اذا ما دخلت لكنيسة ارثوذوكسية في أسبوع الالام الذي يسبق احد القيامة. ستجد قرب المذبح ايقونة موضوعة لإنسان مرفوع علي صليب له منظر الضعف والوهن. جوقة المرتلين وباقي الشعب يصرخون تجاهه بفرح لا يفهمه عابر سبيل: يسوع المسيح ملكُ المجد! لك القوة والمجد والبركة والعزة الي الابد! أي قوة واي مجد ذاك الذي تتحدث عنه …
اذا ما دخلت لكنيسة ارثوذوكسية في أسبوع الالام الذي يسبق احد القيامة. ستجد قرب المذبح ايقونة موضوعة لإنسان مرفوع علي صليب له منظر الضعف والوهن. جوقة المرتلين وباقي الشعب يصرخون تجاهه بفرح لا يفهمه عابر سبيل: يسوع المسيح ملكُ المجد! لك القوة والمجد والبركة والعزة الي الابد!
أي قوة واي مجد ذاك الذي تتحدث عنه الكنيسة! وهي التي قرات بلسان اشعياء النبي قبلاً: انه لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه: محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به. من هو ذا الذي يقبل ان تنفذ فيه عقوبة كالصلب ويذهب ليلاقي الموت ثم تمجده الجماعة وتمتدح قوته كملك!

موت الإنسان
الانسان الأول المجبول من العدم بقوة الله اللذي خلقه علي صورته ليكون له إرادة حرة ويختار ان يقيم علاقة معه فيصير له وجود ابدي: عندما أراد ان يإكل من الشجرة التي وضعها الله “رمزياً” خارج نطاق البركة كتعبير عن إمكانية الانسان ان يكون حراً، فقد اعلن ضمنياً انه يريد ان يتلقي حياته “الاكل” من مصدر يحدده هو، فإن فعل الاكل الذي كان سابقاً يدعم علاقة الانسان بالله، عندما يأكل الانسان من شجر الجنة ويشكر فهو يعترف ضمنية بأن حياته ليست من ذاته. بل يحيا من خلال علاقته مع الله التي صورت بفعل الأكل علي مدار الكتاب المقدس كله. في فعل الشكر”الافخارستيا” يقول الانسان لله انه لا وجود له بذاته ولا حياة له من دونه. فالاكل من شجرة معرفة الخير والشر يعني ان الانسان قد حسم شركته مع الله وصارت له شركة عضوية مع الشجرة وحدها. أي مع مصدر فانٍ مثله بالطبيعة وهذا هو الموت الذي تملك علي الانسان وصار حتمياً بحسب إرادته فقط وليس إرادة الله.
يبقي الانسان علي قيد الحياة يتنفس ولكنه يعلم ان حياته هي “حياة ميتة” كما كتب القديس غريغوريوس النيسي. يتسيد عليه الخوف من الفناء بحسب طبيعته. مخلوق بدعوي ان يصير إلهاً ولكنه يفني ويموت! من اين يروي عطشه اللانهائي لله؟ ذلك العطش المتأجج بداخله. من اين يحققه ويوجه توقه إليه؟ ذلك العطش غير المروي والذي يصطدم بجدران ذاته يرتد ويتحول الي اهواء. كما كتب القديس مكسيموس المعترف: ان سبب تحول الطاقات الطبيعية الي اهواء مدمرة هو الخوف الخفي من الموت (2) ما هي الاهواء؟ انها توق مطلق نحو الله انحرف عن غايته فتوجه ليشبع من مصادر مخلوقة كأنها ألهة..
من هذا المنطلق راي بعض اباء الكنيسة في الموت الجسدي رحمة من الله الذي لا يشاء ان يبقي الانسان ابدياً في هذا الجحيم .. يجب لهذا الوجود المائت الذي جلبه الانسان علي نفسه ان يكون له نهاية. كتب اللاهوتي الارثوذوكسي فلاديمير لوسكي: لم يكن الموت أبدًا حُكمًا قانونياً من الله [ بإعدام ] البشرية . لقد كان عقاب تربوي لأب مُحب، وليس غضبًا اعمي من طاغية. كان طابعها تربويًا للإستعادة . لقد منعت استمرار حياة منفصلة عن الله. لم تضع حدًا فقط لفناء طبيعتنا وموتها ، ولكن، من خلال مآساة المحدودية [ مأساة القلق او الكرب الوجودي ] ، ساعدت الإنسان على أن يصبح واعيًا بحالته ويلتفت إلى الله. (3)
إذن فالانسان الأول “بإرادته” قد حسم شركته مع الله من خلال فعل الأكل فتملك عليه الموت بحسب طبيعته وحده. انه مخلوق من العدم وليس له حياة في ذاته.. فالموت هو نتيجة لفشله ان يحقق بإرادته دعوته الاصيلة .. السقوط إذا هو فشل الإنسان في ان يوجد ابدياً في الله ..
سر موت المسيح وموت المسيحيين فيه
قال احد اللاهوتيون ذات مرة: “إن السر يبقي سراً. ربما يكون العالم المخلوق ممهوراً بخاتم العدم الذي أتى منه، لكنه منسوج أيضاً بحكايات لا تحصى لا بد لها من أن تصل يوماً إلى خواتيمها علي نحو لا نستطيع إدراكه حتى تستقيم قصة الخلق ويكون للحكاية معني.”
نعم. نحن في حضارة محاصرة بطريقة ما بالعدم. نحن نعيش بأقل سوء ممكن، نحاول ترتيب الأمور بأفضل شكل ممكن، لكن في النهاية، سيتم ابتلاع الجميع في المحرقة. العدم حاضر، ويثقل علينا، بوعي أو بغير وعي. وما يقوله لنا الإنجيل هو أن يسوع المسيح، الاله الحي جاء ليكون ليدوس الموت. الله نفسه دخل إنسانياً، وعانى الموت، وقام من بين الأموات، أي أنه وضع حياة، وضع أبدية، في قلب تجربة الموت. لم يكن ابن الله يتفلسف علينا وهو معلق علي الصليب حينما قال: إلهي إلهي لما تركتني! لقد طرح يسوع سؤال الإنسان، لأنّه يعرف تماماً معنى أن يموت الإنسان، ومعنى أن يخاف من الموت! صعود الله علي صليب بشري هو نزوله الي عمق جحيم الانسان! الي تلك الحالة التي هي غياب وترك. حينها يتحول غياب الله الي عنوان حضوره!
يسوع المسيح وبكونه ابن الله بالطبيعة صار إنسان مثلنا في كل شيء وبقبوله للموت فقد اخضع إرادته لله الاب وهذا ما عجز عنه الانسان. لم يمارس حياته ” الاكل” كشركة مع الله فملك عليه الموت بحسب طبيعته. ان يقدم ارادته لله : يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُك. يضع يسوع خاتمة تمرد الانسان عندما يطيع .. ولكن ليس من خلال فعل اكل هنا. بل فعل “الموت”.. يسوع يتعامل مع النتائج المُرة التي جلبها الإنسان علي نفسه! من خلال طاعته وقبوله للموت فقد حول الموت الي شركة إنسانية مع الاَب!
يسوع يقظ. يواجه واقعنا البشري ونحن نيام! يقبل موت الإنسان ليدخل فيه ويحوله!

يحقق ربنا يسوع نمط الوجود الذي كان الانسان مدعواً ان يحققه وفشل. يواجه يسوع الموت الذي هو مصير كل بشر بالصليب وبكونه إلهاً فهو خالق، وهو حي الي الابد لا يموت ولا للموت عليه سلطان. يدخل الي الموت بإرادته من قِبل الصليب. ويهزم سلطانه علي انسانيته. ومنذ ذلك الحين، يمكن لكل إنسان أن يُحوّل حتمية الموت إلى حرية التخلي عن كل مطلب للوجود الذاتي؛ يمكن لكل إنسان أن يُعيد حركة المسيح، وهي حركة معاكسة لتمرد آدم، ويُعيد إمكانية الوجود لا في بحسب طبيعته، بل في العلاقة الشخصية مع الآب. هذا هو طريق الانسان المسيحي. ان يموت في المسيح، أي يسلم حياته لله، لا يكون للموت عليها سلطان فيما بعد.
وبالتالي فأن المسيح بتجسده استخدم “الموت نفسه” من أجل هزيمة الموت، الموت وهو ذروة وتجلي العدم في حياة الانسان، وسيلة للعبور إلى أدنى درجة من الوجود، قد تحول الي علاقة! إلي فعل تسليم الحياة كلها لله! صار طريق عبور الي الاب. الي الحياة في الله. يسوع في جثيماني بقبوله للموت يمارس “الميطانيا” التي فشل الإنسان ان يمارسها. فصار موت الانسان في المسيح هو انتقال الي الاب، هو فصح، عبور. اذ ليس هو موت بل انتقال (3) منذ ذلك الوقت وكما يقول القديس اثاناسيوس: صار المسيحيون يدوسون الموت وكأنه عدم.
دعوتنا كمسيحيين ان نحول احداث حياتنا كوسائل شركة مع الله، من هذا المنطلق، نقرأ احداث الكنيسة بكونها موجهة لشفاء الانسان، لشفاء إرادته. لكي يمارس فعل الموت الطوعي ويشترك في حياة يسوع التي هي بكليتها نحو الله. هذه هي التوبة. الكلمة اليونانية “ميتانيا” لا تعني فقط ‘الندم’، بل تعني ‘تغيير العقل’ و’تحويل الاتجاه’… التوبة هي أن أموت عن إرادتي المنفردة لأحيا في إرادة الآب، كما فعل المسيح.
فالانسان الذي كان سابقاً يحيا بحسب طبيعته فيموت يشترك داخل الكنيسة في هذه الحركة الفصحية التي مارسها يسوع من خلال الصوم والصلاة، حتي فعل الاستشهاد. كلها أفعال حرة ارادية غير خاضعة لمطالب الطبيعة. كالاكل وغريزة البقاء. فهو يتخلي عن إرادته الطبيعية لكي يشترك في فعل الإخلاء الذي مارسه يسوع المسيح الذي هو فعل سكني ووجود في الاَب! فكل تخلٍّ إرادي من قبل الإنسان عن استقلاليته الوجودية، من أجل محبة الله، يشكل تكرارًا وتقليدًا للتخلي الذاتي على صليب الابن.
ولأن جسدنا هو من نفس طبيعة جسد المسيح الذ اخذه من والدة الإله وقام به من بين الأموات وادخله في حياة الثالوث. فإن جسدنا الفردي، الهش عندما ينطرح كرهاً في مرض مؤدي الي موت أو اختيارًا (في المعمودية، أو الانضباط الروحي، أوالاستشهاد)، مقاوماً وجوده الذاتي، فإن إنسانيتنا المخلوقة تتحد مع تيار الحياة الذي المتدفق عبر طبيعتنا بعد اتحادها الأقنومي مع اللاهوت في شخص يسوع المسيح.
وإلا فلماذا صار صليب المسيح إذا هو التعبير البارز عن إيمان المسيحيين. لماذا يرسم المسيحيون صليباً علي أيديهم وعلي ابوابهم وفوق رؤوسهم؟
كتب اللاهوتي والفيلسوف الارثوذوكسي خريستوس ياناراس:
ان صليب المسيح قد اصبح الرمز البارز للكنيسة،وهو تعبيرًا محسوسًا وإظهارًا لإيمان المسيحيين، فليس لمجرد تذكير بآلام الإله-الإنسان الذي دفع الثمن لعدالة الله الغاضبة [ كما يدعي الفكر القانوني] لقد طبّق المسيحيون علامة الصليب على أجسادهم، مظهرين التخلي الذاتي الطوعي عن الاكتفاء الذاتي الفردي، وتقديم حياتهم لمشيئة الآب. كما يقول القديس مكسيموس المعترف “كل الأشياء المنظورة تحتاج إلى صليب ،وكل الأشياء المعقولة تحتاج إلى قبر”. كل ما يمكن رؤيته، كل ما يصبح في متناولنا من خلال حواسنا الفردية وكل معرفة نكتسبها بفهمنا الفردي، كل ما يبدو خاضعًا لنا بفضل قدراتنا الفردية، يجب أن يُصلب ويُدفن، أن يُمات كيقينيات فردية وكرسوخ للأنا، لأنه لا يمتلك قيمة في ذاته بل في الله يمكن لكل شئ ان يعمل كعلاقة محبة وتجاوز للذات..

أي ان كل ما أراه (جسدي، ممتلكاتي، إنجازاتي) يجب أن “يُصلب”، أي أن أتخلى عن تعلقي به كغاية في حد ذاته. وكل ما أفهمه (أفكاري، قناعاتي، يقينياتي) يجب أن “يُدفن”، أي أن أموت عن كبريائي العقلي لأستقبل الحقيقة كنعمة، لا كإنجاز..
لذلك يرشم المسيحيون أجسادهم بعلامة الصليب، ليس فقط عندما يصلون، بل عندما يشرعون في أي عمل كان، على الخبز الذي سيأكلونه، وعلى الكؤوس التي يشربون منها، عند الدخول والخروج ، عند الذهاب إلى الفراش وعند القيام منه. كل مرحلة وكل منعطف في حياتنا اليومية يُختَم بعلامة الموت المُحيي، الطاعة لمشيئة الآب، إرادة الحياة، لأن الصليب ليس علامة تذكار أو إشارة عاطفية أو تعليمية أخلاقية، بل رمزًا ومظهرًا للتشكل على نمط وجود المسيح، طريق الحياة(4)

لا اجد ختاماً كافياً إلا شهادة شخصية سجلها خريستوس ياناراس متحدثاً عن لغز الحب والموت الذي إنشغلنا به في اول مقال. كتب في سيرته الذاتية:
لقد درستُ طوال حياتي اللاهوت والفلسفة، وامتلأت شغفًا بالفيزياء الحديثة وعلم الكونيات، وقرأتُ علم النفس وكثيرًا من التاريخ. وفعلتُ كلّ ذلك باحثًا في اللغز الواحد الذي يحيرني: لغز الوجود الذي يستطيع أن يحب بلا هوادة ولا يموت. وقد وجدتُ الجواب الأكمل عند آباء الكنيسة اليونانيين – أعمق ما فتح بصيرتي حتى الآن. ومع ذلك، فإنّ الإحساس باليقين أنّ جسدي يومًا ما، وليس بعيدًا، سيتحلّل في التراب – هذا الجسد الذي به أتلذّذ بالحواس وبحدة العقل، الجسد وحده الذي به أستمتع بجمال العالم، وأسافر إلى أطوال الأرض وعروضها، وأبتسم للذين بجانبي، وأشير وأتكلّم وأسمع الموسيقى وأمارس الحب – هذا الإحساس بأنّ جسدي سيصير طينًا لا يمكن أن يُوازن حتى بمعرفة اللاهوت الآبائي، ولا طبعًا بدوخة معطيات الفيزياء الفلكية أو نتائج التحليل النفسي، التي تُرغم العقل على الاعتراف بسلطة عليا، موجودة بذاتها ومصدرًا لكلّ شيء.
فلآلاف السنين، لحظة بلحظة، يموت آلاف الناس على الأرض، وموتي سيكون واحدًا من موتٍ لا يُحصى، حبّة أخرى في الرمل تمرّ عبر ساعة الرمل الأبدية. وفي مثل هذا الجريان، حيث تُسحب حياتي أقرب فأقرب إلى النهاية الحتمية، لا أيديولوجيا ولا معرفة ولا علم يضيء لي دعامة أتشبّث بها، لأمنع نفسي من الغوص رأسًا في دوّامة العدم. أمّا مخطّطات إعادة الهيكلة الاجتماعية والجدلية التاريخية، فأنا، وأنا على شفير الموت، أضحك عليها بلا ذنب.
إنما عند اسم واحد أتوقّف. ليس فكرة ولا مفهومًا، بل مجرد اسم – «علامة» حياة شخصية، اسمية، وفي الوقت نفسه كاثوليكية: اسم يسوع المسيح،امام ما يشيراليه هذا الاسم وما تحويه حياته، تُسخر الأفكار، وتصبح المفاهيم بلا جدوى، ولا يعود لغز الحب والموت ينتظرني على مفترق الطرق. وأي كلمة أخرى بعد هذا الاسم تبدو فائضة.
———–
1- Maximus the confessor -questions a thalassus 61
2- Orthodox theology an introduction- by Vladimir lossky ch 4
3- اوشية الراقدين- من صلوات الكنيسة الارثوذوكسية.
4- Elements of faith , by Christos yannaras






