ. فأَنتَ يا مخلِّصُ مجِّدْني معكَ في ملكوتِكَ»
وهذه العبارة في حقيقة الأمر تحمل كثافةً وجوديةً شديدةً، فالأمر لا يتعلّق بخلاصٍ يُشاهَد من الخارج، وقضية قانونية يُسدَلُ عليها الستار في الجلجثة، بل بخلاصٍ يُعاش من داخل اتحادنا بالمسيح حيث نجوز معه الهاوية نفسها، وفيه يتحول موضع الأسر والهزيمة إلى موضع تحريرنا وانتصارنا. وهناك في أعماق تلك الهاوية المهزومة، تتجلى لي حقيقة القيامة كما تفصح عنها أيقونة الـ Anastasis، فهي هنا لا تعرض أمامي بطولةَ المسيح بوصفها عملاً فردياً مهيباً أنا منه في موقف المشاهد، بل تكشف لي أنَّ يدي أنا أيضاً ممسوكةٌ من قِبَل هذه اليد المثقوبة، وأنَّ خروجي أنا من موتي يبدأ من دخوله هو إلى موتي نفسه. لذلك فالتعبير الأدق ليس أنَّ المسيح قام بدلاً منّا، بل إنَّه قام لأجلنا، قام بنا ومعنا، قام فينا وفي طبيعتنا، حتى ينتشل البشرية كلها معه إلى واقعٍ وجوديٍّ جديدٍ.
ولهذا فإنَّ الكلامَ عن نزول المسيح إلى الجحيم لا يناقض القيامة بل يفتح الباب على مصراعيه أمام حقيقتها. فالقيامة ليست مجرّد لحظةِ ظهور القائم، لأن هذه اللحظة هي الثمرةُ المنظورة لذلك العمل الخفيّ الذي تمّ في ظلمة الموت. الكنيسةُ – وكما حفظت لنا في تقليدها الليتورجي – تتأمّل هذا السرّ على أنه اللحظةُ التي بلغ فيها الفداءُ أقصاه ، لأن المسيح – الطبيب الحقيقي – لا يداوي الجرح الإنساني من الخارج بل هو يدخل بنفسه إلى صميم هذه الجراح ليبطل تأثيرها ويشفي الإنسان ويحرره من سطوتها وسلطانها الغاشم.
المسيح هنا وهو يطأ الأبواب النحاس هو لا يغير نتائج الموت فحسب، بل هو ينفذ إلى سلطانه وبنيته ومملكته. لذلك تشهد كافة النصوص الليتورجية الأرثوذكسية – على اختلاف التقاليد المحلية – أنَّ المسيح حطّم الجحيم وأقام آدم وأعطى الحياة للذين في القبور، أي أن القيامة ليست حدثاً منفصلاً عن نزوله إلى الجحيم، بل هي إعلانُ دخول الكلمة المتجسد إلى حالتنا البشرية فعلاً، لأنه أخذ جسداً قابلاً للموت كي ينفذ إلى الموت نفسه فيبيد سلطانه ويقيم الطبيعة البشرية فيه…
«اليومُ الجحيمُ تأوهت صارخةً: لقد وُطِئَ سلطاني
لأني قَبِلتُ ميتًا كأحدِ الأموات، إلا أني لم أستطع أن أضبطه بالكلية،
بل فقدتُ معه الذين كانوا تحت سلطتي.
أنا كنتُ مسؤولةً على الأموات منذ الدهر..
إلا أن هذا أنهضَ الكلَّ. »
فالمجدُ لصليبك يا ربُّ ولقيامتك.






