من واقع الإسقاطات والأفكار المسبقة والتكرار العقيم لأسطمبات جاهزة، ومن واقع حالة التنصل والتبرير المستمر عند نقد أي توجه – زي لما يحصل حادث إرهابي وننتقده، يدخل شخص مسلم يقولك: " ليس من الإسلام ولا من الدين"، مع أن محدش أصلاً جاب سيرة إنه من الإسلام. هو قرر يدخل ويحسس على خبطة في دماغه أو …
من واقع الإسقاطات والأفكار المسبقة والتكرار العقيم لأسطمبات جاهزة، ومن واقع حالة التنصل والتبرير المستمر عند نقد أي توجه – زي لما يحصل حادث إرهابي وننتقده، يدخل شخص مسلم يقولك: ” ليس من الإسلام ولا من الدين”، مع أن محدش أصلاً جاب سيرة إنه من الإسلام. هو قرر يدخل ويحسس على خبطة في دماغه أو في توجه بيمثله، ويرد على شيء محدش ذكره بدل ما يقدم صورة إنسانية فيها تآزر مع الضحايا.
نفس الشيء مع الديباجات العامة جدًا وغير المحددة بالمرة، زي الاسطمبات اللي بنكتبها في اي موضوع تعبير: “مما لا شك فيه أن هذا الموضوع من أهم الموضوعات… والخ”، أو عند نقد او تفكيك شخصية دينية او سياسية عامة: “له ما له وعليه ما عليه”، أو لما تتكلم في موضوع حساس وبيخبط حد في توجه او فكرة: “بلاش تعميم” .. كلها ديباجات عامة جدا وفي الحقيقة مش بتقول ولا حاجة.
ونفس الأمر مع الصوابية الدينية، زي: “دي إدانة وسخرية، لا تدينوا لكي لا تدانوا…”، او: “سيب الحكم لربنا واهتم أنت بخلاص نفسك”..
وكذلك مع صياغات الابتزاز والشحن العاطفي، زي: “انت تعرف ممكن كلامك دا يكسر كام إنسان بيحاول كل يوم يوصل لحالة أفضل”، أو: “انت تعرف إيه عن الناس دي وعن رحلتهم غير إنك قاعد تحت التكييف وماسك مج النسكافيه بتاعك وقررت تكتب بوست تقول فيه أنا أحسن منكم” .. وزي: “انزل اخدم الفقرا والمحتاجين بدل ما انت قاعد على الفيس تنتقد في خلق ربنا” ..
ونفس الشيء مع الصوابية الأخلاقية، زي: “كلامك منفر جدًا وأسلوبك عنيف، وبدل ما تتكلم عن الضلمة خلينا نصدقك ونشوف النور في حياتك وفي كلامك يمكن دا يخلي غيرك يستفيد.”، “ازاي ضميرك يسمحلك تتريق على اخوك بالشكل دا؟”
وأيضًا الصوابية السياسية زي: “انت بتعمل بلبلة وقلق وعثرة لباقي اخواتك”، “انت هتفهم اكتر من القائمين علي العمل، ولا مش عاجبك القسيس فلان ولا الانبا فلان، ولا البابا فلان”، “الوقت مش مناسب للكلام دا”، “لو مش عاجبك امشي، قاعد ليه فيها”، “هات دليل او مرجع والا تبقي كذاب وبتعرض نفسك للمساءلة القانونية”
ولا ننسى المغالطات المنطقية – وإن كان كل اللي فات هو في الأصل مغالطات منطقية – لكن أهمها أنك لو هتذكر السلبي عندي، هرد عليك بذكر السلبي عندك، بدل ما أعترف معك بالسلبي عندي أو أقدم دفاعًا متزنًا، وزي التهم الجاهزة، وتسميم البئر عند ذكر أي توجه أو شخص عليه جدل، أو صنع رجل خيالي وننسب له كل ما حلمنا به ثم نهاجمه على خيالنا عنه (رجل القش).
كل صياغات “الكليشيه” السابقة و السابقة التجهيز حاضرة في أي حوار، مناسبة لأي موضوع حتى قبل قراءة النص أو الإصغاء للآخر بشكل متزن. وهدفها اخراسك وفقدك للتمييز الطبيعي وحقك الانساني الالهي اللي بيقول انك موجود وفاعل وحر.
من واقع كل دا كان ضروري ومهم جدًا كتابة هذه المقدمة أو التمهيد، باعتبارها معطيات أولية قبل الكلام في أي موضوع. وهنا لازم أقول إن أفكاري متزاحمة جدًا ومتشابكة جدًا وتحتاج لإعادة ترتيب. أنا عارف الرؤية العامة اللي هتكلم فيها، لكن لسه مش محدد ترتيب الموضوعات هيكون إزاي.
بحب أبدأ وأنا عارف مسبقًا كل الأمور “سابق التجهيز” في النقد العمومي جدا والانفعالي والغير واضح حتى لصاحبه، عشان كدا بحط معاك معطيات أولية ترد على التعليقات “سابق التجهيز”. وبالرغم من أن التجربة بتقول إن ذهنية متشكلة بهذا النمط عبر سنين طويلة مش هتغيرها مقدمة ساذجة جدا زي دي، إلا أن المقدمات دي ممكن تحدّ بشكل ما من تكرار هذه الأمور. والأهم إنها بتريحني أنا أولاً، وثانيًا بحاول أوصل الفكرة للمتلقي. فلو جه أي تعليق من النوع اللي ذكرته، ردي ببساطة: “اقرا المقدمة أو التمهيد لو سمحت.” فهتلاقيني في كل المقالات الجايه برجعك للمقدمة دي.
في الموضوعات الجايه، هنتكلم كتير في تفكيك ونقد البروتستانتية، وبالأخص “الباراديم البروتستانتي” أو “الإيثوس البروتستانتي“. أنا متردد في استخدام لفظ “ذهنية بروتستانتية” لأنه لا توجد فرونيما أو ذهنية داخلية متماسكة في البروتستانتية، بل حالة تشظي كنسي له اطار تفكير (باراديم) وسلوك معين (إيثوس) فتوصيف “الباراديم (Paradigm) البروتستانتي أوالإيثوس (Ethos) البروتستانتي” اقرب في الادراك بالنسبالي من وصفها بكونها (ذهنية).
هنتاول دا مع بعض، ولو بشكل غير منظم أحيانًا، لأن الأفكار متداخلة والزوايا متعددة وتحتاج وقت للترتيب. ولو استنيت الترتيب الكامل مش هكتب حاجة لا لكم ولا لنفسي..
المعطيات الاولى المهمة بالنسبالي مبدأيا وممكن نزود عليها مع بداية كل مقال من المقالات القادمة هي كالآتي:
- كل كلامنا ليس عن أشخاص ولا عن طائفة بعينها داخل البروتستانتية. الأشخاص – من وجهة نظري – هم بطريقة ما جزء من جسد المسيح. ربما الجزء “الموعوظ” الذي لم يبلغ الأسرار الكنسية، لكنه يظل من جسد المسيح. المسيح لا يشوه جسده ولا يبتر عضوًا من اعضاءه، حتى وإن كان هناك أعضاء متمردة ترى حياة ذاتية خارج هارمونية الجسد.
- كلامنا ليس حكمًا على خلاص أو هلاك أحد. رجاء الكنيسة، كما هو ظاهر في ليتورجياتها، هو خلاص الجميع ومعرفة الحق (يسوع المسيح) وقيامة الأموات وحياة الدهر الآتي.
- المؤسسات البروتستانتية ككيانات مستقلة كل منها له تاريخه ولاهوته وظروف انشقاقه (لوثرية، معمدانية، ميثودية، مشيخية، إنجيلية… إلخ). لكن بما أن الفردانية هي جوهر البنية البروتستانتية، فحتي أفراد المؤسسة او الطائفة الواحدة غالبًا لا يجمعهم تقليد واحد واحد اذ تتسيد الفردية في كل شيء كأسلوب حياة.
- عندما نتحدث عن “الإيثوس أو الباراديم البروتستانتي” فنحن نصف عقلية عامة قد تتسرب حتى داخل الكنائس الأرثوذكسية عند بعض الأعضاء. عشان كدا ارجوك متدخلش باسطمباتك الجاهزة بتاعت “بلاش تعميم” لان ردي هيكون ارجع للمقدمة واقرأ المعطيات الاولى دي تاني لان النقد موجه لبراديم او ايثوس، لمنهجية وبنية عقلية مش لشخصك صدقني، النقد موجه يا سيدي لشخصي انا لان لا اخلو من هذه البروتستانتية في حياتي الخاصة.
لحد هنا ودي مقدمات قد تكون اكثر عمومية ولكن في كل مقال يجي في السكة وفي كل مره نركز علي حاجة معينة الكلام هيكون اكثر تحديدا بمقدمات واضحة اكتر، محددة اكتر.
كدا يتضح الهدف من نقد البروتستانتية في نقاط عامة، وممكن برضو نزود عليها في كل مره بشكل محدد اكتر عند تناول كل موضوع علي حده، فايه الهدف من النقد؟
- ليس الهدف من نقد البروتستانتية العداء الشخصي مع اي انسان ينتمي لاي مؤسسة بروتستانتية، العكس صحيح تماما لان المحبة هي الهدف الأول للنقد، المحبة للانسان في عمومه، فهنا الكلام عن البنية البروتستانتية هو بذاته الكلام عن العلل الدخيل لذواتنا جميعا، هو نقد للذات الغير مشفيه، لان البينة البروتستانتية بكونها الهوي والأنانية والفردانية التي لم ولن تبلغ أبدا الي اي وضع شخصاني هي المرض الطفيل والدخيل علي الكيان الانساني، ولهذا دائما ما أدرك ان ارثوذكسيتي ليست كاملة وان الكثير من البروتستانتية يتخلل كياني كالعدم الذي ينخر في حياتي ويحاول التطفل علي وجودي الحي..
- لا تقوم الارثوذكسية علي انقاض البروتستانتية، فنقد البروتستانتية بمثابة سلخ ما هو دخيل علي الارثوذكسية وما نسب لها في الكنائس التقليدية، وهنا مهم نقول ان الارثوذكسية مهياش طايفة او كنيسة معينة، بل هي الحدث الوجودي واللغة اللاهوتية في المسيحية الجامعة لكل تقليد الكنيسة وليتروجياتها وخبرات ابائها، هي الاجابة عن سؤال ليه انا موجود هنا؟، ورايح فين؟ وماذا سأصير، وما هو الهدف المرجو من حياتي؟ فهنا سلخ الامراض المتمثلة في الاستهلاك والرأسمالية والاهواء والفردية والانانية وبناء متكامل لتربية شخصية مليئة بالامراض والنرجسية من الجسد الارثوذكسي وهذا بالتأكيد يتطلب تفكيكا للبنية البروتستانتية، ولان الاشياء تُعرف بنقيضها، فلما تظهر فكرة جذابة في الكنيسة ولكنها داخلها مرارة الهوي والاستهلاك والفردية، لا يمكن التعرف علي خطورة الفكرة الا بشرحها داخل البنية البروتستانتية ..
مع نهاية الاهداف دي فانا بشجعك تسمع الحلقة الجايه من البودكاست عن (نحو الارثوذكسية الجزء التاني فيها كتير مهم يخص موضوعنا).
اخيرا ايه سمات البنية البروتستانتية اللي هنقدم ليها نقد وبرضو دي ممكن نزود عليها في كل مره نفكك فيها بشكل اكثر تحديدا ورغم ان ذكرت دا كتير في المعطيات الاولي والهدف من النقد، بس دا لا يمنع نحط دول في نقط قدام عنينا في كل المرات الجايه، فسمات البنية دي:
- الحياة الفردية وليست الشخصية: الفرد منكفيء علي ذاته، مرجع لذاته، وبياخد الروح القدس ويحدره لذاته ويحوله لتجربة حسية وينسب له كل انفعالاته الخاصة ليصبح الروح القدس محاكاة لحالة الفرد لا العكس، واللي هو ازاي الروح القدس ينقلك نقله جذرية علي مدار تاريخ نموك كله وينزهك ويشفيك.
هنا يبان لينا ان الحياة الشخصية ارثوذكسيا لا تتحقق الا داخل الشركة الكنسية وبسلخ الحريات الذائفة لبلوغ حرية حقيقية انطولوجيا حرية تتجه نحو الله لا تنحصر في الاختيار من بين متعدد، حرية لا تتحقق الا داخل الشخصانية والشركة والمرجعية الكنسية لان الروح القدس ليس تجربة حسية بل هو الفاعل في كل الجسد وفي اعماق الجسد وفي الاسرار جوا اوي اوي متجاوز للحواس ولحالة تتجاوزك انت شخصيا عشان تعلمك ازاي تتجاوز نفسك لحدود اوسع (ابقوا شوفوا كل المقالات علي آليثيا من اصدقاء كتير كتبوا عن اللاهوت السلبي).
- تشظي الهوية: لا يوجد وحدة للكيان الانساني في البنية البروتستانتية (يعني في الحقيقة مفيش اي انثروبولوجيا بروتستانتية لانه لا انسان في البروتستانتية، برجعك مره تاني للجزء الثاني من بودكاست نحو الارثوذكسية ابقي اسمعه لما ينزل)، بل انقسام علي الذات، وهلع مستمر، وانفعالات مبالغ فيها وفصام، بحث مُفرط عن التحقق او التأكيد من خلال سرد الخبرات الانفعالية الشخصية مع الله لتأكيد الفرد لنفسه عن صحة ايمانه، وتسكين الاحساس بالاغتراب الداخلي من خلال تصفيق الجموع بعد السرد والغياب عن الوعي في تجارب التكلم بالسنة والمعجزات والصلوات الانفعالية والرقص (تقريبا نبقي نفرق في المرات الجايه بين الرقص كفن وعلاج نفسي، وبين الرقص في الحالة البروتستانتية كتغيب)، وهيبره في كل حاجة، الانسان في البنية البروتستانتية لا يمكن ان يكون طبيعي ابدا، ان بدا طبيعي يجري سريعا الي حالة من التغيب والهيبره للتغيب عن آلامه وعدم مواجتها.
- الفراغ الوجودي: غياب السر عن البروتستانتية، والسر هو المدخل الوحيد لتجاوز حدودك والتعبير عن تصميمك الانساني/ الالهي، وبلوغك لمعني يتجاوز هرم ماسلو من قاعدته لقمته، غياب السر والتأله عن البروتستانتية كهدف للحياة وفصل الله عن الانسان (لانه لا تجسد للكلمة عملي وحقيقي في البروتستانتة، يوجد فقط تعبير لفظي عن التجسد لا يعبر عن الواقع لا في ترانيم ولا في صلوات ولا في سلوكيات) يجعل الحياة متوجه بالعدم كنهاية لانه لا معني حقيقي يشبع هذا الفراغ الانساني الذي لا يملأه الا الثالوث، وبالتالي الفرح الانفعالي والسعادة الانفعالية والخبرات الانفعالية واحلام القداسة والمعجزات وحكي الروح القدس في ودان الكتير اللي بمثابة وسواس قهري ليل نهار، والمسيح اللي بيحكي وبيتعشي معانا اخر اليوم، كل هذه الاحلام بديل ومسكن قوي عن هذا الفراغ الوجودي العنيف والذي لا يكف عن الصراخ في الداخل ولا يظهر صراخة الا عندما تنهاراحلام النعمة الرخيصة والشفاءات الباراسيكولوجية في مواجه اخيرة للشخص مع مواته الشخصي عندما لا تكفي الجرعة علي تسكين هذا الفراغ (بلغة الادمانات لما الشخص يجيب قاع) وبلغة الكنيسة (لما يجي ملء زمان الشخص كتجربة خاصة جدا يستنفذ فيها ناموسه الشخصي كل مراحله لتقديم الخلاص ويطلب الله متجسدا في حياته، مش طلبي ان اشوف المجد بل مجد الله الساكن الانسان).
- الاستهلاكية المرتبطة بالرأسمالية علي طول الخط، ورمزية الرأسمالية هنا يمكن ان نراها في استهلاك مواهب الروح القدس وبيعها بثمن رخيص من تجار وديلر الحركات الكارزماتية، فيتحول الروحي لسلعة ومنتج وسوق كبيير اوي، وتتحول الحياة لبحث في الخارج عن حياة رغدة علي طريقة بركات العهد القديم المادية، ولا حياة في الداخل لانه زي ما قولنا لا انسان اصلا في البنية البروتستانتية.
- تربية شخصية نرجسية … نبقي نتكلم في دي كتييير لما نتاول تفكيك افراد الاصلاح البروتستانتي ..
طبعا كل السمات اللي فاتت دي بترجم مباديء وشعار الايمان في البنية البروتستانتية وازاي الاصلاح البروتستانتي صاغ مبادئه وايمانه في خمسة سولا .. بيظهر فيهم كل سمات البنية البروتستانتية اللي ذكرتهم فوق وكمان ازاي هنفكك دا المرات الجايه ..
الخمسة سولا:
sola scriptura (Scripture alone) الكتاب وحده
solus Christus (Christ alone) المسيح وحده
sola fide (faith alone) الايمان وحده
sola gratia (grace alone) النعمة وحدها
soli Deo gloria (glory to God alone). المجد لله وحده.
لا تجد الانسان في الخمسة سولا ولا في شرحهم .. نحكي في دا برضو المرات الجايه.. اللي هيسطر دماغي ويخليني ابدأ في حاجة قبل حاجة هو تعليقاتكم وانتقادتكم (واسف بعض الشتائم اللي بتوصلني علي صراحة او في رسائل الازر علي الفيس واللي مش بنزل معظمها) متعرفوش قد ايه مهمة وبتساعدني احكي واشارك معاكم اكتر ..
اللوحة للفنان النرويجي إدفارد مونش بعنوان “الصرخة” (The Scream)، تأملها واربطها بسمات البنية البروتستانتية .. او اعمل سيرش واقرا عنها اكتر ..
التعليقات
bemn
حقيقي بشكرك… كمل …
Raed Gaied
محتاجين صلوات حضرتك لان في ناس كتير فاهمة الكلام بطريقة سلبية ومضايقين من دا .. في حين انه لا يوجد هدف من هذه المقالة والمقالات القادمة الا التمييز والمحبة والبُعد الشفائي