من أبرز ملامح العجز البروتستانتي تقديم أنصاف الحقائق كأنها الحقيقة الكاملة، ومن يروج لأنصاف الحقائق هو بلا شك أكثر خطورة ممن يكذب! وبينما هم عاجزون عن الدفاع عن مبدأهم الفاسد "سولا سكريبتورا"، لأنه ببساطة إن كانوا يستندون إلى الكتاب وحده، فليأتوا بآية واحدة من الكتاب نفسه تصرّح علانية بأن الكتاب هو المصدر الحصري والوحيد للتعليم، …

من أبرز ملامح العجز البروتستانتي تقديم أنصاف الحقائق كأنها الحقيقة الكاملة، ومن يروج لأنصاف الحقائق هو بلا شك أكثر خطورة ممن يكذب!

وبينما هم عاجزون عن الدفاع عن مبدأهم الفاسد “سولا سكريبتورا”، لأنه ببساطة إن كانوا يستندون إلى الكتاب وحده، فليأتوا بآية واحدة من الكتاب نفسه تصرّح علانية بأن الكتاب هو المصدر الحصري والوحيد للتعليم، كما زعم لوثر وكالفن وزوينجلي!

وكالمستجير من النار بالرمضاء، تراهم يمارسون أسلوب «قنص النصوص» البروتستانتي المعروف، الذي لا يُجيدون سواه، فيصوّبون سهامهم المسمومة صوب تراث الآباء، يحاولون أن يجدوا فيه ما يستر عوراتهم ويثبت صحة مبدأهم الفاسد: «سولا سكريبتورا».

 

أحدهم يقتبس للقديس غريغوريوس النيسي وهو يدافع عن نفسه ضد من اتهموه بالابتداع بينما هو يشرح الفهم الأرثوذكسي للثالوث:

“ماذا بعد؟ هل يُنهكون بعد هذه الجهود، ويقنعون بالراحة؟ لا، على الإطلاق. ثم يتهموننا بالابتداع ويصيغون شكواهم ضدنا كالتالي: إنهم يزعمون أننا بينما نعترف بثلاثة أقانيم (هيبوستاسات) نقول إنه يوجد صلاح واحد، وقوة واحدة، وألوهة واحدة وبهذا التأكيد فهم لا يتجاوزون الحقيقة. لأننا نقول نفس الشيء أيضًا. لكن أساس شكواهم أن العادة عندهم لا تقر بذلك، والكتاب المقدس لا يدعم هذا. ما هو جوابنا إذن؟ نحن لا نرى أنه من الصائب أن نجعل عادتهم السائدة قانون وقاعدة العقيدة السليمة. لأنه لو كانت العادة تكفي كبرهان للرأي السديد، فنحن أيضًا بالتأكيد يجوز لنا أن نقدم عادتنا السائدة، وإذا رفضوا هذا، فإننا غير ملزمين باتباع عادتهم. وبالتالي لندع الكتاب المقدس الموحى به أن يكون هو الفيصل، وصوت الحقيقة سيُعطى بالتأكيد إلى من تتفق عقائدهم مع الكلام الإلهي.”

 

وفي هذا النص، لا يطرح غريغوريوس الكتاب المقدس كـ”سلطة حصرية” مستقلة عن التقليد، بل يستخدمه كـ”فيصل” حين تتعارض العادات اللاهوتية. إذ أن خصومه ادعوا نقطتين: أن تعليمه يخالف عاداتهم، وأنه يخالف الكتاب المقدس. فكان رده أن يبيّن فساد ادعائهم من الكتاب نفسه، دون أن يلمّح من قريب او بعيد برفض التقليد الرسولي.

 

لكن هؤلاء الذين يقتطعون كلامه، لم يقرأوا له في مواضع أخرى ليعرفوا من هو غريغوريوس النيسي!

وكي نساعدهم دعونا نقرأ معًا من ردوده على الأونوميانية:

“فليُثبت لنا أونوميوس أولًا أن الكنيسة كانت مخدوعة حين آمنت بأن الابن الوحيد موجود حقًا، لا بكونه كذلك عن طريق التبني من “أب” يُدعى كذلك زورًا، بل بكونه ابنًا بحسب الطبيعة، مولودًا من الكائن، غير منفصل عن جوهر الذي ولده… ولا يعترض أحد قائلًا إن ما نؤمن به يجب أن يُثبت بمنطق بنّاء؛ فبرهاننا كافٍ بكونه تقليدًا تسلّمناه من الآباء، ميراثًا حيًا، انتقل إلينا بالتتابع من الرسل عبر القديسين الذين جاؤوا بعدهم.”

— القديس غريغوريوس النيسي، ضد أونوميوس، Jaeger Wilamowitz-Moellendorf، المجلد الثاني، ص84–85.

 

وهنا نسمعه يدافع عن التقليد الرسولي والمجامع:

“أول ما ينبغي التنبه إليه من مظالم هذا القول، هو أنه في محاولته شرح سر الإيمان، يتجرأ على تصحيح تعبيرات الإنجيل، ولا يستخدم الكلمات التي بها نقل إلينا الرب هذا السر حين أكمل إيماننا: فهو يُسقط أسماء “الآب والابن والروح القدس”… ثم في أزمنة لاحقة اجتمعوا في مجامع مقدسة لتحديد ما نشأ من غموض حول العقيدة؛ وهي تقاليد محفوظة باستمرار كتابةً في الكنائس…”

— القديس غريغوريوس النيسي، ضد أونوميوس، الكتاب الأول، فصل 13.

 

كما يؤكد على أهمية انسجام الإيمان مع تعليم الكنيسة:

“فلننظر إذًا إلى الكلمات التالية: “إنه دائمًا ووحده واحد، يبقى على الدوام بشكل ثابت وغير متغير الإله الوحيد.” … فإن كان هذا التأكيد يخص الآب، فلا ينبغي له أن يعارض تعليم التقوى، لأنه في هذه النقطة يكون في انسجام مع الكنيسة.”

— القديس غريغوريوس النيسي، ضد أونوميوس، الكتاب الثاني، فصل 5.

 

ويشدد أخيرًا على ميراث الآباء:

“بما أن الكنيسة، بحسب التعليم الإلهي، تؤمن بأن الابن الوحيد هو بالحقيقة إله… فإن ما يكفي لإثبات قولنا هو أن لدينا تقليدًا منحدرًا إلينا من آبائنا، نُقل إلينا كميراث، بالتتابع من الرسل والقديسين الذين جاؤوا بعدهم… فمن ذا الذي يكون بهذا القدر من السذاجة… حتى يعتبر تعليم الإنجيليين والرسل، وأولئك الذين توهجوا كأنوار متعاقبة في الكنائس، أقل وزنًا من هذا الهراء غير المثبت؟”

— القديس غريغوريوس النيسي، ضد أونوميوس، الكتاب الرابع، فصل 6.

 

إذن غريغوريوس نفسه يتكلم من داخل التقليد، ويستشهد بالآباء والكنيسة والمجامع، مما ينسف تمامًا المحاولة البروتستانتية لتوظيف كلامه كتأصيل لمبدأ سولا سكريبتورا الفاسد.

 

يا إخوتي الأحباء، احذروا ممن يتزيّنون -زوراً- بلباس التعليم الرسولي، وهم في حقيقتهم يتبعون كالفن وزوينجلي، ويسعون إلى تشويه الآباء والاعتداء على تقليد الكنيسة المقدس. إنهم يتخفّون تحت ستار البحث عن “الحقائق”، بينما غايتهم زرع البلبلة والانقسام داخل الأرثوذكسية ، وإبعاد أبناءها قدر الإمكان عن تراث الأرثوذكسية، لأن هذا التراث يحمل نورًا يبدّد كل ظلام البروتستانتية!

ميزوا الأرواح واعزلوا الخبيث، لأن الرب أوصانا: “من ثمارهم تعرفونهم”. وما ثمارهم إلا الانشقاق والخصام، إذ لم يعرفوا عبر تاريخهم كله سوى الانقسام على ذواتهم وتمزيق جسد المسيح الواحد.

اثبتوا في التقليد الرسولي، واسندوا قلوبكم بتعاليم الآباء، فالحق لا يُسلَّم إلا من يد الكنيسة — جسد المسيح — التي حفظت الإيمان بدماء الشهداء وأتعاب القديسين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *