اليوم، قبل التناول من الأسرار المقدسة، قرأت صلاة توبة من كتاب صلوات أرثوذكسية للدكتور جورج حبيب بباوي. ما هذا!.. كيف لهذا الرجل أن يكون اللاهوت متغلغلًا في صلواته إلى هذا الحد؟! هو لا يكتب لاهوتًا لأجل التعليم، هو يصلي بما يكتبه ويعلّمه. في المراحل الانتقالية على مستواي الشخصي، من حالة التغرّب عن لاهوت الكنيسة الحقيقي …
اليوم، قبل التناول من الأسرار المقدسة، قرأت صلاة توبة من كتاب صلوات أرثوذكسية للدكتور جورج حبيب بباوي. ما هذا!.. كيف لهذا الرجل أن يكون اللاهوت متغلغلًا في صلواته إلى هذا الحد؟! هو لا يكتب لاهوتًا لأجل التعليم، هو يصلي بما يكتبه ويعلّمه.
في المراحل الانتقالية على مستواي الشخصي، من حالة التغرّب عن لاهوت الكنيسة الحقيقي إلى الوعي باللاهوت الأرثوذكسي، كنت دائمًا ما أسأل نفسي: كيف أُشْفى من الصلوات القديمة حيث كنت أركّز على نفسي وذاتي لا المسيح؟ كيف أُصلّي بالوعي الجديد؟ كيف لا أُحوّل صلاتي إلى جلد ذات؟ وكيف أستوعب الصلوات الكنسية، والتي بدون قصد أُحوّل كلمات كثيرة منها إلى جلد ذات وتركيز على نفسي، بدلًا من أن تُحوّل وعيي إلى علاقة “الـأنا – أنت”، علاقة الحوار والإنصات والشفاء، علاقة لا أكون فيها وحدي أتحدث إلى صنم أو وثن ذاتي بشكل نرجسي، علاقة حيّة فيها شخص قُصاد شخص، أحياء في حالة حوار، علاقة بين اثنين ينصت أحدهم حين يتكلم الآخر، وينصت الآخر حين يتكلم الأول، علاقة يدخلني فيها المسيح إلى سرّ الثالوث، وأصمت أنا لأسمع كيف تتحاور الأقانيم فيّ!
هذا الكلام المتجاوز جدًا لنموي وشكل حياتي، والذي أتلّمس منه بعض النور وبعض الحقيقة، يستغرق الدهر بأكمله، وما بعد الدهر إلى الأبد! لكن الوعي! الوعي شاهد علينا أننا انتقلنا من الذات المزيفة التي ترفض الشركة والوجود الحقيقي، إلى الذات الحقيقية جدًا، الحيّة جدًا، في الشركة والسينرجيا.
كيف لهذا الوعي أن يُترجم في صلواتنا؟! كيف يكون شافيًا لا معذّبًا؟! كيف لهذا الوعي أن يدخلنا إلى عمق أنفسنا وعمق السر وعمق الشركة والاتحاد؟ كيف نُصلّي دون أن نُؤسر من ذواتنا، وتكون صلواتنا خير تجلٍّ لحالة الشركة والاتحاد، حيث يحيا المسيح فيّ؟
لم أقرأ من كتاب صلوات أرثوذكسية للدكتور جورج بباوي إلا صلاة التوبة اليوم قبل المناولة من الأسرار المقدسة، وكانت هناك إجابات عن كل ما سبق.
التمرس في اللاهوت يُحدث في الكيان هذا التحول وهذا الارتحال من المرض إلى الشفاء، ومن “الأنا” المزيفة إلى “الأنا” الحقيقية في المسيح يسوع (وهذا ما يُسمّى بجحد الذات في اللاهوت الأرثوذكسي)، أن يتحوّل كيانك كله إلى صلاة على صورة اللاهوت الحقيقي والشافي، تدريجيًا وإلى الأبد. هذا التحوّل يُشْفي نفسك تدريجيًا في أحضان اللاهوت، حيث طبيبها الحقيقي، لأنك في الحقيقة، أنت – بقصد وبدون قصد – تكون دائم التأمل والتعلّم لذاتك في وهج اللاهوت الحارق والمؤلم للهوى غير البريء. تتعلّم كيف لا تخجل من عُري نفسك وجراحاتها وماضيها، بل وانفجار تقيّحاتها وصديدها، في أحضان المحبوب، لأنه يستوعبها ويحملها بلا تأفّف، يُلاشيها تمامًا ويبدّلها بأدويته الشافية ورائحته الذكية. (هذا هو جوهر تجديد الذهن في الكنيسة، والميطانويا، والاعتراف المستمر بالعدم الذي يجوز فيك، لأجل أن يأخذ الخلق مساحاته الحقيقية في إنماء ملكوت الثالوث في ملكوت قلبك).
فيه نتعلّم الحب، ويسقط كبرياء القلب المتجلّي في أقنعة الخجل، والحفاظ على أوراق التين الجميلة خارجيًا، والخاوية كل الخواء داخليًا. فيه تسقط كل أسوار الذات المزيفة الصعبة الاختراق، كما أباد أسوار الجحيم وحطّمها تحطيمًا. فيه نُبْرى تمامًا من كل قناع وورق وزيف، ليصير هو قناعنا الحقيقي، وثمرتنا الحقيقية. يصير هو خجلنا الحقيقي، لا خجل الكبرياء، بل خجل المحبين المقبلين على الموت طوعيًا. يصير حزننا وكآبتنا ليشفي أحزاننا غير البريئة، النابعة عن الذات المزيفة. يصير فرحنا وقيامتنا الحقيقية، حيث تصير كل حياتنا فيه مقدسة ومُشفية.
أُهدي هذه المقالة لمن أهداني كتاب صلوات أرثوذكسية للدكتور جورج حبيب وكتبًا أُخرى،
لمن علّمني بمحبة الأب وتربيته وتوبيخه لابنه، في وقت كنت أحتاج فيه لأن أخرج من سباتي،
أن جذور “أخلاقياتي” في تعاملي مع البعض، وفي سياقات ما، هي كبرياء داخلي كامن في القلب، لا أخلاق حقيقية.
إلى من أوصاني بعدم إهمال القداس والإفخارستيا في غربتي مهما أخذتني الحياة الاستهلاكية،
إلى من كان أول لقاء معه بمثابة افخارستيا حيث خرجت من عنده محمّلًا بنفس الوعي والشعور الذي أخرج به من القدّاس الالهي. حينها عرفت أن الشركة إفخارستيا، وأن التعلّم إفخارستيا، وأن لقاء الآباء الحقيقيين إفخارستيا، لأنه دواء حقيقي للنفس.
شرح الايقونة:
تُصوَّر الأيقونةُ المسيحَ واقفًا أمام المذبح، يُناول الرسلَ — الذين هم نحن أيضًا، أو جسده عمومًا (أي كنيسته) — وهم يقتربون من اليسار واليمين. يُصوَّر المسيح عادةً مرّتين: مرّةً على اليسار وهو يقوم بما يُعرَف بـ”الميتادوسيس” (metadosis)، أي “إعطاء” الخبز، ومرّةً على اليمين في ما يُعرَف بـ”الميتالِبسيس” (metalepsis)، أي “تناول” الخمر.
فالمسيح هو الذي يُناولنا — ككنيسة — بيدَيه، يُناولنا نفسه، كتثنية للعشاء الرباني، حيث تتحوّل وليمة العشاء الرباني إلى كنيسة، وتتحوّل المائدة التي جلس حولها الرسل إلى مذبح. يُظهَر المسيح مرّتين في هذا المثال: ممسكًا بالخبز على اليسار، وبالكأس (أو أحيانًا إبريق) على اليمين.
يمكنك تحميل كتاب صلوات ارثوذكسية لدكتور جورج حبيب بباوي من هذا الرابط: