أولًا: القيامة حقيقة، في إيماني، كما إيمان جميع المسيحيين حسني العبادة الأرثوذكسيين، "حقيقة"، وليست "ظاهرة"، لأنها لا تخضع للموت، ولأن نبع الإيمان بها هو توق الإنسان نحو حقيقة متجاوزة لحدث الموت، على المستويين البيولوجي والوجودي، مش زي ما بيروج عنها مُلحدي يسوع التاريخي على إنها "إشاعة" أو "مجاز" أو "خرافة" سرت بين المسيحيين لحاجتهم إلي …
أولًا: القيامة حقيقة، في إيماني، كما إيمان جميع المسيحيين حسني العبادة الأرثوذكسيين، “حقيقة”، وليست “ظاهرة”، لأنها لا تخضع للموت، ولأن نبع الإيمان بها هو توق الإنسان نحو حقيقة متجاوزة لحدث الموت، على المستويين البيولوجي والوجودي، مش زي ما بيروج عنها مُلحدي يسوع التاريخي على إنها “إشاعة” أو “مجاز” أو “خرافة” سرت بين المسيحيين لحاجتهم إلي تأليه معلمهم على غرار تأليه “أبناء الرب” فى الإمبراطورية الرومانية، نتيجة ظرف خاص يقع في الإجتماع السياسي، وليس في عالم “الحقيقة”.
ونور القيامة المقدس هو الآخر حقيقة، لا تخضع للموت، وبالتالي لا للزمان ولا للمادة، النور الإلهي يتجاوز التاريخ والطبيعة كلاهما معًا، وهو ليس من هذا العالم، لأنه نورالثالوث الأبدي، أو كما يُسميه الآباء “النور غير المخلوق”، وهو ذاته نور تجلي الرب على ثابور، والنور الذي أبرق حول شاول الطرسوسي كما لو أنه أفضل من لمعان الشمس ليجدده إلي بولس الرسول، وهو ألسنة النار التى نزلت على التلاميذ كأنها منقسمة، بل والنار التي صعد فيها إيليا إلي السماء، وهو ذات النور الذي نستنير به في معموديتنا، والذي نراه مستيكيًا (صوفيًا) في صلاتنا، وهو “النار غير المادية والإلهية التي تُنير النفوس وتمتحنها” كما يقول مكاريوس الكبير، أنه نور القيامة وواقع الحياة الأبدية، وهو نور واحد من الله الواحد، وإلا نكون قد قسَّمنا غير المُنقسم، ووقعنا في هرطقة “الأنوار الثلاثة” على غرار نظرية “الأجساد الثلاثة” كدا.
معنى كدا، كون النور غير مخلوق، أننا لا نعرف طبيعته حق المعرفة، لأننا لا نستطيع أن نعرف جوهر الله إلا معرفة سلبية، فهو النور الذي لا يُدنى منه الذي يسكن فيه الثالوث، “أشعة اللاهوت” اللي اتكلم عنها ديونسيوس الأريوباغي، قوة الله وطاقاته الخلاقة … صحيح أن التلاميذ شافوه على ثابور، لكنهم لم يدركوه، وذات الأمر اختبره بولس، ولكنه أعمى عينه، الطبيعة الأبوفاتية للنور الإلهي تتضح من كلمات القديس سمعان اللاهوتي الحديث على انه “نار غير منظورة وشعاع منظور لا بدء له!” وهو نور غير مادي، غير محسوس، وهو ليس بالنور العقلي أو الفكري زي ما بنلاقي عند “المستنيرين” أو “التنويريين” كدا، ولكنه نور غير مخلوق، ومع ذلك من الممكن “بالحواس وبالعقل، أن ندرك ما هو فوق كل حس وعقل” …
ثانيًا: النور الإلهي غير مخلوق، لذلك هو غير مادي، بعكس النور الذي ينبثق من قبر ربنا يسوع المسيح يوم سبت النور بحسب تقويم الشرقيين، فالأخير نور مادي مخلوق ملموس (بتقول له هوووف فينطفي عادي)، تراه وتلمسه وتحس بحرارته بعد فترة وجيزة من اشعاله، وهو في ذاته يخضع لخبرة الموت والإنتهاء (الانطفاء).
كما أنه لا يُمكن أن يكون معيارًا للإيمان بالقيامة، لأن قيامة الرب حدث متجاوز للمادة، ومتعالي على الأدلة المادية … لا يوجد دليل مادي واحد على قيامة ربنا غير المادية!، كل الشواهد اللي احاطت الحدث، كانت تدل – في ذهن تلاميذ الرب والمرميات اللي أنبأهم يسوع أكتر من مرة عن موته وقيامته – على سرقة الجسد! بس كدا! «أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!»، والمجدلية تمسك في البستانى وتتحايل عليه وتقوله بهدلتوا الراجل وصلبتوه مش معقولة كمان تسرقه جثمانه! لا أحد رأي المسيح وهو يقوم، هناك اعلان للقيامة بواسطة الملاك، ولكن ليس هناك دليل مادي على القيامة. القيامة فعل تحول بواسطة نورها الإلهي، زي اللي حصل لشاول، وهي فعل إيمان ووجد نحو الثبات في حياة تعبر أبواب الموت … وكل إيمان بالقيامة بخلاف الذي أُعلن في الإنجيل يبقا إيمان خرافي، جاي من طبيعة وبنية الإيمان الخرافي القبطي الشعبي/البروتستانتي اللي اتربينا عليه في الكنايس، والإيمان الخرافي بيتقلب بسرعة وبسهولة إلي إلحاد وبـدابل كيك واحدة وبدون أي مجهود، زي شكة الدبوس بالظبط، دا لأن جوهر الخرافة هو انعدام الإيمان الحقيقي، أي الإلحاد.
فيسوع المسيح قام بالجسد في اليوم الثالث لموته بالحقيقة، سواء انبثق النور من قبره أو لو كنا لم نكتشف هذا القبر أصلًا!، نور القيامة ينبثق في كل “خريستوس آنيستي، خريستوس أفطونف” نقولها بدون الحاجة إلي انتظار “معجزة” ما لإثباتها.
ثالثًا: القيامة غير مادية، والنور اللي بيظهر مادي، فهو ليس نور القيامة ذاته، بل مادته!
هنا نبتدي نشرح “المفهوم الأيقوني/السرائري” للنور المقدس، واللي اعتقد انه بيدينا تصور أرثوذكسي غير خرافي عن حدث النور.
النور المقدس زي الأيقونة، زي ما فيه خشب وألوان ورسم وخطوط مصنوعين بأيدي بشرية، إلا أن أصل الشخص يحل في الأيقونة بحسب النعمة، فالأصل حاضر في الأيقونة بفعل حلول الروح القدس في صلوات التقديس، دي حقيقة عَبَّر عنها المجمعُ المسكوني السابع (787م)، على لسان آبائه بالقول الشهير: “مَن يعاين أيقونة يؤخَذ لمعاينة الأصل”.، وهي امتداد لإيمان الكنيسة بتجسّد المسيح وحضوره الحقيقي بين البشر، “وإذ نرى غير المرئي بواسطة صورة مرئية، نسبّحه لأنّه كائن حاضر”، فكما أنّ الأيقونة هي خشب يابس ولكن من خلالها نحن نتواصل مع الحقيقة الإلهية، فلما نقف قدام أيقونة والدة الإله مثلًا، تكون والدة الإله حاضرة فعلًا في الأيقونة بحسب النعمة، نفس المفهوم السرائري ينطبق على الكتاب المقدس، فالكلمات المكتوبة تصير لنا بحسب النعمة أكثر من مجرد كلمات، أي روح وحياة، فالنصّ الكتابي ليس مجرد حبر على ورق، لكن يعكس حقيقة إلهية. والعلاقة بين الكتاب والأيقونة يؤكدها القديس يوحنّا الدمشقي الذي يرى أنّ الأيقونات هي “كتب مفتوحة تذكّرنا بالله”، وأنّها تساوي الكتب المقدّسة أهمية. وقد شبّهها بأسرار الكنيسة من جهة حملِها النعمة إلى المؤمنين.
نفس الشيء يحدث في الإفخارستيا، الخبز والخمر يصيرا جسد الرب ودمه، ومياه المعمودية يكون لها هذا المفعول المحوِّل والمُجدِد الذي لقبر المسيح وقيامته، كذلك النور الذي ينبثق من قبر المسيح في أورشاليم هو أيقونة، وسر، فبفعل صلوات الكنيسة (في العالم كله) وإيمان المسيحيين، يصير نور المسيح القائم حاضر بالنعمة في النور المادي الذي يلمسه المسيحيون ويطوفون به بالشموع، فنحن نُعاين نور القيامة الحقيقي غير المخلوق، في النور المخلوق الذي بين أيدينا، تماماً كما نُعاين الرب في أيقونته، وتمامًا كما تظهر والدة الإله من خلال أيقونتها، لأن النور غير المخلوق لا يمكن أن نلمسه، ولا نعرف طبيعته أصلًا، لذلك فهو “يتجسد” و”يتأيقن” في النور الذي يخرج به بطريرك أورشاليم من قبر الرب، ويصير فيه ذات حضور النور غير المخلوق كما مادة السر – أي سر – التي يكون لها بالنعمة قوة حضور الثالوث فيها.
طبعًا مش محتاج ألفت النظر أننا في الكنيسة الأرثوذكسية لا يوجد لدينا قائمة بسبعة أسرار حصرًا كما التعليم اللاتيني في العصور الوسطي، فأي فعل تحوُّل وتجديد وشفاء في الكنيسة هو سر.
رابعًا: يوجد سر النور في الكنيسة -كأي سر – من أجل التأله θέωσις أي الإتحاد بالله، فهو “النور المؤلِّه”، وسر يتم في الأشخاص البشريين، فالتأله أو الإتحاد بالله هو علاقة σχέση وعملية دينامية δυναμική تحدث فى الشخص πρόσωπον وليس الطبيعة φύσις
بمعنى أن غرض السر مش فقط تحول في “طبيعة” النور المادية لتكون لها ذات قوة النور غير المخلوق، بشكل آلي أو طبيعي أو سحري، ولكن لتحقيق علاقة التأله!، لا توجد في الكنيسة شعوذات ولا دجل ولا خرافات، كل الأسرار تعمل في إتجاه الإتحاد الشخصي (الأقنومي) بين الإنسان والله، سر النور المقدس هو سر شخصي وليس طبيعي،أي يقع في دائرة العلاقة الشخصية وليس على طبيعة مادة السر فحسب.
السر مش عملية سحرية بتتم باستعداء الروح القدس على المادة زى ما بنشوف الساحرة الشريرة فى أفلام ديزنى … مش تعويذة يعنى … بل تجلى لعلاقتك بالثالوث فى بيتك وشغلك وقلبك وضميرك وصلاته وأحلامك … هو علاقة لأقنوم حر ὑπόστασις اللى هو الإنسان مع ثلاثة أقانيم حرة الآب والابن والروح القدس، فدا بيخرجه برا دائرة الحتمية والضرورة …
المعجزة الحقيقية هي قيامة الرب وقيامتنا فيه، وليس انبثاق النور، هي في الفعل المُحرر والخالق والمُجدد لنور القيامة الحقيقي وقدرته على تأليهك لما تدخل مع الله في علاقة جدل طويلة المدي قد تستغرق العمر كله، التأله (الخلاص) ليس وليد لحظة لأنه علاقة وليس خرافة، والعلاقات بيكون فيها شد وجذب، وصعود (كما جبل سيناء، في تشبيهات الآباء) وأحيانًا هبوط، وتتراوح حسب حالات النفس، الجفاف، والحزن والضجر والفتور، وبرودة القلب، و السلام والفرح أيضًا، شوف ق. سمعان اللاهوتي الحديث لما وصف “جدل” العلاقة بينه وبين النور غير المخلوق، يقول: “كثيرًا ما كنت أري النور، أحيانًا يظهر لي داخل نفسي، عندما تكون في السلام والصمت، وأحيانًا كان لا يظهر لي إلا من بعيد، بل كان يحتجب كُليًا، وعندها كان يتملكني حزن عظيم، وأظن أني لن أراه ثانيةً، ولكن عندما كنت أبدأ بذرف الدموع، وأبدي انفصالًا تاماً عن كل شىء، كان يظهر لي النور ثانية، كالشمس التي تُبدد كثافة الغيوم وتظهر رويدًا رويدًا حاملة الفرح.”
فغرض ظهور النور هو نفس إنسانية متحولة ومتقدسة، مش show أو عروض سحرية نثبت بيها صحة إيماننا ونغيظ بيها غير المؤمنين، الغرض هو حدوث تحول في الوعي، كما تحول وعي التلاميذ على ثابور، الآباء بيقولوا أن طبيعة المسيح لم تتغير هناك، بل كان نوره الإلهي حاضرًا دومًا كما في لحظه التجلي، ولكن حدث تغير في وعي التلاميذ جعلهم يدركون المسيح كما هو كائن دومًا.
فسر النور الإلهي لو وقع على مجرد المادة (النور المخلوق) يصبح مجرد تغيير طبيعى!!! ويبقا خرج من دايرة الحرية لدايرة الضرورة والحتمية نتيجة عملية شعوذية … بدل ما يكون تجلى لتحول وتغيير العلاقة بين أشخاص حرة … يعنى بدل ما تكون مفاعيله بتقع على الشخص فى علاقته بالله! لكنه هو تحوُّل فى العلاقة، والعلاقة هنا مش بتخضع لقوانين طبيعية أو حتمية ولكنها لا تخضع! أى أنها حرية محضة … وكل علاقة تحوُّل مختلفة متفردة عن العلاقة التانية، لإنها علاقة خاصة بين شخص الإنسان المتفرد عن باقى البشر، وبين الله اللى بيستجيب لهذا التفرد.
خامسًا: مُتفهم جدًا موقف الرافضين لمعجزة انبثاق النور، بل إن التحليل اللي بتقروه دا نفسه يحمل الكثير من ضعف الإيمان فيما يتعلق بحدوث معجزة “طبيعية” في انبثاق نور من قبر المسيح من العدم …ولكن مع دا، لا أشك لحظة واحدة في حقيقية القيامة، وفي حقيقية فعل سر النور المقدس في علاقتي بالثالوث، واللي بيحصل عن طريق حضوره في مادة السر … وإن كنت لا أدري فيما يتعلق بإنبلاج نور يظهر من العدم، إلا أن إيماني الكامل هو أن الذي يحمله المسيحيون على الشموع في أورشاليم يوم سبت النور، له ذات فعل الحضور الذي للنور غير المخلوق، كما هو إيماني التام بأن الافخارستيا هي جسد الرب ودمه وليس مجرد خبز وخمر “طبيعيين”، وأن أيقونة السيد هي حضور متجلي لأقنومه الواحد، مش مجرد خطوط على خشب …
عشان كدا لما أشوف النور على التليفزيون، أفرح، وأرشم الصليب، وأُعلن “خريستوس آنيستي”، لأنه نور القيامة الغير مخلوق قد تأيقن في نور القبر المخلوق.
أعتقد مشكلتنا هي فى طبيعة العقل المسيحي، اللي أصبح عقل خرافي فى الناحيتين (المؤمنين والمتشككين)، الناس متخيلة إن انبثاق النور المقدس، هو بالظبط زي ما بيهيصوا على أي نور كشاف عادي: “هوبا هوبا هوبا، العدرا فوق القبة”، المعجزة في هذا العقل هي شعوذة محضة، مجرد نسخة مُعادة ومُكررة من أى ظاهرة دينية “طبيعية”، وهي نفسها قناعة الملحدين، اللي بيرفضوا السر لأنه دجل وخرافة، وباسم العقلانية والتنوير، تُمسخ إنسانية الإنسان، عندما يشوه عقله الساقط ويُعلن عن تشوهه في رفضه لأى محاولة لرؤية الروحي داخل المادي، العقل اللي بدل ما يبحث عن إيمان يتجاوز موته، ويجِد في إثره، يلغي أي محاولة للسعي ناحية الحقيقية ببوست ع الفيسبوك، أو بفيديو عن كيفية عمل النور الإلهي في المنزل بواسطة الفوسفور الأبيض، العقل اللي بدل ما يطلب رؤية نور القيامة، يكون سؤاله “هو ليه الله ما بيستجيبش لصلوات المتألمين بدل ما يعملنا معجزة هوبّا ما بنستفادش منها حاجة؟”، طَلَب النفعية وليس الحقيقة، وقتل حركة الوجد والتصوف والارتحال من أجل البحث عن إيمان داخل نفس الإنسان هو تشوه كامل للعقل المسيحي!
…
اقروا “حضور الأصل في الأيقونة بحسب النعمة”، وفصل النور الإلهي في كتاب ” بحث فى اللاهوت الصوفى لكنيسة المشرق – فلاديمير لوسكى” هتلاقوهم ع النت.
Χριστός ἀνέστη
Aληθώς ανέστη







