المسيحية ليست ديانة، بمعنى أنها ليست مؤسسة على نصوص فوقية تأمر وتنهي، بل هي علاقة أسسها شخص أتى إلينا من خارج التاريخ، مقتحمًا التاريخ، ليستعلن نفسه للذين هم تحت التاريخ، ولكي يدخل بهم إلى قدس الأقداس حيث يكشف الروح القدس أسرار الله

المسيحية ليست ديانة، بمعنى أنها ليست مؤسسة على نصوص فوقية تأمر وتنهي، بل هي علاقة أسسها شخص أتى إلينا من خارج التاريخ، مقتحمًا التاريخ، ليستعلن نفسه للذين هم تحت التاريخ، ولكي يدخل بهم إلى قدس الأقداس حيث يكشف الروح القدس أسرار الله.

يبدأ الحديث عن الله في اللاهوت الأرثوذكسي بأنه غير موصوف ولا يُنطَق به، ولا تستطيع اللغة الإنسانية أن تصل إلى حقيقته، ولا يستطيع فكر الإنسان أن يتفحّصه، ولهذا أتى التعبير الشهير الذي استخدمه الآباء “سرّ μυστήριον” معبّرًا جدًا عن كل استعلان إلهي داخل العالم الإنساني، وكل معرفة إلهية سامية عن الإدراك البشري العقلي.

المسيحية الأرثوذكسية ليست دينًا، لأنها لا تعرف النصّ إلّا كشاهد، أما فحواها فهو العلاقة مع ذلك الشخص الإلهي الذي أتى إلينا متجسدًا وصار لحمًا ودمًا. لذلك يمكننا أن نقول إن العقيدة الأرثوذكسية هي التعبير عن العلاقة، العلاقة الجديدة جدًا التي صنعها ذلك الشخص الإلهي بتجسده. ومن هذا المنطلق، فإن قاعدة الإيمان ليست المشاهدة العينية أو الأدلة التاريخية، بل هي الدخول إلى حيّز السرّ، أو ما يدعوه الرسول بولس “ما وراء الحجاب”، الذي فيه ينكشف للنفس ما هو بطبيعته يفوق كل معرفة حسية.

تأمّل معي في مشهد ذلك الحوار الذي دار في قيصرية فيلبس بين الرب يسوع والرسول بطرس، وتوقّف جيدًا عند ذلك الاعتراف الذي نطق به الرسول القديس: “أنت هو المسيح ابن الله الحي”. ماذا رأى الرسول بطرس بأعينه، وماذا سمع بأذنيه حتى ينطق بهذا الاعتراف؟ أو ما الذي رآه أو سمعه مختلفًا عن باقي التلاميذ حتى ينطق به؟ الحقيقة أنه رأى، ولكنه رأى رؤيةً ليست بأعين جسده، ولم يستخدم فيها حواسه الجسدية، بل حواس أخرى روحية كشف لها الروح القدس السرّ الإلهي، فآمن واعترف. الكنيسة تدعو هذه الحواس بـ “أعين قلوبنا ⲛⲓⲃⲁⲗ ⲛ̀ⲧⲉ ⲛⲉⲛϩⲏⲧ”[1]، ذلك لأن الأعين الجسدية ليست في قدرتها أن ترى وتفهم ما هو أسمى من الطبيعة، وليس لها أن تتفحّص ما هو غير مدرك. فالتلاميذ جميعهم رأوا الرب يسوع، واليهود أيضًا، ولكن واحدًا فقط هو الذي اعترف في ذلك الوقت، لأنه استُعلِن له هذا السر. فطوّبه الرب يسوع قائلًا: “إن لحمًا ودمًا لم يُستعلَنا لك، ولكن أبي الذي في السموات”، كما أنه أوضح أن صخرة الإيمان قائمة وثابتة على هذه القاعدة، وهي استعلان الروح القدس داخل النفس.

هذه الحقيقة تتجلّى في حادثة ظهور الرب لتلميذي عمواس. لاحظ أنه تراءى لهما رؤية العين، وتحدّث معهما، بل تكلّم معهما من الكتب المقدسة: “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ”[2]، ولم يعرفاه إلّا عندما كسر الخبز، عند خبرة الشركة والاتحاد. هنا تقف حدود النص والتاريخ، وهنا يُستعلَن الشخص في العلاقة. ومن بعدها اختفى عن أنظارهما، لأنه أصبح فيهما. واختفاؤه عن أنظارهما لم يؤثر على مستوى المعرفة التي استُعلِنَت لهما عنه، بل بالعكس، اختفى عنهما لأن الرؤية الحسية لم تعد ذات أهمية أو تأثير، إذ إن ما هو أعلى من الحواس قد استُعلن فيهما. وبهذا دخلا إلى السرّ: “فانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ”[3].


[1] لحن أوكاتي – مقدمة وختام العظات – أسبوع الآلام
[2] لوقا ٢٤: ٢٧
[3] لوقا ٢٤: ٣١

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *